قضايا وآراء

التناقض بين الموقف السياسي والأعراف الدبلوماسية: إسرائيل وتشيلي

1300x600
ورد في الأخبار أن رئيس تشيلي رفض استلام أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي احتجاجا على قتل الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين، وبعد ساعات قدمت تشيلي اعتذاراً لإسرائيل وأكدت عزمها على تصحيح الخطأ. فكيف نحلل هذا السلوك في إطار الأعراف الدبلوماسية، بقطع النظر عن الشعور الداخلي بالسرور لوقوف تشيلي مع الضحايا في فلسطين؟

والثابت أن الدولة تبعث برسالة سرية إلى دولة المرشح ويتم التفاهم بينهما على شخص المرشح سفيرا لدى الدولة المستقبلة، ويسمح القانون الدولي للدولة المستقبلة بأن تعترض على شخص المرشح في أي وقت دون إبداء الأسباب، وحتى بعد اعتماده يجوز أن تسحب الموافقة أو تعلنه شخصا غير مرغوب فيه، فإذا وافقت عليه في اتصالات سرية بعثت إلى دولة المرشح بالموافقة وهذه الموافقة مبدئية.

والواقع أن تشيلي قد وافقت على شخص المرشح الإسرائيلي، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي أن تعلن إسرائيل حركة التنقلات بين سفرائها المبتعثين إلى مختلف الدول، فيحظر على الدولة المرسلة أن تفرض اسما معينا على الدولة المستقبلة إلا في حالات اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل، وكذلك السفراء الأمريكيين في السنوات الأخيرة في الدول العربية.

في سبعينات القرن الماضي رفضت السعودية المرشح الأمريكي سفيرا لديها، وبررت بأنه يهودي وإن مواقفه تؤيد إسرائيل. ولا نعلم وجه الحقيقة في هذا الموضوع، ولكن الدول العربية في ذلك الوقت لم تقبل المرشحين الأمريكيين إذا كانوا يهودا. ثم أصبح معظم السفراء الأمريكيين في المنطقة العربية يهودا شديدي التأييد لإسرائيل وللحركة الصهيونية.

فقد قبلت مصر مع إسرائيل ما لا يجيزه القانون الدولي: قبلت في معاهدة السلام أن تعترف بإسرائيل مع أن الاعتراف عمل سيادي من طرف الدولة المعترفة، ثم قبلت مصر في معاهدة السلام الالتزام القانوني بإقامة العلاقات الدبلوماسية خلال مهلة معينة، وبالطبع فإن مصر تعطي الموافقة الضمنية لكل من ترشحهم إسرائيل سفيرا في مصر.

ثم إن تشيلي قد استقبلت السفير الإسرائيلي المرشح لديها في المطار استقبالا رسميا بروتوكوليا، ثم قدم السفير صورة من أوراق اعتماده إلى وزير خارجية تشيلي وبعدها أبلغته الرئاسة في تشيلي بموعد تقديم أوراق اعتماده، ثم حددت موعدا لتسليم هذه الأوراق إلى رئيس الدولة. ولا نعرف على وجه التحديد في أي مرحلة من المراحل السابقة رفض الرئيس في تشيلي أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي، والراجح أن تشيلي خالفت القواعد والأعراف الدبلوماسية الدولية، ولذلك اعتذرت لإسرائيل لاحقا.

أرادت تشيلي أن تكسب الدول العربية التي لا تزال متمسكة بعداء إسرائيل وهي عدد قليل، وربما إرضاء للجالية الفلسطينية في تشيلي التي تربو على نصف مليون، وهو رقم كبير بالقياس على عدد سكان تشيلي. وأيا كان دافع الرئيس لرفض أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي وفي أي مرحلة، فقد أراد أن يسجل موقفا سياسيا مشكورا من وجهة النظر الفلسطينية، ولكنه وقع في خطأ دبلوماسي ومن مصلحة المجتمع الدولي أن يحافظ على الأعراف الدبلوماسية المستقرة منذ مئات السنين.

وقد اعتذرت تشيلي، ولكنها لم تصدر بيانا بالواقعة، وإنما الذي صدر هو بيان من رئاسة تشيلي برفض الرئيس تسلم أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي احتجاجا على مذابح إسرائيل ضد الفلسطينيين.

وإذا كان ذلك صحيحا فإن إسرائيل عصابة إرهابية لا يجوز الاعتراف بها ودمجها في المجتمع الدولي، وترتيبا على ذلك فإن هذه الحقيقة واضحة أمام الحكومة في تشيلي، والأجدر بها ألا تعترف بإسرائيل ولا تتفق معها على إقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء.

ومن حق تشيلي أن تعبر عن اعتراضها على تصرف إسرائيل في فلسطين، ولكن في حدود العرف الدبلوماسي، وبذلك يتناقض الموقف السياسي مع الأعراف الدبلوماسية. ولا بد أن تشيلي باعتذارها قد أقرت بخطئها، ولذلك علمنا القصة من الإعلام الإسرائيلي، وعلمنا أيضا أن تشيلي مستعدة لتصحيح هذا "الخطأ" واعتماد السفير.