قضايا وآراء

إدلب.. معارض وكهرباء وغضب من دعوة المصالحة التركية

1300x600
على مدى سبعة أيام اُفتتح في مدينة إدلب في الشمال السوري المحرر لأول مرة في ظل الثورة السورية، معرض الكتاب الذي أقيم في مبنى "كتاب كافيه" بفناء فندق الكارلتون، حيث شاركت العديد من دور النشر التركية المقيمة، ومعها دور النشر الموجودة في المناطق السورية الخاضعة للسيطرة التركية، بالإضافة إلى دور النشر في مناطق إدلب. وتخلل المعرض محاضرات وندوات لكتّاب تناولوا أهمية القراءة والأوضاع الراهنة التي تمرّ بها المنطقة.

 وعلى الرغم من صغر حجم المساحة المخصصة لعرض الكتب، فإن السوريين وجدوا فيه متنفساً مهماً في ظل أجواء الحرب التي كبلت حياتهم الاجتماعية لسنوات، حيث شهدت حركة البيع إقبالاً مهماً بالنسبة لمنطقة تعاني ضائقة اقتصادية مفهومة في المنطقة المحررة، إذ بلغ متوسط المبيعات 1200 كتاب يومياً. ولوحظ إقبال على الكتب التي لا يتعدى سعرها السبعة دولارات، بينما الكتب التي فاق سعرها هذا الرقم فقد كان الإقبال عليه من قبل المتخصصين والمعنيين فقط.
حديث إدلب ومخيماتها وريفها هذه الأيام هو حديث المصالحة التي عرضتها تركيا بين النظام السوري والثورة السورية، ويرفض الكل هنا المصالحة مع النظام، مؤثرين البقاء في الخيام على العودة إلى النظام السوري

بجانب معرض الكتاب كانت هناك صالتان: إحداهما لعرض مجسمات معالم المدن السورية الرئيسة، فكان جسر دير الزور الذي دمره طيران النظام السوري حاضراً بقوة، إضافة إلى مجسم المسجد العمري التاريخي المنتصب وسط درعا، والذي كان شاهداً على أولى مجازر النظام ضد المعتصمين السلميين، ولم يغب عن الصالة مجسم المسجد الأموي في دمشق وحلب، وساعة حمص، وغيرها من معالم المدن السورية.

وفي الصالة الأخرى عرض فنانون تشكيليون ثوريون لوحاتهم الفنية، فكانت اللوحة التي استوقفت الكثيرين لأختين من الغوطة الشرقية، إحداهما أكبر من الأخرى. آثرت الكبيرة أن تقدم لأختها الصغيرة جهاز تنفس بدائي على نفسها، لكن لم تكتب الحياة لكلتيهما، فماتتا كلتاهما متأثرتين بنقص الأوكسجين في مجزرة الغوطة التي صادفت ذكراها أمس (21 آب/ أغسطس).

وعلى بعد كيلومتر أو أزيد كانت فعالية كبيرة تشهدها حديقة التحرير شمالي إدلب حضرها سوريون من كل المحافظات السورية، بعد أن تحولت إدلب اليوم إلى سوريا المصغرة في ظل التهجير والنزوح، وندد خطباء الفعالية بالنظام السوري، ورفضوا أي تصالح مع من قصفهم 331 مرة بالكيماوي، وعرض القائمون على الفعالية صور الأطفال وهم يموتون خنقاً بغاز السارين على يد النظام السوري قبل تسع سنين في الغوطة.

حديث إدلب ومخيماتها وريفها هذه الأيام هو حديث المصالحة التي عرضتها تركيا بين النظام السوري والثورة السورية، ويرفض الكل هنا المصالحة مع النظام، مؤثرين البقاء في الخيام على العودة إلى النظام السوري. فبلدة مثل سراقب هجرها أكثر من خمسين ألفاً من أهلها، وهجروا معها كل أرزاقهم، يرمقون بيوتهم وأرزاقهم اليوم من على بعد عشرات الأمتار، ولا يقدرون على الوصول إليها.

في سراقب اليوم لا تجد شخصاً واحداً من أهلها يقيم فيها، فقد نهبها الشبيحة والمليشيات الطائفية بشكل ممنهج، حتى لم يبق سقف لبيت ولا حديد في سقف، ولا أسلاك كهرباء داخل الجدران، فضلاً عن أثاث البيوت التي غادرها أهلها على عجل يوم الاجتياح المغولي الأسدي الطائفي عام 2019، ومثل هذا يسري على كفرنبل ومعرة النعمان وغيرهما من البلدات التي اجتيحت في الفترة نفسها.
حالة الغضب والاحتقان عالية جداً في إدلب ومخيماتها اليوم تجاه أي تصالح مع النظام السوري، فالمشكلة بين الشعب السوري وبين النظام لم تكن سياسية كما يقولون، ولا بين نظام مع معارضة، وإنما المشكلة الحقيقية جنائية جرمية، حيث استخدم النظام كافة أصناف الأسلحة المحرمة دولياً التي بحوزته ضد الشعب

حالة الغضب والاحتقان عالية جداً في إدلب ومخيماتها اليوم تجاه أي تصالح مع النظام السوري، فالمشكلة بين الشعب السوري وبين النظام لم تكن سياسية كما يقولون، ولا بين نظام مع معارضة، وإنما المشكلة الحقيقية جنائية جرمية، حيث استخدم النظام كافة أصناف الأسلحة المحرمة دولياً التي بحوزته ضد الشعب، فقتل الشعب واعتقله وعذبه، وشرده، ولا يزال يرفض أن يتنازل عن غروره بالرغبة ولو لفظياً في التصالح معه، بل إن النظام رفض التصالح مع حركة حماس رغم إبداء رغبتها بالتصالح معه، وهي لم تفعل له شيئاً مقارنة بتركيا وبالشعب السوري، فهل سيتصالح مع السوريين وتركيا، أم أنه سيدفعهم لمجرد مزيد من التنازلات، دون أن يقدم شيئاً بالمقابل؟

الكثير في الشمال السوري المحرر يحذر من شرْك وفخ قد ينصب لتركيا، وملخصه خلق فجوة وشُقة حقيقية بينها وبين الثورة السورية، من خلال دعوتها الأخيرة للتصالح مع النظام السوري. فكل خطوة تقارب لتركيا مع النظام سيبعدها أضعافاً عن السوريين، ومن ثم فلن تحصل على تقارب مع نظام له سجل عدائي تاريخي معها، قبل الثورة، وأثناءها، وسيتواصل بعدها بالتأكيد، لتكون تركيا حينها قد خسرت الشعب السوري، الذي شهد العالم كله حجم التقارب والتعاضد والانسجام الذي حصل بينهما على امتداد سنوات الثورة السورية.

مثل هذه المخاوف بدأ بعض الأتراك بالتحذير منها، فهذا النظام لا يؤمن جانبه وكل من تعاون معه أدرك غدره على مدى سنوات حكمه الممتدة لنصف قرن.