قضايا وآراء

لم تخطئ حماس فلا تستسهلوا الاتهام والنقد السلبي

1300x600
لم تكد تمضي ساعات على وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حتى تابعنا العديد من الأصوات المُتّهِمَة والناقدة بشدة لحركة حماس على عدم دخولها المعركة مع حركة الجهاد الإسلامي، عادّين ذلك خذلاناً وتخلياً عن المقاومة، وأن حماس قبضت ثمن ذلك تسهيلات اقتصادية لقطاع غزة المحاصر، مقايضة على حساب المقاومة، في كلام مُرسل قارب على قول أن حماس وكتائب القسام قد خانوا الأمانة..!!

وحتى لا يقابل المُرْسَل بمرسل، فالأمر يحتاج مناقشةَ محدد أو مبدأ أوّلاً، ومن ثم بعض التفاصيل السياسية والميدانية؛ وفي هذا السياق، يصح القول بأن أية معركة لا بد وأن تكون لها أهداف فإذا انتفت الأهداف أو غابت عن تقديرات القيادة السياسية أصبحت المعركة أياً كانت، عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو إعلامية، حالة من الهَدْر والاستنزاف. وهنا يبرز السؤال الموضوعي المباشر؛ ما هو الهدف من المعركة الأخيرة "وحدة الساحات" التي قادتها حركة الجهاد الإسلامي، صاحبة التاريخ النضالي الطويل والذي لا يُشكَّك فيه أو يُنتقص منه، ولكن النقاش الموضوعي يَقْتضي ذلك؟

إجابةً على السؤال؛ أعلنت حركة الجهاد الإسلامي على لسان أمينها العام في خطابه الأول والثاني من طهران، أن الهدف هو الإفراج عن بسام السعدي أحد قيادات الحركة في الضفة الغربية المحتلة، وهو الهدف الذي أكّد عليه القيادي خالد البطش في مقابلته مع قناة الجزيرة، وهو الهدف ذاته الذي نصّت عليه اتفاقية وقف إطلاق النار برعاية مصرية.
السؤال الموضوعي المباشر؛ ما هو الهدف من المعركة الأخيرة "وحدة الساحات" التي قادتها حركة الجهاد الإسلامي، صاحبة التاريخ النضالي الطويل والذي لا يُشكَّك فيه أو يُنتقص منه، ولكن النقاش الموضوعي يَقْتضي ذلك؟

السؤال الثاني؛ هل هذا الهدف منطقي وموضوعي ويتطلب هذا الحجم من الفعل والتضحيات في سياق الصراع المفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتقل في سجونه حتى اللحظة نحو 4600 أسير وأسيرة، واعتقل منذ العام 1967 وحتى عام 2019 قرابة مليون فلسطيني، وفق ما نشرته هيئة شؤون الأسرى؟ إذا كان الهدف منطقياً في تقدير البعض، إذن فعلى الشعب الفلسطيني ومقاومته أن تستعد لفتح معركة كل ساعة مع الاحتلال الذي لا يتوقف عن اعتقال المناضلين والقيادات من كافة القوى والفصائل، وهذا لَعَمْري ما لا يُطيقه أحد، فالاعتقال هو أحد ظواهر ونتائج التدافع والصراع المستمر مع الاحتلال، وسيبقى ما بقي الاحتلال الذي يستخدمه أداة للقمع والقهر والإرهاب.

النقاش السابق كان موجوداً أثناء وبعد معركة "وحدة الساحات" الأخيرة، لأن الهدف المُعلن والمتمثّل في الإفراج عن بسام السعدي لم يكن مقنعاً من حيث القيمة الاستراتيجية في سياق الصراع الوجودي مع الاحتلال، لا سيّما بعدما طوّرت المقاومة الفلسطينية من أدائها لناحية تعظيم الأهداف الوطنية للمعارك مع الاحتلال على شاكلة معركة سيف القدس التي شارك فيها جميع الفلسطينيين بلا استثناء، تحت اسم الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى بقيادة كتائب عز الدين القسام.

قد يقول البعض إن ما جرى يأتي في سياق المشاغَلة المفتوحة مع الاحتلال، ولكن، ألم يكن من الممكن أن تلجأ حركة الجهاد إلى النسبة والتناسب بين الإمكانات المستخدمة والهدف المرجو حتى لا نقع في مربع استنزاف القوة المحدودة لدى المقاومة؟ فالهدف المعلن والمتمثّل في الإفراج عن السعدي، لم يكن ليستدعي معركة عسكرية بهذا الحجم، معركة استعدّ لها الاحتلال مسبقاً. ولذلك فإن مطالبة المقاومة عموماً وكتائب القسام خصوصاً بالدخول إلى معركة يتحكّم في مساراتها الاحتلال ويغيب عنها الهدف المخطَّط له مسبقاً لا يعني إلا الدفع باتجاه تعظيم الخسائر والتضحيات في الجانب الفلسطيني، باستنزاف قوى المقاومة في غير موضِعِها.
المسألة، تحدونا إلى توسيع دائرة البحث عن الأطراف المستفيدة؛ وبالعودة لمن سارع بتوجيه النقد والاتهام لحماس ولكتائب القسام. وبحكم صِلة هؤلاء بقوى سياسية في الإقليم

تلك المسألة، تحدونا إلى توسيع دائرة البحث عن الأطراف المستفيدة؛ وبالعودة لمن سارع بتوجيه النقد والاتهام لحماس ولكتائب القسام. وبحكم صِلة هؤلاء بقوى سياسية في الإقليم، فإن ذلك يكشف زاوية مهمّة في المشهد، ويسوقنا إلى تفسير آخر لخلفيات وأهداف المعركة الأخيرة، أعتقد أن لها علاقة بالملف النووي الإيراني والمفاوضات الجارية حالياً في أوروبا، بمعنى أن ما جرى في غزة هو شكل من أشكال الضغط على واشنطن عبر الضغط على الكيان الإسرائيلي، لا سيّما وأن واشنطن حريصة على ضبط المشهد في الشرق الأوسط حتى تتفرّغ لملفي الصين وروسياً شرقاً. هذا أولاً، وثانياً فإن إيران معنية بتوجيه رسالة لواشنطن وتل أبيب سويّة، رسالة محدودة في تداعياتها الإقليمية، مفادها بأن طهران لديها القدرة على الوصول إلى أهدافها، ولديها خيارات كما لديكم خيارات فلا تعبثوا بأمنها القومي على أراضيها باستهداف المواقع الحسّاسة، أو في منطقة الخليج التي تشهد حضوراً إسرائيلياً متزايداً عبر التطبيع مع العديد من الدول العربية.

ولعل هذا ما يُفسّر كثافة الدعم الإيراني سياسياً وإعلامياً لخطوة الجهاد الإسلامي الأخيرة، واحتضانها لأمينها العام أثناء المعركة، حيث قام زياد النخالة الأمين العام للحركة بإعلان المواجهة مع الاحتلال ومن ثم الإعلان عن وقف إطلاق النار من طهران وعلى الهواء مباشرة. وهذا ما يُفسّر أيضاً سرعة موقف حزب الله عبر بيانه الذي صدر منذ اليوم الأول للمعركة (5 أغسطس/آب) مؤكداً فيه على "وقوفه الدائم والثابت إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم ومقاومته الشجاعة.. ويعبّر بشكل صريح عن تأييده لكافة الخطوات التي تتخذها قيادة حركة الجهاد الإسلامي للرد على العدوان وجرائمه المتمادية". وهذه السرعة لافتة في أداء حزب الله/ الإعلام الحربي، فبالمقارنة وعلى سبيل المثال، فقد أصدر حزب الله بيانه الأوّل تعقيباً على عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة في العام 2014 (معركة الـ51 يوماً)، بتاريخ 21 تموز/ يوليو 2014، أي بعد أسبوعين من بدء المعارك الطاحنة التي خاضتها المقاومة وكتائب القسام مع الاحتلال الإسرائيلي.

هذا التفسير لا يُعيب إيران وحزب الله، فالدول والكيانات السياسية تقودها مصالحها، وهذا مفهوم في عالم السياسة حتى بين الحلفاء والأصدقاء، فالدولة لديها سلّم أولويات يبدأ من أمنها القومي وينتهي بمصالح الأطراف الأخرى وبينهما مساحات مشتركة تشكّل مساحة للتعاون بين الأطراف.
على الطرف الفلسطيني أن يحدّد سلّم أولوياته الوطنية، حتى يحدّد بناء عليه مساحات التعاون والشراكة الكبرى والصغرى مع الحلفاء والأصدقاء فيتقدّم ويتأخّر، ويدفع ويأخذ وفقاً لهذه المعادلة. وهذا ميدان اجتهاد يصيب الإنسان فيه ويخطئ

وفي هذا السياق، على الطرف الفلسطيني أن يحدّد سلّم أولوياته الوطنية، حتى يحدّد بناء عليه مساحات التعاون والشراكة الكبرى والصغرى مع الحلفاء والأصدقاء فيتقدّم ويتأخّر، ويدفع ويأخذ وفقاً لهذه المعادلة. وهذا ميدان اجتهاد يصيب الإنسان فيه ويخطئ.

لعل حماس وكتائب القسام، نظرت في سلّم أولوياتها السياسية، فلم تجده يتقاطع مع سلم أولويات الحلفاء والأصدقاء في هذا الظرف وفي هذا التوقيت، فأخذت موقفاً ساندت فيه حركة الجهاد الإسلامي، وامتنعت عن الدخول المباشر في المعركة، مع بقائها وغرفة العمليات المشتركة في حالة استنفار دائم، وهذا فيه حِكْمة، مع ما يشوبه من إشكالات هنا أو هناك، فعالم السياسة ليس أبيض وأسود.

القضية الفلسطينية حالة معقّدة بين المحلي والإقليمي والدولي، والشعب الفلسطيني ومقاومته يعيشون هذا التعقيد، ويسعون فيه لاجتراح مقاربات تعظّم الفوائد وتقلل الخسائر، في مواجهة عدوٍ قوي متغطرس مدعوم من أعتى قوى الأرض، فلا نزيد الطين بلّة، باستسهال الاتهام والنقد السلبي، الذي يزيد العبء على المقاومة وعلى الشعب الفلسطيني الذي يسقي الأرض بدمه لتبقى فلسطينية عربية.