كتاب عربي 21

ما بين السيسي وساويرس!

1300x600
خبر بدا وقد نشر على استحياء بموقع إلكتروني ليس ذائع الصيت، ذكرني بالذي مضى!

مفاد الخبر أن المحكمة الاقتصادية ستنظر يوم 18 آب/ أغسطس (الجاري) في دعوى قضائية ضد رجل الأعمال نجيب ساويرس، تتهمه بالتهرب الضريبي، وتطالبه بضرائب سابقة بقيمة 7.5 مليار جنيه، عن صفقة واحدة لشركته (أوراسكوم) في عام 2007. ومن الواضح أن المحكمة نظرت في الدعوى في يوم النشر، وقررت تأجيل النظر فيها لهذا اليوم!

هذا النشر (المحدود) دفع أحد المعلقين للكتابة على صفحته على "فيسبوك"، أنه علم بها من مصادره الخاصة، مع أن الأصل أن الدعاوى القضائية من هذا النوع تكون معلنة، ولا تنظر في غرفة المداولة، كما يحدث في بعض قضايا الأحوال الشخصية بناء على طلب الدفاع، لأن موضوع الدعوى يخص منطقة الأعراض وسمعة الأشخاص، بما لا يجوز النظر فيه في جلسة علنية!

ولا نعرف ما إذا كان الإحجام عن النشر في الصحف والمواقع الكبرى نتيجة لحالة "الكسل الصحفي" في هذه المرحلة، والتي تجعل بعض المعلقين يعتمدون على ما ينشر في منصات التواصل الاجتماعي، وأحياناً يقعون في شر أعمالهم، فليس كل ما ينشر فيها صحيحاً، أم أن تجاهل النشر باعتبار أن الدعوى تدخل في باب التلويح بالعصا دون استخدامها، وقديماً قالت العرب: لوح بعصا العز ولا تستخدمها!
لا نعرف ما إذا كانت هذه الضرائب خاصة بذات الصفقة التي أثيرت في عهد الرئيس محمد مرسي، أم أنها مستحقات على صفقة أخرى، وإذ شارك ساويرس بكل قوته في الثورة المضادة على الرئيس المدني المنتخب، فقد تم الإعلان بعد الانقلاب عن مصالحة على ما تبقى عليه بعد القسط الأول الذي دفعه في عهد مرسي، على وعد بتقسيط ما تبقى

ساويرس ومرسي:

لا نعرف ما إذا كانت هذه الضرائب خاصة بذات الصفقة التي أثيرت في عهد الرئيس محمد مرسي، أم أنها مستحقات على صفقة أخرى، وإذ شارك ساويرس بكل قوته في الثورة المضادة على الرئيس المدني المنتخب، فقد تم الإعلان بعد الانقلاب عن مصالحة على ما تبقى عليه بعد القسط الأول الذي دفعه في عهد مرسي، على وعد بتقسيط ما تبقى، وانتهى به المطاف إلى متبرع لصندوق تحيا مصر، بمبلغ متواضع بالمقارنة بهذا المبلغ الكبير الذي تم إسقاطه، ويبدو أنه ذاته ما تتم المطالبة به قضائياً الآن!

لم يحسن القوم في عهد الرئيس محمد مرسي إدارة الأزمة مع نجيب ساويرس، فقد فوجئنا بالإعلان عن أنه هرب إلى فرنسا، وسط زفة إعلامية بأنه كان معرضاً للاعتقال لكونه من النخبة المسيحية التي يعاديها الحكم الديني بطبيعة الحال، ومن باريس خاطب ساويرس المشاعر، وكيف أنه هرب مضطراً، وترك مصر لم يكن مطروحاً على جدول أعماله، وجدول أعمال أسرته، وكيف أن ابنه في شوق لـ"الملوخية". ومن هناك أيضاً قال إنه باع قناته "أون تي في" لرجل أعمال تونسي يعيش في باريس، ذكره بالاسم!

خلال هذه الضجة الكبرى، لم يرد القوم بالأسباب الحقيقية للأزمة، ولو فعلوا لقضوا على هذه الأسطورة التي تتشكل، والدعاية السوداء ضد النظام الذي يضطهد الأقباط، لا سيما وأن الأمر مرتبط بتهرب ضريبي بمليارات الجنيهات!
لم يحسن القوم في عهد الرئيس محمد مرسي إدارة الأزمة مع نجيب ساويرس، فقد فوجئنا بالإعلان عن أنه هرب إلى فرنسا، وسط زفة إعلامية بأنه كان معرضاً للاعتقال لكونه من النخبة المسيحية التي يعاديها الحكم الديني بطبيعة الحال، ومن باريس خاطب ساويرس المشاعر، وكيف أنه هرب مضطراً

وبدا الأمر لي عبثاً كله، فلم أصدق شيئاً منه، وكتبت معبراً عن شكوكي هذه، وتقديم الحكم الإخواني كما لو كان فعلا يبيّت النية لاعتقال ساويرس، انتقاماً منه لكونه سياسياً معارضاً، ولكونه مسيحياً مؤثراً وهذا بيت القصيد. وطلبت أكثر من مرة من هيئة الاستثمار أن تعلن حقيقة بيع "أون تي في"، فالبيع له إجراءاته.

ومن المؤسف أن يضلل ساويرس الرأي العام بهذا الشكل، ولا تكشف الجهة المسؤولة حقيقة الأمر، فكيف لرجل أعمال تونسي أن يشتري قناة مصرية ويحافظ على نفس توجهاتها وانغماسها في الشأن المصري دون أن يشغله ولو أن يعرض برنامجاً خاصاً ببلاده؟ وهل يعقل أن تصل الاستهانة بأهل الحكم حد أن يصدقوا أنه باع القناة، مع أن هيئة الاستثمار قبضتهم منذ اليوم الأول؟ وربما يفعل ساويرس ذلك خوفاً على القناة من أي إجراء حكومي. ومعلوم أنه لا يجوز من الناحية القانونية بيع مؤسسة إعلامية مصرية لأجنبي، فرداً أو مؤسسة!

كنت كمن يهتف في واد غير ذي زرع، واتصل بي الإعلامي خيري رمضان هاتفياً، وكان يقدم برنامجه في قناة "سي بي سي"، وهو يسألني لماذا لا أصدق أن الإخوان كانوا قد قرروا فعلاً اعتقال نجيب ساويرس، وأنه هرب عندما علم بالأمر؟ ولكي يطمئنني على صدق الدعاية من أن الإخوان تحولوا الى قوة حكم باطشة، قال إنه كان في الأسبوع الماضي يستضيف حمدين صباحي، ووصلهم الخبر بأن فرقة من الحرس الجمهوري في طريقها للأستوديو لاعتقاله، فأنهى الحوار وهرب مسرعاً. وكأن الاختصاص الوظيفي لفرقة الحرس الجمهوري مدينة الإنتاج الإعلامي فقط، ولا يمتد الى منزل حمدين، لا سيما وأننا لم نسمع أنه هرب الى الصحراء لينضم إلى "ذئاب الجبل"!

لم نكن كصحفيين لدينا مصادر في دائرة الحكم، ومن كنا نتواصل معهم من زملاء ينتمون للإخوان كانوا يصدرون لنا عدم الاكتراث، ولم ندر إلا بعد "الهنا بسنة" أنه لم يكن لهم في العير ولا في النفير!

ولم نعرف بحقيقة الأزمة، التي صارت موضوعاً لبرامج "التوك شو" في كل ليلة، إلا بانتهائها، فقد نشر أن الخلاف كان على مطالبة ضريبية، وأنه تمت التسوية، وفي لحظة عودة ساويرس من الخارج، وكان في استقباله لدى وصوله بمطار القاهرة وفد رئاسي ضم وزير الاستثمار، الذي صرح بأنهم يعقدون على آل ساويرس آمالاً عريضة في النهوض بالاقتصاد الوطني. وكان الاستقبال في صالة كبار الزوار، التي خرج منها رجل الأعمال الوطني إلى بيته، دون أن ينقل عنه تصريح واحد ينفي فكرة الحب من طرف واحد!

وكان عند حسن الظن في "الآمال العريضة" فلم يضيع وقتاً، واندفع داعماً للثورة المضادة، ومشاركاً فيها بكل قوة، ليتأكد أن شكوكي في محلها من أنه ليس الهروب من الانتقام السياسي، كما تأكد في وقت لاحق عدم صحة ما أذاعه من بيع قناته، فقد صرح بهذا بنفسه بعد الانقلاب العسكري!
كان السيسي واضحاً؛ الأعمال ستكون بالترتيب من نصيب الجيش، فالإمارات، ثم شركة المقاولين العرب، فإن زاد شيء عن هذا فسيكون لهم، عندئذ علم كل أناس مشربهم، ونقل عن أحدهم عندما غادروا الاجتماع قوله: هذا عيب من يأتي بمقاول ليكون رئيس دولة!

التعرف مبكراً على السيسي:

وتبدو مشكلة ساويرس أنه لم يجد على النار هدى، دعك من أنه قد يتم إرساء عملية له هنا، أو منحه قطعة أرض للبناء عليها بالمخالفة لمواصفات البناء بحي الشيخ زايد، فكل هذا فتات يمكن أن يغري رجل أعمال صغير وتحت التمرين، في حدود المقاول محمد علي، لكن ساويرس إمبراطورية عابرة للقارات!

وقد أمكن لساويرس أن يعرف السيسي مبكراً، عندما كان مرشحاً رئاسياً وذهب مع وفد من رجال الأعمال لدعمه، ولم تكن جلسة عاطفية، تليق بمراحل الدعاية الانتخابية، فقد كان السيسي محدداً وهو يطلب من رجال الأعمال أن يدفعوا للدولة. ولعل أحمد بهجت هو من رد بأنهم مدينون للبنوك وأعمالهم معطلة وليس لديهم ما يدفعونه تبرعاً للدولة، وتدخل ساويرس ليلطف من هذا الجو المشحون، بأنه يقترح أن تمنحهم الدولة الأعمال والتسهيلات لينهضوا من جديد ويتبرعوا لها.

وكان السيسي واضحاً؛ الأعمال ستكون بالترتيب من نصيب الجيش، فالإمارات، ثم شركة المقاولين العرب، فإن زاد شيء عن هذا فسيكون لهم، عندئذ علم كل أناس مشربهم، ونقل عن أحدهم عندما غادروا الاجتماع قوله: هذا عيب من يأتي بمقاول ليكون رئيس دولة!

خطورة ساويرس لدى السيسي ليس فقط في كونه رجل أعمال لديه أطماع استثمارية، ولكنه بالإضافة الى هذا له طموح سياسي أعلنه بعد الانقلاب، بأن حزبه "المصريين الأحرار" يعمل على الحصول على الأغلبية البرلمانية بما يمكنه من تشكيل الحكومة، وسيكون نصيب إبراهيم عيسى منها ثلاث وزارات هي: الثقافة والإعلام والتعليم!

ولهذا تأجلت أول انتخابات برلمانية بعد الانقلاب أكثر من مرة عن موعدها، إلى أن تم التوصل لهندستها، ثم تم الانقلاب على "المصريين الأحرار"، بإحداث انشقاق فيه، قبل أن يتم تجريد ساويرس من قناته "أون تي في"!
السيسي بدا واعياً تماماً لأهدافه، وهو لا يحب الشراكة في الحكم، أو في النفوذ، ويدرك أن الطموح لم يمت لدى ساويرس، ولكنه خفت في انتظار الظرف المناسب، والسيسي نفسه ليس خياراً استراتيجياً لمكون 30 يونيو، وعندما تأتي الفرصة فسوف يستغلها بقوة

فالسيسي بدا واعياً تماماً لأهدافه، وهو لا يحب الشراكة في الحكم، أو في النفوذ، ويدرك أن الطموح لم يمت لدى ساويرس، ولكنه خفت في انتظار الظرف المناسب، والسيسي نفسه ليس خياراً استراتيجياً لمكون 30 يونيو، وعندما تأتي الفرصة فسوف يستغلها بقوة، فلم يقصر معه مبارك، ومع هذا عندما وجد الثورة عليه، أوشك أن يهتف: ثوار، أحرار، نُكمل المشوار. والأمر نفسه حدث مع الإخوان!

وإذ قلت لو أن "محمود السيسي" هو من أدار جماعة الإخوان بعد الانقلاب العسكري لم يكن له أن يصل الى هذه النتيجة المرضية للوالد، فإنه لو وسد الأمر لأي إخواني مخلص لانتمائه هذا، فلم يكن قد فعل ما فعله السيسي من انتقام من كل من تآمروا على الرئيس محمد مرسي!

يتسم ساويرس بصفة مهمة، أنه لا يصفو ولا يغفر، ولو أسأت له مرة فلن يتقبل منك جبال الود، وقد أخطأ أحد الصحفيين فيه مرة، وتقرب إليه مرات، فلم يفتح له بابه، مع أنه لم يكن مقصوداً بالإساءة فقط لأن المستهدف بالهجوم كان وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، والرجل القوي في العهد الأول لحكومة الدكتور كمال الجنزوري. والحقيقة أن المستهدف كان الجنزوري نفسه، وكان الموضوع يدخل في سياق تصفية حسابات فريق من أهل الحكم مع فريق آخر، وكان موضوع الهجوم هو صفقة الهاتف المحمول. وذات مرة حاضر الصحفي في جامعة سوهاج، وعاد من هناك ليكتب أن أهل سوهاج يسألون عن ابنهم البار ساويرس، أين هو من مشاكلهم؟ مع أن هذه المحافظة هي مسقط رأسي ولم أنقطع عنها، ولم أكن أصلاً أعلم أن ساويرس منها ليسأل عنه الناس فيها، لكن الهدف هو فتح مجال للحديث، وقلت: لن يحدث، وبالفعل لم يصف ساويرس!

ويشترك معه السيسي في هذه الصفة، لذا فإنني أندهش لمن هاجموه في الخارج، ثم يمنون أنفسهم باستقبال الفاتحين في مطار القاهرة إذا تحولوا، وحالة عمرو حمزاوي تحفظ ولا يقاس عليها، فقد التزم الصمت لسنوات طويلة، ثم إنه يعمل في جهة غربية معتبرة، ومطلوب أن يسوق للحوار الوطني بدعوته، ومع هذا فهي الضرورة التي تقدر بقدرها، والممنوح له هو فتات الموائد الذي هم فيه من الزاهدين، لكنه لن يكون أبداً الرجل الذي يثقون فيه ويقربونه منهم، وبعد قليل سيكون غاية المسموح به أن يعبر مطار القاهرة، وغاية أمانيه أن يكون هذا في أمان بدون طلب لمكتب الأمن!
تماماً مثل ساويرس، الذي لن يغفر له أنه قضى على طموحه السياسي، وعطله عن العمل إلا من فتات متروك على المائدة، ولهذا عندما وجد ميكروفونا أجنبياً تحدث عن اقتصاد الجيش. والسيسي لن يغفر له طموحه كما لن يغفر له ما قاله

سياسياً، فإن الراشدة هي حرق هؤلاء، فان كانوا عديمي الأثر، فتحرق بهم ظاهرة المعارضة في الخارج، لكن السيسي يدير خصوماته بعيداً عن قواعد السياسة، فإن قبل بتصفية ملف فلن يكون كما كان يحدث في السنوات الأولى من حكم مبارك حيث الرشاقة السياسية، فيعين أحد المعارضين وزيراً للصحة، ثم يقيله بعد ستة أشهر فلا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، وليس حتى في استيعاب حالة الدكتور مأمون فندي في الحدود الدنيا!

اقتصاد الجيش:

إنه لا يصفو، ولا يغفر، تماماً مثل ساويرس، الذي لن يغفر له أنه قضى على طموحه السياسي، وعطله عن العمل إلا من فتات متروك على المائدة، ولهذا عندما وجد ميكروفونا أجنبياً تحدث عن اقتصاد الجيش. والسيسي لن يغفر له طموحه كما لن يغفر له ما قاله، لا سيما وأنه بدا كما لو كان ما قاله هو "كلمة سر الليل"، فبعده بدأت دوائر غربية تتحدث في هذا الموضوع، وبدأ صندوق النقد الدولي يشترط إبعاد الجيش عن المجال الاقتصادي، ليتسنى له دعم الاقتصاد المصري!

وموضوع الضرائب هذا قد يكون على قاعدة "إذا أفلس التاجر.. فتش في دفاتره القديمة"، وهي سياسة ستكون متبعة في الأيام القادمة مع رجال الأعمال بالذات، وسيتقبلها الرأي العام بالتأييد بعد الدعاية الضخمة عن وجود أغنياء كبار، ينفقون الكثير على حفلات الغناء وعلى شراء القصور، لكن الجانب المهم أنها تصفية حسابات مع ساويرس، أخطر رجل أعمال في مصر، نتيجة لطموحه المشار إليه، وشبكة علاقاته الخارجية، ثم إنه لا خوف من عودة الإخوان، فقد قال قائلهم: لن ندخل في صراع على السلطة، فأضر بالموقف الاستراتيجي للسيسي!

يقولون: رش الماء عداوة، وقضية الضرائب كرش الماء، وقد تتم تصفيتها، لكن يظل ما في القلب في القلب. فلا السيسي يصفو ولا ساويرس!

ولا أمان للدهر ولو صفا!

twitter.com/selimazouz1