مقالات مختارة

انفصال عن الواقع

1300x600

على الرغم من أن جلسات الاستماع في الكونجرس بشأن ما حدث في السادس من يناير قد تكون مهمة للتسجيل التاريخي، لكن الحديث عن تفاصيل التمرد الذي حاول إلغاء نتيجة انتخابات 2020 عبر العنف قد يكون عبثيا. فأولاً، نعلم بالفعل المعلومات الأساسية عما حدث في ذاك اليوم وعن نوايا الرئيس السابق دونالد ترامب. ورأينا ذلك يتكشف في حينه، ولم يتوقف ترامب عن الحديث عنه منذئذ.


والقصة الأساسية تتدعم فحسب بالتفاصيل الجديدة التي ظهرت خلال جلسات الاستماع، مثل محادثات المكتب البيضاوي في الأيام التي سبقت السادس من يناير، وما دار بين الرئيس السابق ومستشاريه ومحاميه.


فقد سعى الرئيس السابق إلى التحريض على تمرد عنيف للغوغاء لترهيب نائبه وأعضاء الكونجرس وتشويه سمعة نتائج الانتخابات التي خسرها في محاولة للبقاء في المنصب. ولا سر هنا. فقد أشاع ترامب نواياه في كلماته قبل السادس من يناير وفي تصريحاته العلنية، ومنذئذ واصل طرح قضيته واصفاً محاولته وتسويغ تصرفه.


الجديد هو المقابلات المسجلة مع أشخاص من داخل البيت الأبيض حاولوا التنصل من المسؤولية الشخصية من خلال الزعم أنهم أبلغوا الرئيس أنه كان مخطئاً أو حاولوا دفعه لتغيير الاتجاه قبل وأثناء اليوم المصيري.


لكن إذا كانوا قد علموا بمدى خطورة مسار عمل الرئيس، فلماذا استغرق الأمر منهم وقتاً طويلاً حتى قدموا أدلة دامغة على المخالفة؟ فقبل جلسات الاستماع، كانت هناك أسباب كافية لتوجيه الاتهام إلى ترامب بالتحريض على العنف، والحجة أقوى الآن. لكن لا يرجح أن يوصي الكونجرس بتوجيه اتهامات رسمية، ولن تحاكم وزارة العدل الرئيس السابق الذي تم توجيه الاتهام له مرتين.


وهناك سبب آخر لعدم جدوى جلسات الاستماع، مهما بلغ تشويقها، يضرب بجذوره في الانقسامات العميقة والمزعجة في جمهور الناخبين الأميركيين. فنظامنا السياسي يشكله حزبان لكل منهما أيديولوجية سياسية مميزة، لكن الحزبين أصبح لكل منهما واقعه الخاص. فقد سخر «الجمهوريون» لسنوات قوة وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي لتقديم أفكار لا أساس لها في الواقع. ولعلنا نتذكر أساطير «حزب الشاي» عن مولد الرئيس السابق باراك أوباما في كينيا وأنه مسلم مستتر.


وترسخت الأساطير، على الرغم من الأدلة التي تؤكد غير ذلك، مثل شهادة ميلاد أوباما وشهادة قس مسيحي. وحتى اليوم، تظهر استطلاعات الرأي أن أغلبية قوية من «الجمهوريين» يعتقدون أن أوباما ولد في أفريقيا وأنه ليس مسيحياً. وصعد ترامب درجات بهذه المقدرة على إقناع أتباعه بأنها صحيحة. ففي يومه الأول في المنصب، على سبيل المثال، تباهى بأن حفل تنصيبه كان الأكبر على الإطلاق على الرغم من الصور تثبت عكس ذلك.


أو ادعائه بأن جمهور وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. أي. أيه) الذي خاطبه صفق له مراراً، على الرغم من أن التغطية التليفزيونية الحية أثبتت عدم صحة ذلك. وبعد مواجهة هذه الأكاذيب المتكررة والطعن فيها، وصف متحدث باسم ترامب تصريحات الرئيس بأنها «حقائق بديلة».


وقد تكون الحقائق البديلة المتعلقة بحجم الحشد أو الوقوف والتصفيق غير ضارة نسبياً. لكن عندما تُستخدم هذه المقدرة على إطلاق كذبة وإقناع الملايين بأنها صحيحة، لإبطال نتيجة انتخابات ديمقراطية، فالمسألة مختلفة تماماً. فأزمة السادس من يناير لا تتعلق بأفعال ترامب فحسب. بل يتعلق الأمر أيضاً بنحو 68% من الجمهوريين الذين يعتقدون أن الانتخابات قد سُرقت، ونصف الجمهوريين الذين يعتقدون أن لا شيء خطأ حدث في السادس من يناير. ويتعلق الأمر بالأغلبية الساحقة من الأعضاء الجمهوريين في الكونجرس الذين ندد عدد منهم في البداية بالتمرد لكنهم وصفوه لاحقاً بأنه «احتجاج سلمي».


ويتعلق الأمر بعشرات من «منكري الانتخابات» الذين فازوا في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. هذه القضايا الأعمق، للأسف، ليست ضمن اختصاص جلسات الاستماع في الكونجرس. لقد أدهشني اقتباس نُقل عن وزير العدل السابق ويليام بار الذي خرج من جلسات الاستماع.
فبعد لقائه مع الرئيس والاستماع إلى خططه للبقاء في المنصب، قال «بار» إنه خرج قائلاً: «إذا كان يعتقد حقاً أن هذا هو الحال، فقد أصبح منفصلاً عن الواقع!» ونظراً لأنه أصبح من الممكن قول «منفصل عن الواقع» لوصف الحالة العقلية لملايين الأميركيين وآلاف المسؤولين المنتخبين ممن صدقوا ادعاء ترامب بحدوث سرقة للانتخابات، فقد يحتاج الأمر أكثر من مجرد جلسات استماع في الكونجرس لإبعادنا عن المسار الوهمي الخطير الذي نسلكه.

 

(الاتحاد الإماراتية)