كتاب عربي 21

إبليس في شخص الرئيس

1300x600
لم تنشأ إسرائيل إلا ومعها دول عربية شقيقات وشبيهات، تذود عنها وتحميها، إسرائيل هي الملكة وهنَّ الوصيفات، وكان حكام الدول العربية الناشئة -لدّات إسرائيل- يتمتعون بإحدى خصائص الزعامة في حقبة نشوء إسرائيل، وكان بين الزعماء قذافي واحد، لم يخل من آثار الهيبة أيضاً، فهو صاحب النظرية الثالثة، وكان عربياً أحياناً، وإسلامياً أحياناً، ويسارياً أحياناً، ومرّة أفصح عن ميول فاطمية وعبيدية! أما الزعماء العرب الجمهوريون الذين اعتلوا العروش بعد انكسار ثورات الربيع العربي، فهم خالون من الخصائص الكريمة، وهم دون دهماء العامة موهبة وبلاغة حتى باللغة المحكية، ومن العجيب أنّ لهم موالين وأتباعاً من نخبة الشعب، من كتاب وفنانين وشيوخ وعلماء، فقد ساءت أحوال الرعية أيضاً، ومسخت، فما تفسير ذلك؟

إنه سحر الخاتم أو الخاتم السحري.

رواية إسرائيلية، أوردها مفسرون مثل ابن كثير، وإخباريون مثل الثعلبي في عرائس المجالس وغيرهما، وهي رواية بها عظات وعبر، وقد جاء في الحديث: حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

وملخص الحكاية -أيها السادة-:

أن النبي سليمان غزا ملكاً وأصاب وسبى ابنته واسمها جرادة، واصطفاها لنفسه لما رأى من حسنها وجمالها، وادعت الإسلام، وما زالت تبكي وتحزن حتى أقنعت زوجها النبي بأن يعمل لها الشياطين صورة لأبيها القتيل. فعمدت إليه حين صنعوه فأزّرته وقمّصته وعمّمته بمثل ثيابه التي كان يلبس. ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو على ذلك التمثال هي وولائدها، فيسجدن له كما كانت تصنع ذلك في ملكه، مدة أربعين يوماً، وأن وزير النبي سليمان شعر بأن الإيمان قد فسد في بيت النبي (لا إشارة حكائية عليه) فأتاه فقال: يا نبيّ الله، كبرت سنّي، ودقّ عظمي، ونفد عمري، وقد حان منّي الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي، وأعلّم الناس ما يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل (كأنه طلب رخصة مظاهرة)، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيباً، فذكر من مضى من أنبياء الله وأثنى على كلّ منهم بما فيه، وذكر ما فضّلهم الله به حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأورعك وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف.

فوجد سليمان في نفسه من ذلك، وسأل آصف فأخبره بأنّ غير الله يعبد في داره أربعين يوماً في هوى امرأة. قال سليمان: في داري! قال: نعم في دارك. ثم إن سليمان تاب إلى ربه، واعتكف مدة يتعبد ويستغفر، ثم عاد إلى داره (لا نعرف ما جرى للجرادة، وكانت التوبة تستوجب أن يطلقها بتهمة الشرك بعد مراجعة أو يقتلها)، وأصاب امرأة من نسائه، فوضع خاتمه عند أمينة الخاتم، ثم دخل لقضاء حاجته، فأتاها صخر الجنّيّ على صورة سليمان لا ينكر منه شيء، فقال لها: يا أمينة، خاتمي؛ فناولته إيّاه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الجنّ والإنس والطير. وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد تغيّر عن حليته وهيئته عند كل من يراه. فقال: يا أمينة. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. فلم تصدقه، فالدليل هو الخاتم (وهذا ضعيف في الإقناع بالحكاية، فهو يشبهه، ويستطيع أن يبرهن لها على ذلك، لكن من يستطيع الوصول إلى مؤسسة الرئاسة؟ مفتي الديار لا تستطيع الوصول إليه، فكيف بالرئيس؟).

فعرف سليمان أنّ خطيئته قد أدركته، فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود (ولا يرتابون في دعواه، فالبرهان عندهم هو الخاتم والزي والسلطان والهيلمان) فيحثون عليه التراب ويسبّونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون يزعم أنه سليمان. فلمّا رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر منه إلى السوق فيعطونه كلّ يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها. فمكث كذلك أربعين صباحاً، عدّة ما كان ذلك الوثن في داره.

قال: وأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدوّ الله الشيطان في تلك المدّة.

قال آصف: أمهلوني حتى أدخل على نسائه وأسألهنّ هل أنكرن منه في خاصّة أمره ما أنكرناه في عامّة أمر الناس. فدخل على نسائه فقال: ويحكنّ! هل أنكرتنّ من أمر نبيّ الله سليمان ما أنكرناه؟ فقلن: أشدّ وأعظم، ما يدع امرأة منّا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. فقال آصف: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال: ما في الخاصّة أعظم ممّا في العامّة. فلمّا مضت أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجسمه (يظهر أنه لا يستطيع أن يبقى على الصورة أكثر من أربعين يوماً) ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فابتلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين. وقد عمل له سليمان صدر يومه حتى إذا كان آخر النهار أعطاه سمكتيه، فأعطى السمكة التي ابتلعت الخاتم، وحمل سليمان سمكتيه فباع التي ليس فيها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فاستقبله الخاتم من جوفها فأخذه، فجعله في يده ووقع ساجداً لله تعالى، وعكفت عليه الطير والوحش والجنّ. وأقبل إليه الناس ورجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين بإحضار صخر فأدخله في صخرة عظيمة، ثم شدّ عليه أخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرّصاص، ثم أمر به فقذف في البحر.

والعبرة هي أنَّ الشرعية في الخاتم، فمن وضع الخاتم صار ملكاً حتى لو كان قيس سعيد، أو القذافي، أو السيسي، وهم أناس ليس لهم من صفات الملك وخصائصه شيئا، وأن الناس تنظر إلى الخاتم لا إلى شمائل الشخصية، من حكمة وعلم ورأي.

وقد خشي الباجي قايد السبسي من مناظرة المنصف المرزوقي، ولم يقبل السيسي مناظرة حمدين صباحي. وكانت المناظرات في مصر بعد سقوط مبارك تجري عن طريق رجل ثالث هو المذيع، وقد جرت مناظرة بين حمدين صباحي وأبو الفتوح.

ويمكن الاستئناس بفيلم "جاك والعمالة" لفهم رمزية الخاتم. الخاتم هو الشرعية، والخاتم رضى الغرب، وولاء الجيش، والإقامة في القصر الجمهوري والقوة، قد تكون قوة جيش أو قوة قبيلة، أو قوة طائفة.

إنَّ جميع من نعرف من الزعماء تزوجوا من جرادات من غير سبي، زوجات زعماء الدول العربية بعد إنشاء إسرائيل أو تمهيدا لها كلهن خواجات.. جمال عبد الناصر زوجته فارسية الأصل، ياسر عرفات تزوج من سهى عرفات، جيهان السادات، سوزان مبارك.. عبد الفتاح السيسي زوجته هي ابنة عمه وأصلهما مجهول، بشار الأسد زوجته بريطانية الجنسية. وجميعهم يعبدون ما تعبد زوجاتهم، ووصلنا إلى العصر الذي لا يحتاج الرئيس مصاهرة "الملك صيدون" لإثبات ولائه، وتوظيف جاسوس على الرئيس لمراقبة أدائه.

ليس في الحكاية سوى إشارة عابرة وسريعة إلى الظلم الذي حاق بالشعب، والظلم أصله الشرك. يقول كتاب تاريخ الشيطان لوليام ودز إن الشرير ذو جاذبية، والناس تميل للقوي الشرير أكثر من التقي الضعيف. وقد سكت بنو إسرائيل سوى آصف بن برخيا، على الشبيه المنتحل وطردوا النبي من أبوابهم، وكذبوه.

والأسماء في القصة دالة، فالقيمة على الخاتم هي الأمينة، والعروس الجديدة الجرادة، وقد تكون مكشوفة الجسد ومغرية، ولعل الراوي يريد أن الزوجة الحسناء قد تجرد الإنسان عن دينه، وأن أصل الفساد هو الشرك وعبادة الأصنام، وفيها إشارة لوقوع الإنسان بحب الغريب والجديد.

ولعل الجرادة هي نقيض بلقيس التي أسلمت لله رب العالمين، ومنها نفهم سبب إصرار الأسد على صورة أبيه قبل كل شيء في الرّقة علامة على تحريرها، ويمكن أن نتأول فنقول: إنّ مرسي وضع خاتمه عند عبد الفتاح السيسي، ولعله لم يكن يضع خاتم الملك الحقيقي، وأنهم أعطوه خاتماً مزيفاً، وبقي الخاتم الحقيقي في يد الجيش. ويمكن أن نقول: إن العقاب الذي أنزله النبي سليمان بصخر الجني هو العقاب الذي ينزله الرئيس المزيف بالشعب.

إن الخاتم مجرد علامة وذخيرة في التقاليد العربية والإسلامية، لم يسأل عن خاتم النبي عليه الصلاة والسلام سوى واحد من أهل الكتاب وهو سلمان الفارسي، ورآه ثلاثة من الصحابة عرضا من غير سعي إليه، وهو لختم الرسائل ليس غير، لكن الخاتم في المملكة الإبليسية سحري.

وكان خاتم خاتم المرسلين على كتفه، وقصد صقر قريش إسبانيا من غير خاتم، فتملكها، ولم ينكره أحد، ولم يكونوا قد رأوا صورته. اخلعوا أي رئيس عربي من خاتمه يصبح عارياً من غير قيمة وقدر. لن تستأجر أي دولة السيسي بعد سقوطه من أجل خبرته في فتح الترع، ربما يستأنس بخبرته في صناعة مسلسلات السيرة الذاتية.

يقال في الأساطير والمرويات إن أصل الإنسان نون، والنون هو السمكة. وخاتم الملك في بطون الناس، وهي صامتة وممنوعة من الكلام.

الخلاصة: الحكم في البلاد العربية سحر، والسياسة شعوذة لأنهم يحتكمون إلى الخواتم والأشياء لا إلى العقول والقلوب.

twitter.com/OmarImaromar