اقتصاد عربي

تعثر "مثير" لصفقة إماراتية كبرى في مصر.. ما الذي حدث؟

تعثر صفقة الاستحواذ الإماراتي على واحدة من أهم شركات الخدمات المالية المقيدة في البورصة المصرية يهبط بأسهم الشركة- جيتي

أعلن بنك إماراتي عن تعثر صفقة استحواذ على واحدة من أهم شركات الخدمات المالية المقيدة في البورصة المصرية، بعد نحو شهرين من التجهيز لإتمامها، وسط تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية عن دوافع ذلك.

 

والخميس، قرر بنك "أبوظبي الأول" الإماراتي، بشكل مفاجئ سحب عرض الاستحواذ الذي قدمه قبل شهرين على حصة الأغلبية بالمجموعة المالية "هيرميس القابضة" الخاصة وذات الأهمية الكبيرة بهذا القطاع في مصر.

وهبطت أسهم "هيرميس" بالساعات الأولى من تعاملات الخميس بالبورصة المصرية وتم وقف التعامل عليها 15 دقيقة لتتراجع بنسبة 20.34 بالمئة، وتخسر 3.95 جنيهات مصرية، بالغة مستوى 15.47 جنيها مصريا بحجم تداول 6.16 ملايين سهم، محققة ما قيمته 95.76 مليون جنيه، (الدولار يساوي 18.38 جنيها).

وأيضا، تراجع سهم "أبوظبي الأول" في التعاملات الصباحية ببورصة أبوظبي، بنحو 1.97 بالمئة عند مستوى 22.94 درهما، وذلك بعد إعلان البنك سحب عرض الاستحواذ على هيرميس.

وأثار قرار البنك الإماراتي تساؤلات هامة حول أسباب التراجع عن الصفقة، والآثار السلبية المترتبة على ذلك، وأيضا عن مدى وجود خلافات حول قيمة الصفقة أو نسبة الاستحواذ بها، وكذلك مدى تأثير ذلك القرار على مباحثات مصر مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد أعلنت عنه القاهرة 21 آذار/ مارس الماضي.

"أسباب غير مقنعة"

وفي قرار مفاجئ وصادم، قال البنك الأكبر في الإمارات والأكثر استثمارا بين البنوك الأجنبية العاملة في مصر، في بيان لسوق أبوظبي للأوراق المالية، الخميس، إنه بعد الدراسة المتأنية وفي ظل حالة عدم الاستقرار المستمرة في الأسواق والاقتصاديات العالمية فإنه قرر سحب العرض.

وتقدم بنك "أبوظبي الأول" 9 شباط/ فبراير 2022، بعرض للاستحواذ على حصة حاكمة لا تقل عن 51 بالمئة في "هيرميس"، أحد أكبر بنوك الاستثمار الرائدة بالعالم العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محددا قيمتها عند 18.5 مليار جنيه (1.17 مليار دولار)، بسعر شراء تقديري بنحو 19 جنيها للسهم.

ووفق تقارير صحفية اقتصادية، أثار عرض الاستحواذ حينها الكثير من اللغط والانتقادات واتهامات بتدني السعر المقدم للشراء، بحجة انخفاض القيم السوقية للأسهم المصرية المدرجة لضعف السوق وشح السيولة.

وجاءت أغلب تقديرات المحللين وبنوك الاستثمار للسعر الذي سيشجع مساهمي "هيرميس" على الانخراط في الصفقة بين 22 إلى 25 جنيها للسهم، بحسب ما ذكره موقع "الشرق"، الخميس.

ويرى مراقبون، أن ما عرضه البنك من أسباب غير متوافقة مع ما تُقدم عليه الشركات الإماراتية من عروض استحواذ مستمرة على الشركات المصرية في قطاعات مختلفة، والتي كان آخرها الأربعاء، بإعلان استحواذ "صندوق أبوظبي السيادي" على حصص بـ5 شركات مصرية في صفقة بملياري دولار.

 

اقرأ أيضا: مصر تبيع أصولا حكومية للإمارات.. ما هي الدوافع؟

كما يرى مراقبون تحدثوا لـ"عربي21"، أن السبب الأساسي هو ضعف قيمة ما عرضه البنك الإماراتي كقيمة للصفقة ما دفع أصحاب الأسهم في هيرميس لعدم الانخراط في الصفقة.

وفي بيان يحافظ على ماء وجه الاقتصاد المصري، أكد البنك أن السوق المصرية ستظل مهمة من الناحية الاستراتيجية له، وأنه سيواصل دعم عملائه وموظفيه، واستثماراته في تنمية شراكاته الراسخة وعملياته في مصر.

وفي 20 كانون الثاني/ يناير 2021، استحوذ بنك "أبوظبي الأول" على كامل حصة بنك "عودة" في مصر، ما جعل البنك الإماراتي أحد أكبر البنوك الأجنبيّة العاملة بمصر من حيث الأصول، بنحو 120 مليار جنيه مصري (8.1 مليارات دولار)، حينها.

وفي إطار الاستحواذ على الاقتصاد المصري والذي يتزايد بشكل مطرد، تعتبر الإمارات أكبر الدول العربية والثالثة عالميا بين الدول الأجنبية المستثمرة في مصر، مشكلة إمبراطورية في قطاعات الإنشاءات والخدمات المالية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتطوير العقاري والصناعة والصحة والتعليم.

وهناك 5 بنوك إماراتية تعمل في مصر هي "أبوظبي الأول"، و"أبوظبي التجاري"، و"الإمارات دبي الوطني"، و"أبوظبي الإسلامي"، و"بنك المشرق"، لتصبح الجنسية الإماراتية صاحبة العدد الأكبر للبنوك الأجنبية بالقطاع المصرفي المصري.

"قصور إداري"

ورغم أن البنك الإماراتي تحدث عن عدم الاستقرار في الأسواق العالمية الناشئة بينها مصر وحالة الضبابية المستمرة في السوق العالمية وتقلب أوضاع الاقتصاد الكلي؛ إلا أنه ومن جانبها أرجعت وكالة "بلومبيرغ" سبب تراجع "أبوظبي الأول" عن الصفقة إلى تعطيلات الرقابة المالية في مصر للصفقة.

ونقلت الوكالة عن أشخاص مطلعين قولهم، إن البنك سحب عرضه بعد أن واجه تأخيرات تنظيمية طويلة، مشيرين إلى أن إجراءات الهيئة العامة للرقابة المالية، بطيئة، كما فرضت مطالب جديدة على "أبوظبي الأول"، موضحين أن البنك "لم يكن بوسعه إتمام الصفقة بالإطار الزمني المقرر".

وإثر قرار البنك الإماراتي، قررت الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر إعادة التعامل على أسهم المجموعة المالية هيرميس القابضة (HRHO.CA)، اعتبارا من جلسة تداول الخميس، مع تعليق جميع العروض والطلبات المسجلة على أسهم الشركة قبل نشر هذا الإعلان.

ولأن الصفقة كانت للاستحواذ على أغلبية إحدى مؤسسات الخدمات المالية المقيدة في البورصة المصرية، وستضخ نحو 500 مليون دولار بالسوق المصري الذي يعاني الكثير من الأزمات المالية، فقد يكون لها تأثيراتها السلبية، بحسب مراقبين.

"أجواء صعبة"

وهيرميس، التي تأسست عام 1984، مدرجة بالبورصة المصرية كأحد أبرز بنوك الاستثمار الرائدة بالعالم العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتعمل لأكثر من 37 عاما، في 4 قارات و13 دولة منها مصر، والسعودية، والإمارات، والكويت، والأردن، وعمان، وباكستان، وبنغلادش، وكينيا، وأمريكا.

وتغطي 75 من الأسواق العالمية الأكثر جذبا للمستثمرين، ويبلغ رأس مالها نحو 5 مليارات جنيه، وتتخطى قيمتها السوقية 17.3 مليار جنيه.

ومؤخرا تزايدت صفقات الاستحواذ الخليجية الإمارتية والسعودية على أسهم شركات مصرية وسط ما تعانيه البلاد من انخفاض للسيولة الأجنبية، وتراجع بالاحتياطي الأجنبي، وضغط لفوائد وأقساط الديون الخارجية على موازنة البلاد، بالإضافة إلى اقتناص الشركات الخليجية الفرص وسط انخفاض سعر الأسهم.

 

اقرأ أيضا: مديرة صندوق النقد الدولي: إنني أخشى على مصر

وخلال 23 آذار/ مارس الماضي، أعلنت الحكومة المصرية توجهها إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد هو الثالث في عهد السيسي من الصندوق الذي منح مصر نحو 20 مليار دولار من (2016- 2021)، فيما تشير التوقعات لقرض جديد بين 8 و10 مليارات دولار.

وفي السياق، ونتيجة لضغوط رفع البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) الفائدة على الدولار في آذار/ مارس الماضي، اضطر البنك المركزي المصري لرفع الفائدة على الجنيه 1 بالمئة، وخفض قيمة العملة بنحو 14 بالمئة.

ورغم أن الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري تشير إلى بلوغ الدين الخارجي أكثر من 145 مليار دولار بنهاية 2021، إلا أن مراقبين أكدوا وصول الدين المصري لأكثر من 151 مليار دولار.

وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري، في نيسان/ أبريل الجاري، أن صافي الأصول الأجنبية المصرية شهد تراجعا حادا في شباط/ فبراير الماضي، إذ انخفض بمقدار 60 مليار جنيه مصري (3.29 مليارات دولار) إلى سالب 50.3 مليار جنيه.

"خلاف على النسبة"

وفي قراءته لأسباب تراجع "أبوظبي الأول" عن شراء 51 بالمئة من هيرميس والآثار السلبية للقرار، أشار الخبير الاقتصادي المصري الدكتور عبد النبي عبد المطلب، إلى أن "هناك بعض المفاوضات التي تمت ولم يشأ أي من الطرفين الإعلان عنها".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يعتقد أن "المفاوضات كانت تدور حول النسبة التي كان يمكن الاستحواذ عليها، بحيث تكون أقل من 50 بالمئة، ولذلك تعثرت المفاوضات"، وفق قوله.

وأضاف: "أشارت التقارير الاقتصادية منذ فترة إلى نية بنك أبوظبي شراء حصة تزيد عن 50 بالمئة, من هيرميس القابضة، وانتظرت الأسواق المالية هذه الصفقة، لكن مر شهران دون أن يتم اتخاذ قرار، ثم كان بيان البنك الخميس، بالعدول عن إبرام الصفقة".

وحول ما يثار من حديث عن تعطيل هيئة الرقابة المالية في مصر للصفقة بتعليمات من الحكومة نظرا لأهمية هيرميس، لا يتبنى عبد المطلب، هذا الرأي، معتقدا أن "هيئة الرقابة المالية لم تتعمد تعطيل الصفقة"، مؤكدا أنه "لو لم يكن هناك رغبة لدى الحكومة لإبرام الصفقة ما تفاوضت عليها من البداية".

وفي رؤيته لمدى تأثير قرار البنك الأكبر في الإمارات على مباحثات مصر مع صندوق النقد الدولي، يرى الخبير المصري أن "التأثير سيكون إيجابيا وليس سلبيا"، موضحا أنه "يمكن أن تسوق مصر فشل الصفقة بأنه أتى نتيجة دراسات أثبتت عدم جدوى هذه الصفقة للاقتصاد المصري".

وتابع: "وأن الحكومة تبذل قصارى جهدها للتحلي بالرشد الاقتصادي السليم، فقد وافقت مصر على بيع حصص في شركات مثل فوري والبنك التجاري الدولي وغيرها، لأن دراسات الجدوى أثبتت جدواها، وأن الصفقة لم تكتمل حفاظا على الموارد المصرية، كما أن الحكومة لم تعلن تراجعها، ولكن البنك من تراجع".

"مراجعات النظام"

وفي تقديره، قال الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور علي عبد العزيز، إن "سحب بنك أبوظبي للعرض غير الملزم في شباط/ فبراير الماضي، هو نتيجة مراجعات لسعر السهم حيث عرض البنك 1.2 مليار دولار للسيطرة على حصة أغلبية بهيرميس، أي بعلاوة سعرية للسهم 21 بالمئة".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أوضح أن "هذا ما اعترضت عليه هيرميس، بسبب ضعفه المالي، حيث أن 19 جنيها للسهم أقل من القيمة العادلة المقدرة بـ22 جنيها للسهم".

ويعتقد عبد العزيز، أن "الأمر يتعلق أولا بالسعر غير العادل وبمراجعات من النظام نفسه في ظل حالة الإضطراب التي تشهدها الأسواق، خصوصا أن هذا الاستحواذ إن تم فستكون حصة أبوظبي في السوق المصرفي نحو 7 بالمئة".

وتابع: "وبالتالي قد يكون تأخر الرقابة المالية في الرد على الصفقة مجرد سبب غير مباشر للرفض".

وبشأن الآثار المترتبة على انسحاب البنك الإماراتي، لا يرى الخبير المصري، أية آثار سلبية لهذا الانسحاب، موضحا أن "انخفاض سهم هيرميس بعد سحب العرض ما هو إلا مجرد رد فعل وسيعود السهم لطبيعته مرة أخرى".

ولا يفضل الأستاذ بجامعة الأزهر، أن "تتوسع أبوظبي في الاستحواذ على أي استثمار مصري، فهي حتما تُمثل خطرا على الأمن القومي المصري خصوصا بعد شراكتها وتحالفها الحميم مع الكيان الصهيوني الغاصب".