قضايا وآراء

الرغبة في احتلال ليبيا.. تلميحات مصرية عابرة أم نية مبيتة؟

1300x600

في الحقيقة لم أكن أنوي الكتابة عن هذا الموضوع أو الرد على ما يتفوه به بعض المحسوبين على الإعلام في الجارة الشرقية مصر.. إلا أنه وجب علينا التوضيح أن هذه التلميحات حول ليبيا ليست وليدة الأحداث الجارية أو حتى زلة لسان وانطباع شخصي لقائلها..

الفترة الماضية وعند اشتداد الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا أستضاف الإعلامي المصري عمر أديب على قناة "إم بي سي مصر" أخوه الصحفي عماد أديب للحديث عن آخر مستجدادت الأحداث التي تعصف بأوروبا.

وخلال مداخلة عماد أديب الهاتفية ألمح إلى ضرورة حماية حدود مصر وكأنه يبرر العزو الروسي لأوكرانيا بل ذهب إلى قوله حرفيا: "لو تخيلنا أن أحد البلدان أدخل حلفا أو صواريخ على حدودك.. فلن نقف متفرجين".

الأديب الأصغر تماهى مع حديث أخوه مشبها ليبيا بأوكرانيا قائلا: إن هذه الأيام فرصة لأي دولة ترغب في القيام بأي عمل، فالعالم منشغل بما يحدث ولن يتدخل، مضيفا أن أوكرانيا لروسيا مثل ليبيا لمصر..! وهي عبارة اعتبرها كثيرون تلميحا بإمكانية غزو مصر لليبيا.
 
هذه الإشارات والتلميحات ليست حديثة كما أسلفت، فهي قديمة جدا.. دعونا نستعرض بعضا منها قبل الحديث عن الأسباب التاريخية لهذه الأطماع أو لهذه النزوات المصرية اتجاه ليبيا.

محمد حسنين هيكل يقول: إن الرئيس المصري الراحل أنور السادات حاول أن يجعل من صفقة الأسلحة التي عقدتها ليبيا مع الاتخاد السوفييتي عام 1975 وزعمه بوجود حملة كراهية يقوم بها الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ضده كذريعة لمحاولة غزو ليبيا عسكريا عما 1977.

في عام 1980 صدر كتاب بعنوان "سرقة واحة مصرية" للكاتب المصري محسن محمد، حاول فيه المؤلف جاهدا أن يثبت أحقية مصر بواحة الجغبوب الليبية، ورغم كل ما استعرضه من جهود الدولة المصرية ودبلوماسيتها إلا أنه انتهى في الصفحات الأخيرة من كتابه إلى الإقرار بأن الأمم المتحدة أسقطت إدعاءات مصر بالحق في واحة الجغبوب.

خبيرة الحدود هايدي فاروق صرحت لصحيفة الوطن المصرية عام 2015 بأن واحة الجغبوب الغنية بالنفط مصرية وحان الوقت لاسترجاعها من ليبيا، وزعمت أنها نجحت بتكليف من القيادة السياسية في عهد الرئيس حسني مبارك من العثور على خارطة جغرافية تُظهر بوضوح وقوع كامل واحة الجغبوب في العمق المصري حيث تمتد حدود مصر الغربية تمتد حتى ما يقرب من 25 ميلاً شرقي واحة "جالو"، وأن "الجغبوب" مصرية، وفق قولها.

وأضافت الخبيرة الصرية أن الرئيس السادات كان مشغولاً بهذا الملف بشدة، وفي عام 1977 قام بتدمير القاعدة العسكرية الليبية في الجغبوب، وهدّد باستعادة كامل الواحة، وفقا لتصريحاتها.
 
وليس ببعيد أثارت باحثة مصرية أمريكية، تدعى إيمان غنيم زوبعة إعلامية بحديثها عن نهر الكفرة خلال ندوة بعنوان "مصر تستطيع" قائلة: إن دلتا عظيمة مغطاة بالرمال تستخدمه ليبيا ومصر لم تلتفت إليه رغم حقها فيه، وأن هذا النهر سيمكن مصر من الشرب والزراعة لأكثر من 150 عاما مشددة على ضرورة استفادة مصر من خزان المياه رغم وجوده داخل الحدود الليبية.
 
صحيفة الأهالي تساءلت عام 2016 عن أسباب عدم مطالبة الحكومة المصرية باستعادة واحة الجغبوب، مضيفة في مقال مطول أنه يحق لمصر أن تطالب بإعادة نحو 40 ألف ميل من الصحراء المصرية تشمل واحتي جغبوب والكفرة وميناء البردية المصري غرب السلوم التي تقع كلها في ليبيا حاليا.

وأثارت دعوى قضائية مصرية تطالب بضم واحة "الجغبوب" الليبية إلى الأراضي المصرية جدلا واسعا وردود فعل غاضبة من قبل الشارع الليبي، حيث تقدم محامي مصري يدعى علي أيوب بدعوة إلى محكمة القضاء الإداري يطالب فيها بضم واحة الجغبوب إلى الأراضي المصرية. 

ووفقا للوثائق التاريخية فإن قضية واحة "الجغبوب" محسومة منذ 1926 باتفاق بين الحكومتين المصرية والإيطالية في موضوع ترسيم الحدود.

 

كمواطن ليبي لن ألوم القيادة المصرية على أطماعها ومصالحها والتي ترغب من خلالها في حل مشاكلها.. اللوم الحقيقي يقع على الفرقاء الليبيين الذين يتقاتلون فيما بينهم على وطن قد يخسرونه في أية لحظة..!

 



الواحة التي تبعد عن مدينة طبرق الساحلية بحوالي 286 كلم تقريبا باتجاه الجنوب الشرقي يبلغ سكانها حوالي ثلاثة آلاف نسمة تقريباً، وللجغبوب مكانة كبيرة في نفوس الليبيين، حيث كانت مركزاً دينياً انطلقت منه الدعوة السنوسية إلى غرب أفريقيا، كذلك كانت الواحة مركزاً لتجميع المجاهدين من مصر وليبيا وتشاد والسودان ضد المستعمرين البريطانيين والإيطاليين والفرنسيين منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وبالعودة إلى الأطماع المصرية في ليبيا لا يمكننا نسيان الواجب التاريخي الذي قدمته والدة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لليبيا، فهي ـ وفقا لحديث السيسي ـ من منعته من احتلال ليبيا بعد أن نصحته منذ الصغر بأن لا ينظر إلى ما عند غيره..!

لم يخفي السيسي وجود نية ورغبة في غزو ليبيا للحصول على ثرواتها وحل أزمته الاقتصادية الخانقة، إلا المانع بكل تأكيد لم يكن نصيحة والدته في صغره...

إلا أن التهديد العلنيّ المباشر بغزو ليبيا عسكريا أطلقه السيسي في خطابٍ تعبويّ ألقاه ميدانيا بقاعدة البراني على الحدود الليبية في أكبر استعراض للقوة العسكرية المصرية، حشد له مئات الدبابات وعشرات الطائرات الحربية المقاتلة متوعداً بالزحف على ليبيا لتثبيت الخط الأحمر المصري، الذي رسمه من سرت إلى الجفرة! وهو خط يقع على بعد نحو ألف كيلومتر لأقرب نقطة على الحدود الغربية لمصر مع ليبيا بدعوى الدفاع عن الأمن القومي المصري! .

ويرى متابعون أن السيسي يختلق ذرائع حماية الأمن القومي المصري داخل الأرض الليبية ـ كما حاول الأخوة أديب أن يسوقونها ـ بينما الدافع الحقيقي للسيسي كما كان لدى السادات هو وضع اليد على الثروات والأرض الليبية..

كمواطن ليبي لن ألوم القيادة المصرية على أطماعها ومصالحها والتي ترغب من خلالها في حل مشاكلها.. اللوم الحقيقي يقع على الفرقاء الليبيين الذين يتقاتلون فيما بينهم على وطن قد يخسرونه في أية لحظة..!