كتاب عربي 21

هل ثورة الجياع بمصر قادمة؟!

1300x600
أعترف ابتداء بأنني في بداية الانقلاب كنت أستبعد تماماً أن تكون الأزمات الاقتصادية سبباً في قيام ثورة في مصر، وقد بنيت رأيي على قدرة الكثيرين على استخدام "الحيل" فيحل كل منهم أزمته بأن يضع يده في "جيب" غيره!

وكنت أضرب مثلاً على ذلك، بمشهد كنت شريكاً فيه، فقد كنت سافرت في حافلة عامة إلى الإسكندرية، وكانت أجرة التوصيل إلى هناك عشرة جنيهات، وبعد أسبوع تكرر السفر، وكانت قد بدأت موجة من الغلاء خلال هذا الأسبوع، لم يكن بينها سعر البنزين. وهنا بدا السائق كما لو كان يصدر قراراً عسكرياً، فقال إن الأجرة ارتفعت إلى ثلاثة عشر جنيها، وإذ احتج نفر قليل من المسافرين، فإن الجميع خضعوا في النهاية لهذا الفرمان. ومن المؤكد أن رد الفعل الطبيعي أن كلا منهم سيرفع من سعر الخدمة التي يقوم عليها، بمن في ذلك من ينجزون مهامها في المؤسسات العامة لصالح المواطنين، وبمن في ذلك المعلمون ونحو ذلك!

وإن كان الرأي عندي أن أهل الحكم سيفقدون حتماً الظهير الشعبي، عندما تتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتجعل أي انتفاضة بمطالب السياسة تجد تعاطفاً من الذين يجلسون على الرصيف. وقد عانينا كثيراً من هؤلاء الذين يحبطون الناس من فكرة التحول السياسي، بما عرف عنهم من استكانة وقبولهم بالحد الأدنى، ودعوة غيرهم للتخاذل!
الرأي عندي أن أهل الحكم سيفقدون حتماً الظهير الشعبي، عندما تتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتجعل أي انتفاضة بمطالب السياسة تجد تعاطفاً من الذين يجلسون على الرصيف. وقد عانينا كثيراً من هؤلاء الذين يحبطون الناس من فكرة التحول السياسي، بما عرف عنهم من استكانة وقبولهم بالحد الأدنى، ودعوة غيرهم للتخاذل!

وحتى عام 2004، كان من الصعب أن تذكر مبارك في جمع من الناس بخطاب معارض له، لأن أصوات العامة ستحتج عليك، بضرورة شكر الرجل الذي يعمل في حدود قدراته، فمن أين سياتي لهذا الشعب بالمزيد؟!

وكان هذا العام قد شهد موجة غلاء، بدا نظام مبارك عاجزاً عن مواجهتها، أو معنياً بهذه المواجهة. وأذكر أنني شاهدت عجوزاً يلعنه في الشارع بالاسم، وأدركت يومئذ أن هذا النموذج تعبير عن ظاهرة ستنمو، وعندما بدأ الحراك السياسي بعد ذلك، لم يؤب معه سوى أهل السياسة والنشطاء، ولم تكن هناك حاضنة شعبية لهذا الحراك، فكان يتم التحايل على الأزمة الاقتصادية بشكل أو بآخر، وكان المستقر عند عموم المصريين أن أحداً لا ينام جائعاً.

وقد استبشرت خيراً عندما لم تواجه مسيرتنا يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2011، باعتراض من المواطنين، فما جرى كان العكس تماماً، فقد وجدنا تصفيقا لنا من النوافذ، وتحيتنا بقطع الحلوى وزجاجات المياه. وفي يوم جمعة الغضب، كان من يسعفنا بالخل والبصل هم بسطاء الشعب، ومن النساء على وجه التحديد، عندما كنا نقع من الإعياء من جراء قصفنا بالقنابل المسيلة للدموع!

ولا نستطيع أن نقول إن الأزمة الاقتصادية وحدها كانت سبباً في ذلك، فقد انتقل مبارك من الاستبداد إلى الاستفزاز السياسي، لأنه يحكم منذ ثلاثين عاماً، ويريد أن يورث الحكم لابنه، ثم إنه أغلق منافذ التنفيس بتزوير انتخابات البرلمان، الأمر الذي وصل للعامة فأزعجهم، وبدوا كما لو كانوا ينتظرون الفرصة، فلم يتصدوا له لإدراكهم أنهم لا يستطيعون تعبيراً عن أنفسهم أو ضرباً في الأرض.

ولم تسر الأمور على هذا المنوال، فقد بدت حركة اعتراض في محيطنا عندما بدأ مبارك يؤثر فيهم بخطابه، وكان الناس يحاصروننا بسؤال: لماذا لم تتركوه يكمل مدته ويغادر في هدوء؟ لكن الأمر اختلف بعد موقعة الجمل!

كانت القاعدة التي بدت مستقرة أن العامة لا يثورون، وأنه لا ثورات من أجل لقمة العيش، وهناك من استخفوا بفكرة ثورة الجياع، كما لو كانوا هم في رفضهم للانقلاب العسكري يريدون إقامة حياة ديمقراطية سليمة!
سقطت نظرية أنه لا ثورة من أجل لقمة العيش، فالغلاء الفاحش تجاوز قدرة الناس على الاحتمال، فهم لم يمروا بيوم حلو منذ الانقلاب العسكري، فالغلاء بدأ مبكراً، لكن كانت هناك آمال عريضة لدى قطاع كبير من المصريين بأنها "شدة وتزول"، لكن الأوضاع انتقلت من السيئ إلى الأسوأ

لقد سقطت نظرية أنه لا ثورة من أجل لقمة العيش، فالغلاء الفاحش تجاوز قدرة الناس على الاحتمال، فهم لم يمروا بيوم حلو منذ الانقلاب العسكري، فالغلاء بدأ مبكراً، لكن كانت هناك آمال عريضة لدى قطاع كبير من المصريين بأنها "شدة وتزول"، لكن الأوضاع انتقلت من السيئ إلى الأسوأ، مع عدم وجود أمل في تجاوز هذه الشدة!

وانتقل خطاب الجنرال من حديث فترة "الخطوبة"، حيث الإغراق في العواطف، والطلب بأن يصبروا عليه ستة شهور، فعامين، ولنهاية العام، ولآخر العام، إلى الحدة، فهو لا يستطيع أن يعلّم، أو يسكّن، أو يشغّل، ولا يستطيع فعل شيء، وأن القادم هو رفع الدعم تماماً. وقد ذهب يشيد القصور، ويشتري السلاح، ثم إنه ارتكب جريمة التفريط في التراب المصري. ونستطيع القول إنه بالتنازل عن تيران وصنافير، فقد بدأت حركة الرفض السياسي له من داخل دائرته المؤيدة له، لكن عدم وجود الأمل في نهاية السنوات العجاف مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، غير مسار الأمور فدخل العامة وحزب الكنبة على الخط.

والذي زاد الطين بلة هو هذا الخطاب الأرعن لأبواقه الإعلامية، فظهر إعلاميوه كما لو كانوا يستهدفون الاستهانة بالناس وبأوضاعهم الاقتصادية، وهم يعيشون في كوكب آخر، ليكون البديل لـ"البيض الأورجانيك" الذي لا يعرفونه، هو "البيض العادي" بالبسطرمة التي لا يعرفها كثير من المصريين، وغالبية من يعرفونها لا يستطيعون شراء الكيلو منها بثلاثمائة جنيه، فهي أغلى من اللحوم!

إنه خطاب بائس يمثل الامتداد الطبيعي، لخطة السيسي في حل أزمة الغلاء، فالسلعة التي يزيد سعرها لا تشتريها، فما العمل إذا كان الغلاء شمل كل السلع والأخذ بهذه النظرية الاقتصادية "الفخيمة" يعني انتظار الموت!

إن السيسي يحكم بسلاح القوة، وبدونها لا يمكن أن يستمر يوماً واحداً في الحكم، وإذا كان قد نجح بها في إسكات الناس، فقد بدأت الأوضاع الاقتصادية ضاغطة عليهم، فبدأ التخلص من هذا الخوف. ويمكن أن نكتشف هذا من حجم الفيديوهات التي يعبر فيها مواطنون غير مسيسين بشجاعة غير مسبوقة عن هذه الأوضاع المزرية، وبدأت هيبة السيسي التي أنتجتها الدبابة تتساقط، ووصل الرفض إلى مناطق بعيدة بطبيعتها عن الرفض والثورة مثل مبنى التلفزيون المصري "ماسبيرو"، بل وإلى شرائح من المجتمع محسوبة على الطبقات العليا، وهذه الأوضاع حركت من يطلق عليهم حزب الكنبة، أي هؤلاء الذين عُرفوا بعدم الاعتراض أو رفع الصوت بالشكوى، وهم ملح الأرض، وكانوا يمثلون لكل حاكم مستبد في السابق "عزوته" وظهيره الشعبي!
السيسي يحكم بسلاح القوة، وبدونها لا يمكن أن يستمر يوماً واحداً في الحكم، وإذا كان قد نجح بها في إسكات الناس، فقد بدأت الأوضاع الاقتصادية ضاغطة عليهم، فبدأ التخلص من هذا الخوف. ويمكن أن نكتشف هذا من حجم الفيديوهات التي يعبر فيها مواطنون غير مسيسين بشجاعة غير مسبوقة عن هذه الأوضاع المزرية

لا أميل للتوقعات، فلم أتوقع ثورة يناير، لكن أستطيع القول إن ما يحدث الآن له ما بعده، وأعمى من لا يرى من الغربال. ولا أقصد السيسي بذلك، بل أقصد من أعيتهم المحن، وطال عليهم الأمد، فأصاب الوهن قلوبهم، فصاروا يستخفون بكل أمل قادم، حتى يصبح السؤال الملح: لماذا يعيش هؤلاء الناس؟!

لم يسأل أحدهم نفسه كيف لا يرصد التغير الذي جرى، ففي حين يصنعون هم صفحات بأسماء مستعارة على منصات التواصل الاجتماعي، فإن أصحاب الفيديوهات يظهرون بوجوههم أمام الكاميرا ويعلنون آراءهم بكل قوة، وفي الوقت الذي يأكلهم هم الإحباط ويفتك بهم كسرطان تمكن من الجسم، فإن هتافات خرجت من مبنى ماسبيرو، وأن مذيعة ارتفع صوتها بالرفض، وأن صحفية بالمبنى تجاوزت في خطابها خطاب المعارضة التقليدي!

وهناك أمر لا يمكن إغفاله، فالذين يقتاتون على الإحباط لا يريدون حركة احتجاج سوى وفق أجندتهم هم، بأن يأتي الناس إليهم محلقين ومقصرين. فهم يتعالون على فكرة أن يكون الجوع سبباً في انتفاضة، وكما لو كانوا هم من دعاة الإصلاح السياسي، لم يقف أي منهم أمام المرآة ليسأل وما هي قضيته!

إن الجنرال مشغول بالتنكيل بمن شاركوا في ثورة يناير، حتى وإن كانوا من حلفائه في الثورة المضادة في 30 حزيران/ يونيو 2013، وهؤلاء لن يشاركوا في ثورتين، فقد شهدوا الهزيمة وأعيتهم المحنة وصاروا جزءا من التاريخ لا الحاضر!

والحاضر هو حزب الكنبة، وعدم المبادرة من سماته، وإن كان المتفق عليه بين أهل الرشد أن الأمور تقف على شعرة، وأن ثورة العوام لن تكون على قواعد ثورة يناير وهذا هو المخيف، والبعض ربما يرى في هذه السطور تنبيهاً للسيسي لتعديل مساره، وإصلاح ما أفسده في مجال الاقتصاد وهو ما يهم الناس!
السيسي لا يسمع لأحد، ولا يتمحور سوى حول ذاته، وربما يكون هذا من حسن صنيع الله.. ثم إنه لو انتبه فماذا يمكنه أن يفعل، وقد بدد القروض والمساعدات في بحر الرمال المتحركة، في ما يسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة

وهؤلاء لا يدركون أن السيسي لا يسمع لأحد، ولا يتمحور سوى حول ذاته، وربما يكون هذا من حسن صنيع الله.. ثم إنه لو انتبه فماذا يمكنه أن يفعل، وقد بدد القروض والمساعدات في بحر الرمال المتحركة، في ما يسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة، ويبدو الإقليم الذي ساعده كثيراً عازفاً عن استمرار تدفق المساعدات التي بددها في السابق تبديد من لا يخشى الفقر؟!

لقد تساءل صاحب فيديو: لماذا تفعل فينا هكذا؟ وهم لا يدركون أنه ليس مؤهلاً إلا لأن يفعل ما يفعله، لأنها لعنة الدم التي حلت بوادينا!

لقد حصل السيسي على قروض ومنح ومساعدات خارجية، لم يمكن منها أي حاكم مصري سابق، فماذا لو وجه هذا لما ينفع الناس ويمكث في الأرض؟!

إنهم حينئذ سيكونون دعماً لاستقرار حكمه وإن وجد من يعارضونه لأسباب سياسية، وقد يعيش عيشة راضية وحكما مستقراً لعشرين عاماً قادمة، لكنه "عدو نفسه"!

إن الظروف مهيأة لثورة الجياع.. ونسأل الله اللطف في ما جرت به المقادير!

twitter.com/selimazouz1