قضايا وآراء

قراءة في صفحة الفقيد الموؤودة (2- 3)

مصر
ختمت المقال الأول من هذه السلسلة بعدد من الأسئلة، وفي هذا المقال والمقال التالي أجيب عنها.. ولعله من المفيد البدء بنبذة موجزة عن فن الدعاية الذي طبّقت صفحة "كلنا خالد سعيد" قواعده بحرفية على متابعيها.. ما يعني أن عمل الصفحة كان منظما، ولم يكن عشوائيا، ولم يكن يديره بعض الهواة المتعاطفين مع خالد سعيد، وإن حاولوا إظهار أدائهم على أنه عفوي وليس احترافيا..

فن الدعاية

الدعاية والتعريف للكاتب: "هي فن التأثير على المتلقي، ودغدغة غرائزه، الراقي منها والمنحط على السواء".. وتتمثل هذه "الدغدغة" في مخاطبة غريزة محددة، أو مجموعة من الغرائز، وفق خطط مدروسة بعناية؛ لتمرير الرسالة/ الرسائل التي يريد "المُدَغدِغ" أو المُرسِل إيصالها إلى المتلقي، من خلال الوسائل الأقوى تأثيرا عليه، وبينما يعتقد المتلقي أنه حصل على/ أو حقق ما يريد، يكون (في الحقيقة) قد أعطى "المُدَغدِغ" كل أو معظم ما يريد..
عمل الصفحة كان منظما، ولم يكن عشوائيا، ولم يكن يديره بعض الهواة المتعاطفين مع خالد سعيد، وإن حاولوا إظهار أدائهم على أنه عفوي وليس احترافيا

أما أضلاع الحملة الدعائية فأربعة:

السلعة: وقد تكون منتَجا، أو قيمة، أو شخصية، أو قضية، أو.. أو..

الرسالة: وقد تكون مباشرة، أو غير مباشرة.. تتسلل إلى العقل الباطن، فتشكل قناعات جديدة لدى الجمهور المستهدف، حددها المُرسل سلفا.

الوسيط: وهو "الوعاء" الذي يحمل الرسالة، مثل الإعلانات (الصحفية/ التلفزيونية/ الإذاعية/ الرقمية)، والملصقات الكبيرة "البوسترز"، والمنشورات التي توزع باليد (الفلايرز)، وإعلانات الشوارع على اختلاف أنواعها (أوت دوور).. إلخ..

الوسيلة: وهي التي تقوم بعرض الرسالة، مثل التلفاز، والإذاعة، والشاشات العملاقة في الشوارع، وواجهات المباني، والسيارات، وأرصفة محطات القطارات والمترو.. إلخ.

رسائل "كلنا خالد سعيد"

في حالة صفحة "كلنا خالد سعيد"، تَوفر النوعان من الرسائل (المباشرة وغير المباشرة) على النحو الآتي:

الرسالة المباشرة.. وكانت المطالبة بـ"حق" خالد سعيد، والتنديد بانتهاكات وزارة الداخلية.

الرسالة غير المباشرة.. وقد عمَدت صفحة "كلنا خالد سعيد"، من آن لآخر، إلى تسليط الضوء على "بطولات" رجالات القوات المسلحة والمخابرات، من الراحلين والمتقاعدين، رغم أنه لا مبرر (على الإطلاق) للإشادة برجالات الجيش في شأن "مدني حقوقي" ينادي القائمون عليه بحق شاب مات تحت التعذيب في قسم شرطة!.. ألا يثير هذا المنحى (غير المبرر) عددا من التساؤلات؟!

رسالة الصفحة

تصفحتُ منشورات صفحة "كلنا خالد سعيد"، من آخر منشور بتاريخ 3 تموز/ يوليو 2013 م (قبل أن يستأنف وائل غنيم، بعد ست سنوات، النشر فيها في 2019؛ لمناكفة المقاول الفنان محمد علي، في محاولة يائسة بائسة لفض الجماهير عنه) وصولا إلى أول منشور بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2010، وجمعتُ ما يربو على 100 صورة شاشة أو "سكرين شوت"، ومن ثم، يمكن القول: إن رسالة صفحة "كلنا خالد سعيد" هي: خلق تعاطف جماهيري واسع مع "مظلومية" خالد سعيد؛ لتحريض المصريين، من رواد الشبكة العنكبوتية (وجلهم من الشباب) على الثورة ضد مبارك، وليس ضد النظام الذي يستمد "شرعيته الفعلية" من القوات المسلحة التي طالما حرصت "كلنا خالد سعيد" على الإشادة برجالاتها بصورة فاقعة.
تحريض المصريين، من رواد الشبكة العنكبوتية (وجلهم من الشباب) على الثورة ضد مبارك، وليس ضد النظام الذي يستمد "شرعيته الفعلية" من القوات المسلحة التي طالما حرصت "كلنا خالد سعيد" على الإشادة برجالاتها بصورة فاقعة

منهج "كلنا خالد سعيد"

تمثل منهج الصفحة في عدد من المحاور، كان أبرزها:

- التركيز على انتهاكات الشرطة وذلك لأن خالد سعيد (أيقونة القضية) كان ضحية التعذيب، على أيدي أفراد من جهاز الشرطة، وهذا مفهوم ومبرر بطبيعة الحال.. ومن ثم فلا غرابة في اختيار الصفحة يوم "عيد الشرطة" الموافق 25 كانون الثاني/ يناير موعدا للانتفاضة.

- الإشادة برجالات القوات المسلحة وجهاز المخابرات.. ويبدو أن الهدف من ذلك كان إظهار "خسة ونذالة" عناصر الشرطة، مقابل "بطولة ووطنية" عناصر الجيش والمخابرات، وفقا لمفهوم المخالفة؛ لتكوين صورة ذهنية إيجابية عن "العسكر".

فمن رجال المخابرات، نشرت الصفحة أكثر من مرة عن أحمد الهوان، المعروف باسم "جمعة الشوان" في مسلسل "دموع في عيون وقحة" الذي جسد شخصيته الممثل عادل إمام.. وقد أدلى الهوان باعترافات "يندى لها الجبين" في البرنامج التلفزيوني "ملفات سرية".. ومن منشورات الصفحة عن الهوان المنشور التالي:

"اعرف شكل البطل ده.. شخص ضحى بوقته وجهده، وعرّض حياته للخطر عشان بلدنا.. عاش 11 سنة بيضحي عشان أمثالنا يقعدوا آمنين في بيوتهم.. جمعة الشوان دلوقتي بيتمنى إن إسرائيل كانت اغتالته وارتاح؛ بسبب الإهمال اللي بيتعرض ليه [لاحظ.. استخدام الاسم الفني الذي علق في أذهان الجمهور، وليس الاسم الحقيقي- الكاتب]، وبسبب إنه مش عارف حتى يجيب مصاريف العلاج الطبي اللي محتاجه.. معقولة ده يبقى جزاء اللي بيضحي للبلد؟ وكام وزير من رجال الأعمال المليونيرات، كل واحد بيصرف مليون و٢ مليون عشان المدام عندهم تسافر أمريكا تتعالج.. بجد جتكم القرف يا مسؤولين".

- استخدام العامية في كتابة المنشورات وهو أسلوب مناسب جدا لمخاطبة الشباب، في ظل تدهور التعليم وتدني المستوى الثقافي لدى قطاع عريض من الجمهور المستهدف.

- الاهتمام "الفاقع" بالعنصر القبطي رغم أن "الإسلاميين" هم الذين تعرضوا لبطش السلطة، منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي، وليس الأقباط!.. وفي تقديري، فإن الصفحة عمدت إلى ذلك لاستقطاب الشباب القبطي، كي تبدو "الثورة" بأنها "ثورة الشعب".. كل الشعب..

وقد لفتني عدد غير قليل من المنشورات في هذا المحور، كان أكثرها "فجاجة" ذلك المنشور الذي أشار إلى "دين" أحد رجالات القوات المسلحة (اللواء باقي زكي يوسف) عند الحديث عن فكرته (العبقرية بحق) لعمل ثغرات في خط "بارليف" بواسطة خراطيم المياه، أثناء حرب 1973.. ومثل هذا التوجه من شأنه إثارة "النعرة الطائفية" في صفوف القوات المسلحة، وهو أمر مخالف لأبجديات الأمن القومي، قبل أن يكون مخالفا للقانون.. لكن لا بأس (في نظر الصفحة) من اللجوء إليه، إذا كان سيجذب تعاطف الشباب القبطي مع "القضية"!

- هدوء الأسلوب.. فقد كان خطاب الصفحة بعيدا عن التشنج.. واستطاع كاتب المنشورات (المُرسِل) المزج بين العقل والعاطفة، وحرص على توفير معادل بصري؛ لزيادة تأثير رسائله على المتلقي، وقد استطاع إقناع المتلقي باستشعار مسئوليته في انتزاع "حق" خالد سعيد.
باختصار، كانت منشورات صفحة "كلنا خالد سعيد" عن الرئيس المدني المنتخب "ديمقراطيا" سلبية بامتياز!

- موقف سلبي من الرئيس المنتخب منذ لحظة إعلان فوزه.. فقد كتبت الصفحة فور إعلان الدكتور محمد مرسي رئيسا للجمهورية بتاريخ 24 حزيران/ يونيو 2012 المنشور التالي: "د. محمد مرسي رئيسا لجمهورية مصر العربية، بعد ثورة الشعب في 25 يناير.. الثورة مستمرة وستنتصر.. المجد للشهداء"!

لا تهنئة.. لا تمنيات طيبة.. لا دعوات.. فقط "الثورة مستمرة وستنتصر"!.. وكأن اختيار الشعب بإرادته الحرة أول "رئيس مدني" في تاريخ مصر ليس انتصار لـ"الثورة".. لذا "الثورة مستمرة وستنتصر"؟!.. مستمرة ضد من؟! وستنتصر على من؟!.. سؤال منطقي، وإجابته باتت معروفة للقاصي والداني.

وفي السياق ذاته، نشرت الصفحة بتاريخ 29 حزيران/ يونيو 2012 صورة الرئيس مرسي الشهيرة في ميدان التحرير، كاشفا عن صدره "دون تعليق"!

باختصار، كانت منشورات صفحة "كلنا خالد سعيد" عن الرئيس المدني المنتخب "ديمقراطيا" سلبية بامتياز!

بالمقابل، كتبت الصفحة منشورا بمناسبة تكريس الأنبا تواضروس رأسا للكنسية المصرية، هذا نصه: "اختيار الأنبا تواضروس بابا جديدا للكنيسة الأرثوذكسية المصرية، نسأل الله تعالى من قلوبنا أن يوفقه في مهمته، وأن يديم على يديه الأخوّة والمحبة بين شركاء الوطن مسيحييه ومسلميه"!

فمن الأحق بالدعاء "أن يديم على يديه الأخوّة والمحبة بين شركاء الوطن مسيحييه ومسلميه.. رئيس مصر أم رأس الكنيسة؟!

(يُتبع)..

twitter.com/AAAzizMisr