قضايا وآراء

إجرام حاتم الجبلي ضد شعب مصر

1300x600
رغم أن المشير عبد الفتاح السيسى لا يهدأ له بال دون النيل من ثورة 25 كانون الثاني/ يناير2011، في أية مناسبة وبصورة هستيرية وشبه يومية، إلا أنه، وكما تعودنا من النظام المصري، فإنه يحرص على إطلاق حملة إعلامية ممنهجة في التوقيت نفسه سنويا لتشويه ثورة شعب مصر، وذلك بإتاحة المجال لإعادة تدوير شخصيات سياسية وحزبية ومجتمعية وفنية من زمن الرئيس المخلوع حسنى مبارك، وكان آخرها هو ظهور الدكتور حاتم الجبلي، آخر وزير للصحة في عهد المخلوع، والمعروف بأنه من كبار رجال الأعمال، وشريك في عدد من المشروعات الصحية الكبرى من مستشفيات خاصة ومراكز للأشعة وشركات للكيماويات وغيرها.

جاء الجبلي ليخرج على فضائية مصرية، محاولا بعث روح المظلومية العاطفية على مبارك وحكمه، وليقوم في الوقت نفسه بتقديم فروض الطاعة والولاء للنظام الحاكم، معتمدا في ذلك على نظرية "ذاكرة السمكة"؛ التي تعني نسيان الشعب لأحداث الماضي القريب والانصياع لعمليات خطف الذهن المجتمعي.

ومن واقع المعايشة الإدارية والفنية والمهنية لتك الفترة من تاريخ مصر القريب، وبحكم طبيعة عملي وقتها والاحتكاك اليومي بدهاليز وزارة الصحة، فقد كان واضحا بجلاء مدى التدليس والمداهنة في حوار الدكتور الجبلي، خاصة في مجال خدمات الرعاية الصحية المباشرة، التي تمس صحة وسلامة وحياة المواطنين، وإهدار الكثير من الفرص المتاحة لتقديم خدمة صحية ميسرة بكفاءة عالية، ومن السهل الحصول عليها في كل زمان ومكان، وبعدالة تشمل جميع المصريين.
من واقع المعايشة الإدارية والفنية والمهنية لتك الفترة من تاريخ مصر القريب، وبحكم طبيعة عملي وقتها والاحتكاك اليومي بدهاليز وزارة الصحة، فقد كان واضحا بجلاء مدى التدليس والمداهنة في حوار الدكتور الجبلي، خاصة في مجال خدمات الرعاية الصحية المباشرة، التي تمس صحة وسلامة وحياة المواطنين

وسوف أتناول في ما يلي عددا من الجرائم الصحية التي بدأها الجبلي في زمن مبارك، وقام نظام السيسى باستكمالها بعد الانقلاب العسكري عام 2013، في خط زمني واضح وممنهج.

جريمة غلق مصنع ألبان الأطفال وتجويع الرضع وهلع الأمهات:

تعتبر الرضاعة الطبيعية هي الغذاء الأمثل بالنسبة للأطفال حديثي الولادة، ولكن توجد نسبة معروفة عالميا من هؤلاء الأطفال تفشل معهم الرضاعة الطبيعية لأسباب كثيرة خاصة بالأم أو بالطفل، وتلك الشريحة لا بد لها من الرضاعة الصناعية، حيث إن غياب الحليب الصناعي المناسب يعني الموت جوعا. وقد تنبهت وزارة الصحة لهذا الأمر في نهاية التسعينيات وشاركت بالفعل وبنسبة 15 في المئة في إنشاء مصنع لإنتاج "ألبان الأطفال" لأول مرة في مصر، لتوفيره محليا وحماية الأطفال من مشاكل الاعتماد على الاستيراد.

تم في عام 2002 بدء توفير حليب "بيبي زان" للأطفال الصغار، من إنتاج مصنع "لاكتو مصر" بمدينة العاشر من رمضان شرق القاهرة. ولكن فجأة في أول عام له في منصب الوزير؛ قام د. الجبلي عام 2006 بإصدار قرار بغلق المصنع ووقف الإنتاج لسبب غير منطقي، وبدأ مشهد تزاحم الأمهات وهن يحملن صغارا يتضورون جوعا بسبب اختفاء الألبان الصناعية، وبدأت الحكومة في إصدار بطاقات بكميات محددة لكل طفل شهريا، على أن تشتري الأسرة باقي الاحتياج بأسعار السوق. وكانت جريمة صحية وإنسانية خطيرة، وليس لها تبرير سوى دعم الاستيراد وزيادة ثراء مافيا الدواء العالمية.

ومن الغريب أن الأمر نفسه تكرر بطريقة فجائية في بداية شهر أيلول/ سبتمبر عام 2016، وصدر قرار وزير الصحة بحظر بيع ألبان الأطفال في الصيدليات. ومن جديد خرجت الأمهات الباكيات يحملن أطفالهن وهم يتضورون جوعا بحثا عن الحليب، في مشهد لا إنساني وغير مبرر، ولكن هذه المرة كان القرار لصالح نمو اقتصاديات القوات المسلجة المصرية، التي تم استدعاؤها لحل المشكلة حسب سيناريو معد له مسبقا.
من جديد خرجت الأمهات الباكيات يحملن أطفالهن وهم يتضورون جوعا بحثا عن الحليب، في مشهد لا إنساني وغير مبرر، ولكن هذه المرة كان القرار لصالح نمو اقتصاديات القوات المسلجة المصرية

غلق مستشفيات التكامل الصحي وتقليل فرص الرعاية العلاجية المتاحة بالريف:

في نهاية التسعينيات، من خلال منحة مالية من الحكومة اليابانية وبدعم كامل من منظمة الصحة العالمية، تم البدء في إنشاء نوعية متميزة من الخدمة الصحية في بعض القرى الكبرى بالريف المصري، لتكون حلقة الوصل بين وحدات الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات العامة والمركزية في مدن وعواصم المحافظات في جميع أنحاء مصر، تحت مسمى جديد هو "مستشفى التكامل الصحي". وكان مخططا لها تقديم مزيج من الخدمات الوقائية وقدر مناسب من الخدمات العلاجية، بهدف مزدوج يشمل تسهيل خدمات الرعاية الصحية لأكثر من 60 بالمئة من أهل مصر الذين يسكنون في الريف، بالإضافة إلى تخفيف العبء على المستشفيات العامة والمركزية، مع وضع نظام محكم للإحالة الطبية والمتابعات الصحية من خلال الملف الصحي لكل مواطن، الذي تم البدء فيه بصورة جادة في جميع وحدات الرعاية الصحية الأولية خلال تلك الفترة.

كانت الخطة تشمل إنشاء حديثا، وتطويرا لمنشآت أخرى موجودة ليصبح العدد الإجمالي هو 514 مستشفى تكامل صحي منتشرة ومزودة جميعها بالبنية التحتية المناسبة، لتقديم الخدمات الصحية المستهدفة. ولكن بوصول دكتور حاتم الجبلي لسدة الحكم وتوليه وزارة الصحة بنهاية عام 2005، فقد بدأ فورا في إهمال ذلك المشروع الضخم والمهم، ليصدر قرارا بوقف استكمال الإنشاءات، ثم قرارا آخر عام 2009 بإلغاء مستشفيات التكامل الصحي نهائيا، وتحويلها إلى مجرد وحدات رعاية صحية أولية تقدم خدمات التطعيمات وتسجيل المواليد والوفيات، فقط، تاركا مباني الأشباح خاوية تشهد على مدى الإفساد الممنهج.

وكان من الطبيعي أن يأتي السيسي في كانون الأول/ ديسمبر عام 2016 ويقوم بعرض تلك المباني الضخمة للبيع صراحة لرجال الأعمال تحت مسمى الشراكة مع القطاع الخاص، أو بمعنى دقيق "خصخصة" تلك المستشفيات واستكمال ما بدأه د. الجبلي في حرمان شعب مصر من الرعاية الصحية المجانية، لصالح نمو ثروات ومصالح رجال الأعمال في القطاع الطبي الخاص.

وجاء وباء كورونا ليكشف جريمة الجبلي بغلق مستشفيات الحميات:
جاء وباء كورونا عام 2020 ليكتشف الجميع مدى فداحة الجريمة التي ارتكبها دكتور الجبلي في إهدار مكانة الخط الأول لمواجهة الأوبئة، وهي مستشفيات الحميات، وكان المشهد الصحي شديد الارتباك في مصر

من المعروف أن علاج الأوبئة والأمراض المعدية يتم أساسا من خلال الرعاية الصحية المقدمة من الفريق الطبي المختص والمدرب، الذي يعمل في مستشفيات الحميات أو طب المناطق الحارة (Tropical Medicine) حسب المسمى العالمي لذلك الفرع المهم والتخصصي من الطب. وهذه المستشفيات كان لها دور كبير في علاج المواطنين، خاصة الفقراء منهم، من خلال 113 مستشفى مجانيا منتشرا في جميع المحافظات، بداية من وباء الكوليرا عام 1947، وتفشياته ببعض المحافظات عام 1984، ولكن دكتور الجبلي قام عام 2009 بغلق 50 في المئة من تلك المستشفيات، وتحويلها إلى مجرد عيادات خارجية أو إلحاقها بأقرب مستشفى عام أو مركزي، لتفقد بذلك مكانتها الطبية التخصصية. وظلت باقي المستشفيات الأخرى تعاني من الإهمال الشديد، سواء في المباني والتجهيزات، أو في توفير الكوادر الطبية المؤهلة علميا وإكلينيكيا، وتم ضمها إلى قطاع الطب الوقائي في وزارة الصحة، بعيدا عن قطاع المستشفيات العلاجية كما كان متبعا من قبل.

وجاء وباء كورونا عام 2020 ليكتشف الجميع مدى فداحة الجريمة التي ارتكبها دكتور الجبلي في إهدار مكانة الخط الأول لمواجهة الأوبئة، وهي مستشفيات الحميات، وكان المشهد الصحي شديد الارتباك في مصر، وبدأت التصريحات عن أهمية تطوير ودعم تلك المستشفيات ومحاولة ضمها مرة أخرى إلى قطاع المستشفيات العلاجية، ولكن بعد فوات الأوان وتعرض المصريين لمخاطر الوباء.

جرائم الجبلي تتكامل في خط زمني مع الجرائم الصحية الحالية:

جاء حوار دكتور الجبلي كاشفا وفاضحا لحقيقة أن سيطرة رجال الأعمال على مقدرات شعب مصر ما زالت هي الطبيعة الحاكمة في مصر، مع تنوع أصحاب المكاسب بين مدنيين وقيادات عسكرية أو منظومة مصالح مشتركة. لهذا السبب لم يكن غريبا استمرار الخط الزمني لجريمة التحكم في تغذية الأطفال، أو خصخصة الصحة، وبات واضحا أن مقولة السيسي المشهورة "هتدفع يعني هتدفع" هي الامتداد الطبيعي لعصر مبارك، ممثلة في جرائم الدكتور حاتم الجبلي.