بورتريه

"بيغاسوس" برمجية إسرائيلية في خدمة الاستبداد (بورتريه)

بيغاسوس بورتريه

زبائنه الأساسيون أجهزة استخباراتية منها عربية، ويباع للحكومات، التي تلقفت "الهدية" الإسرائيلية، للتنصت والتجسس على المعارضين ونشطاء المجتمع المدني، وتوسع ليشمل التجسس على حلفاء الحكومات أيضا.


العدو الأول لأجهزة المحمول التي يحملها الصحفيون والمعارضون والحقوقيون ورجال القانون والنشطاء في مجال حقوق الإنسان حول العالم.


بيغاسوس (Pegasus) برنامج ماكر ومتحور وخبيث ومتلصص يثبت على الأجهزة الذكية للتجسس على المستهدف ومعرفة ما يقوم به على هاتفه والاطلاع على ملفاته وكل الصور أو الوسائط التي يحتفظ بها في "الموبايل".


تعتبر طريقة "التصيد" أكثر الوسائل شيوعا لإصابة الجهاز ببرنامج بيغاسوس، حيث يتم إرسال بريد إلكتروني إلى الضحية يضم رابطا مشبوها خبيثا، وعند النقر عليه يتم تثبيت الفيروس في الجهاز. وفي تقارير نشرت أخيرا يمكنه الولوج إلى الهواتف الشخصية من دون أن يقوم الفرد بأي شيء غير مرغوب فيه.


وما إن يدخل الجهاز حتى يبدأ في التنقل بسهولة ويسر، مثل ضيف ثقيل الظل، في جميع تفاصيل الجهاز المخترق من قراءة الرسائل النصية، وتتبع المكالمات، وجمع كلمات السر، وتتبع موقع الهاتف وجمع كل المعلومات التي تخزنها التطبيقات.


بإمكان البرنامج فعل أي شيء تماما كأنه مالك الجهاز الأصلي، بما في ذلك تشغيل الكاميرا والميكروفون، وإضافة وإزالة الملفات، ومعالجة البيانات.


الظهور العلني الأول لهذه البرمجية الخبيثة كان في عام 2016 بعد تثبيتها على جهاز "آي فون" الناشط في مجال حقوق الإنسان الإماراتي أحمد منصور، ما مكن شركة أبل من الانتباه لها وكشف قدرتها على استغلال الثغرات الأمنية في الهواتف الذكية.

 

اقرأ أيضا: "بيغاسوس" يتسبب بعاصفة لدى الاحتلال.. تجسس على الإسرائيليين

حظيت هذه البرمجية بشهرة كبيرة بعدما انتشرت أخبار تفيد باستعمالها في التجسس على شخصيات مهمة في مختلف المجالات وفي معظم دول العالم. واعتبرت "البرمجية الأكثر تطورا" بعد نجاحها فِي التجسس على هواتف "آي فون" المعروفة بقوة حمايتها لبيانات المستخدم مقارنة بأنظمة تشغيل أخرى.


الشركة المصنعة للبرمجية هي شركة "إن إس أو" (NSO) الإسرائيلية المتخصصة في تطوير أدوات التجسس السيبراني التي تأسست عام 2010 ويعمل فيها نحو 500 شخص ومركزها قرب تل أبيب.
تزعم "إن إس أو" بأنها حصلت على الإذن من بعض الحكومات للاستمرار في صناعة البرنامج وذلك للمساعدة على مكافحة "الإرهاب والجريمة" على حد زعمها.


وتحظى " إن إس أو" بدعم الحكومة الإسرائيلية وتعمل تحت غطائها.


وثارت الشكوك حول استخدام بيغاسوس للتجسس على هاتف الصحفي السعودي جمال خاشقجي وتتبع اتصالاته، والذي اغتيل في عام 2018.


وكشف تحقيق أجرته 17 مؤسسة إعلامية ونشرت نتائجه الشهر الحالي عن أن بيغاسوس استخدم لاختراق هواتف صحفيين ومسؤولين وناشطين بأنحاء متفرقة من العالم.


ويستند التحقيق الذي أجرته مؤسسات إعلامية دولية، بينها صحف "لوموند" الفرنسية، و"زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية، و"الغارديان" البريطانية و"واشنطن بوست" الأمريكية إلى قائمة حصلت عليها منظمتا "فوربيدن ستوريز" والعفو الدولية.


وتضم القائمة أرقام ما لا يقل عن 180 صحفيا و600 سياسي و85 ناشطا حقوقيا و65 رجل أعمال، وفق التحليل الذي أجرته المجموعة.


"بيغاسوس" من برامج التجسس باهظة التكلفة، فوفقا لقائمة أسعار 2016 ، بحسب موقع "فاست كومباني" فإن "إن إس أو" تطلب 650 ألف دولار مقابل اختراق 10 أجهزة إضافة إلى نصف مليون دولار رسوم تثبيت البرنامج.


وعادة هناك طرق يمكن للشخص اكتشاف استهدافه، ولكن في حالة بيغاسوس يصعب على شخص غير تقني كشفه لأنه اختراق صامت وفي قائمة الضحايا التي كشف عنها، كان البعض يخضع للمراقبة منذ 3 سنوات دون دراية منهم.


شركة آبل لم تقف صامتة أمام استهداف صناعتها فحركت قضية ضد مجموعة "إن إس أو" الإسرائيلية لبرامج التجسس وشركتها الأم، بزعم استهداف مستخدمي آيفون بأداة قرصنة.

 

اقرأ أيضا: هآرتس: ضحايا بيغاسوس بينهم أميرة أردنية وصحفيون بالجزيرة

ودافعت مجموعة "إن إس أو" عن نفسها بأن أدواتها مصممة لاستهداف "الإرهابيين والمجرمين"، وتقول إنها تزود برنامج بيغاسوس فقط للجيش ووكالات إنفاذ القانون والاستخبارات، من البلدان التي لديها سجلات جيدة في مجال حقوق الإنسان.


لكن هذا الكلام ثبت زيفه وتناقضه مع الواقع عندما وضعت الولايات المتحدة الأمريكية الشركة على قائمة تجارية سوداء، قائلين إن البرنامج مكن الحكومات الأجنبية من القيام بقمع عابر للحدود، وهي تعني ممارسة الحكومات الاستبدادية التي تستهدف المعارضين والصحفيين والنشطاء.


ويعتقد أن الاحتلال يمارس عملية القرصنة ضد أجهزة الفلسطينيين والإسرائيليين المعارضين لسياسات الاحتلال عبر بيغاسوس، وبعد أن اخترقت الاستخبارات الإسرائيلية أجهزة 4 منظمات فلسطينية مدافعة عن حقوق الإنسان، عمدت سلطات الاحتلال إلى حظرها ومطاردة العاملين فيها.


ورغم كل هذا الضجيج لا يزال البرنامج سيئ السمعة يعمل ويتصيد ضحاياه، وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إنها حصلت على قائمة مؤكدة بجميع الضحايا الذين استهدفهم بيغاسوس ضمت 178 بينهم 34 من صحفيي قناة الجزيرة.


وقالت إن المستهدفين كانوا من دول عديدة، منها: أذربيجان، السلفادور، فرنسا، المجر، الهند، الأردن، كازاخستان، المغرب، الضفة الغربية، بولندا، رواندا، السعودية، الإمارات، بريطانيا، المكسيك، ومن بينهم مسؤولون أمريكيون وصحفي في صحيفة "نيويورك تايمز".


كما أن هناك أكثر من 450 حالة استهداف مشتبها بها، إلا أن هذه القائمة، التي وضعت بمساعدة مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، تشمل فقط الحالات التي تم تأكيد استهدافها.


ورغم السوداوية والإحباط في نجاح هذه البرمجية في استهداف العاملين في مجال حقوق الإنسان إلا أن الكاتب والأكاديمي البريطاني جون نوتون يرى أن بيغاسوس سيئ السمعة يواجه حاليا "يوم الحساب"، وأضحى في قلب العديد من الدعاوى القضائية الدولية بفضل مختبر أبحاث كندي "شجاع".


ويختم تونون مقاله في صحيفة "الغارديان بقوله: "إنه حتى لو انزلقت الشركة الإسرائيلية إلى حافة الإفلاس فإن برنامج بيغاسوس لن يختفي لأن هناك كثيرا من الزبائن غير الديمقراطيين الذين سيسعون للاستفادة من قدراته، وما أظهره "مختبر المواطن" من الباحثين الأكاديميين في كلية مونك بجامعة تورنتو الكندية برئاسة الباحث رونالد ديبرت، هو أن ثمن الحرية سيبقى دوما ضرورة بقاء اليقظة التكنولوجية للكشف عن الطرق التي تمارس بها السلطة قمعها.


بيغاسوس فتح عيوننا على أكبر عملية تجسس لا أخلاقية في التاريخ، واعتداء على خصوصية العشرات وتعريض حياتهم لخطر السجن والاعتقال والموت.