أفكَار

الدراسات الإسلامية إلى أين؟ نقاش مع وزير الأوقاف المغربي

أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي يقترح تعديلات في برنامج الدرسات الإسلامية- (فيسبوك)

ألقى أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، في الخامس عشر من الشهر الجاري، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط محاضرة مطولة مهمة بعنوان: "الدراسات الإسلامية إلى أين؟"، تناولت ثلاث محاور أساسية، قدم في الأولى قراءته لسياقات تدريس العلوم الدينية بين الماضي والحاضر، وتناول في المحور الثاني، تأصيل المهمات الأربع، التي يفترض أن تقوم بها شعب الدراسات الإسلامية، وتناول في المحور الثالث مقتضيات تنزيل هذه المهمات في الواقع المعاصر، وذلك باستحضار السياق السياسي الديني أولا، ثم السياق العقدي ثانيا، والسياق الحقوقي (الحرية) ثالثا، والسياق الأكاديمي رابعا، ثم السياق الاجتماعي خامسا، فالسياق العالمي أخيرا، ليختم محاضرته بذكر أكثر من عشرين مبدأ اعتبره أساسيا في استشراف مستقبل الدراسات الإسلامية.

والحقيقة أن الرجل أسعفته خبرته في تدبير الشأن الديني، فضلا عن تخصصه في التاريخ، في الإمساك بحيثيات دقيقة في تاريخ الشعبة، وتكويناتها، وسياقات تأسيسها، والأدوار التاريخية، وحتى السياسية، التي اضطلعت بها، كما تنم مناقشاته لواقع الشعبة وتقييمه لمخرجاتها، وذلك على بعد أربعين سنة من تأسيسها، على امتلاكه لأفكار مستقبلية تنطلق ليس فقط من خلفية فكرية، لكن أيضا من تقديره لبعض الحاجيات السياسية للدولة، والتي يمكن لشعب الدراسات الإسلامية أن تضطلع بدور مهم في تلبيتها.

والواقع، أن الرجل حين أراد ختم محاضرته، فتح الباب أمام التفاعل الجدي مع الأفكار التي طرحها، ومناقشتها بخلفية البحث عن سبيل للنهوض بهذه الشعبة، والبحث عن الصيغة المثلى لكي تؤدي دورها العلمي والأكاديمي والديني، وأيضا دورها في الاستقرار السياسي للدولة والتوازن المجتمعي.

وفي هذا السياق، تأتي هذه المحاولة التفاعلية مع ما طرحه الرجل من قراءته وتفسيره لسياق تشكل الشعبة، وطرحه أفكارا تأصيلية وتنزيلية تتعلق بمهماتها في الواقع الراهن.

سياقات إلقاء المحاضرة

ليس عاديا أن يقدم وزير للأوقاف والشؤون الإسلامية على إلقاء محاضرة علمية في مدرجات كلية الآداب، تتعلق بمستقبل شعبة الدراسات الإسلامية.

الإعلاميون فضلا عن المحللين السياسيين سارعوا إلى قراءة الحدث من زاوية السياسة، فحديث التوفيق عن شعب الدراسات الإسلامية، لا يمكن أن يكون من غير قصد، وأن الدولة ربما تهيئ نفسها لإحداث تعديلات مهمة على واقع هذه الشعبة وأدوارها، لاسيما وأن ورش إصلاح الحقل الديني لم تكتمل بعد في المغرب، وأن مهمة مراجعة برامج ومناهج تدريس الدين، لم يتم فيها لحد الساعة سوى حلقة مراجعة مقررات التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي، فيما التعليم الجامعي بقي بعيدا عن أي مراجعة.

أحمد التوفيق أراد أن يزيل هذا الالتباس في أول محاضرته، ويؤكد بأن الطلب كان من شعبة الدراسيات الإسلامية وليس من قبله، ولو أن طرح الموضوع بهذا الشكل قد صادف هوى في نفسه، بحكم اشتغاله في مجال تدبير الحقل الديني، ومعايشته للتحديات التي تطرح على الحقل الديني، والتي تفرض أن تكون شعب الدراسات الإسلامية فاعلا أساسيا في مواجهتها.

جواب ذكي، نسب المبادرة إلى شعبة الدراسات الإسلامية، ليؤكد بأن هاجس مراجعة واقع الشعبة واستشراف مستقبلها، هو حاجة لشعب الدراسات الإسلامية أيضا، كما أنها حاجة للدولة، التي عبر المكلف بتدبير الحقل الديني بها (السيد أحمد التوفيق) عن همومها وتقديرها لدور الدراسات الإسلامية في مواجهة التحديات التي تواجهها 

في سياق تشكل شعبة الدراسات الإسلامية

قدم السيد أحمد التوفيق مقاربة تاريخية مهمة لأوضاع تدريس علوم الدين بين الأمس واليوم، وتوقف عند الحيثيات التي استدعت إنشاء هذه الشعبة، ونسب ذلك إلى التيار السلفي (التيار السلفي الوطني)، وانتقد مخرجات العرض الذي قدمته من زاوية تسَيُس المبادرة، وأنها جاءت استجابة لتحد تنامي اليسار بالمغرب، وأن أي محاولة لإعادة بناء هذه الشعبة، ينبغي أن يتحرر من حيثيات التأسيس، أي التسيس والارتباط بتيار ما، وأن يتم الانطلاق من مرجعية التدين، وما يخدمه من علوم وتزكية، وربط ذلك بأصله الجامع، أي بإمارة المؤمنين.

والواقع أن ما نقله التوفيق من حيثيات تاريخية دقيقة بخصوص تاريخ تعليم الدين، أو تدريس علومه والعلوم الخادمة له، لا يمكن الشك فيه، فقد أتى بشكل دقيق على الحيثيات التي حفزت بقوة إلى تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية، وكشف عن التحدي البارز الذي كان وراء هذا الميلاد (تحدي هيمنة اليسار)، لكن الذي يحتاج هنا إلى مناقشة، هو القراءة التفسيرية التي قدمها، ونسبته ذلك إلى التيار السلفي الوطني، في إشارة منه إلى حزب الاستقلال، و أن تأسيس هذه الشعبة قام بدور مهم في إحداث التوازن، بحكم أن الكفة كانت مائلة بهيمنة اليسار على كل حقول المعرفة الأكاديمية والثقافية بالمغرب، وبعدم وجود شعبة أو بالأحرى تيار ينافسه أو يحد من غلوائه.

السيد التوفيق حرص أن يجعل المقابلة هنا بين تيارين، الأول يساري خرج من معطف حزب الاستقلال، وتغول وتقوى، حتى حقق الهيمنة على حقول المعرفة والثقافة في المغرب. والثاني، هو تيار سلفي وطني، قام بهذه المبادرة، بمنطق استعادة التوازن للجامعة والمجتمع أيضا. لكن التوفيق في سعيه ذلك، غيب معامل الدولة، وموقعها، وأين كانت من هذه المبادرة، وهل مجرد وجود شخص مؤسس من حزب الاستقلال هو السيد أحمد بلبشير الحسني، يبرر نسبة تأسيس الشعبة لحزب الاستقلال (التيار السلفي الوطني) في مواجهته لليسار، وإلغاء دور الدولة في ذلك، وهل خلفية التسيس التي أنشئت بها الشعبة، ترتبط بإرادة حزب أم بإرادة دولة؟

السيد التوفيق من خلال محاضرته، ينسب خلفية التسيس للتيار المنشئ للشعبة، ويبعد هذه الخلفية عن الدولة وحاجاتها، وذلك لأنه يؤسس من خلال هذه القراءة التاريخية لخلاصة مهمة، وهو أن عطب هذه الشعبة، هو ارتهان تأسيسها بخلفية التسيس التي كانت تحكم التيار المنشئ لها، وأن مستقبلها، هو في التحرر من حيثيات الولادة المسيسة، وبناء خلفية جديدة، هي تدريس الدين لآداء وظيفة التبليغ، ووصل هذه المهمة بالإمامة العظمى، وجعل الشعبة أداة أساسية في تثبيت هذه الإمامة ومقتضياتها (البيعة  والاختيارات العقدية والمذهبية والسلوكية المغربية).

النقاش مع السيد أحمد التوفيق في هذه الخلاصة، لا يجادل في أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الشعبة في ترسيخ الإمامة العظمى، وما يرتبط بها من الثوابت المغربية في العقيدة والمذهب والسلوك، فقد كانت هذه الشعبة جزءا من أدوات خدمة هذا الهدف. وإنما النقاش، هو في الشق الأول من خلاصته، والذي ينبغي استحضار الحيثيات التاريخية نفسها، لإثبات دور الدولة في إنشاء هذه الشعبة، وأن ولادتها لم يكن من خلفية تسييسية تخص تيارا سلفيا وطنيا، ضاق بهيمنة اليسار، بل كان أيضا حاجة من حاجات الدولة، فقد تضمنت رسالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، الموسومة بـ"رسالة القرن"، والتي تصادف زمنها مع بداية القرن الخامس عشر الهجري، أي قبل تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية بسنة أو سنتين.

تضمنت هذه الرسالة، توجيها واضحا في هذا الاتجاه، إذ وضحت حاجة الدولة إلى تدريس علوم الشريعة، وإلى إعداد "مجموعة كافية من العلماء والمفكرين، يكونون ـ مثل سلفهم ـ مستوفين لشروط الاجتهاد والنظر في أصول الدين، ويكرسون جهودهم لإحياء تراث الإسلام الثمين، وصياغته صياغة جديدة تجعله في خدمة: جماهير المسلمين" فقد كان الملك الحسن الثاني من خلال هذه الرسالة، يفتح المجال أمام "القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية" وكان يلح على زعماء العالم العربي والإسلامي لإتاحة الفرصة لهم، وشملهم "بالرعاية الكافية، حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء".

السيد عبد الكبير المدغري، وزير الأوقاف والشؤن الإسلامية السابق، رحمه الله، أقر بشكل صريح في كتابه" الحكومة الملتحية"، بهذه الحقيقة، كما أشار إلى ما هو أكبر منها، مما يتعلق برعاية وزارة الداخلية المغربية للسلفية الوهابية، وذلك لأسباب جيوسياسية معينة، وأيضا لأسباب أخرى شخصية ترجع إلى العلاقة الحميمية التي كانت بين المسؤولين والتي فيها منافع ومصالح شخصية. 

لا نريد أن نطيل في مناقشة هذه الحيثية، لأن مضمون رسالة القرن الملكية، يكفي في التدليل على أن إنشاء شعبة الدراسات الإسلامية، لم يكن من فعل تيار سلفي وطني بخلفية تسيسية تهمه، وإنما كانت بفهم منه، لحاجة الدولة، التي كانت تحمل خلفية التوازن والحد من غلواء اليسار وهيمنته على الحقول المعرفية والثقافية وتأثيره على المجتمع.

وهكذا، وتبعا لهذه الوقائع التاريخية، التي لم يأت على تفصيلها السيد أحمد التوفيق، فالدولة لم تكن بعيدة عن إنشاء هذه الشعبة، وحاجاتها هو الذي أملى تأسيسها، وأنه لا حاجة لوضع تقييم خاطئ، يرهن أزمة الشعبة بحيثيات الولادة (الخلفية التسيسية لتيار سلفي وطني) حتى يتم تبرير رسم مستقبل الشعبة بربطه بخلفية أخرى، يحاول السيد التوفيق تحديدها بوظيفة تعلم الدين وتبليغه، وربط ذلك بالإمامة العظمى، فالخلفية السياسية التي أملت على الدولة تأسيس الشعبة، هي نفسها الخلفية التي تملي عليها اليوم تغيير مناهجها، وأن المختلف في الحالتين معا، هو الإخلال بالتوازن، أو التشويش على الإمامة العظمى، فبالأمس كان اليسار المفتئت على الإمامة العظمى، واليوم أصبح التطرف والغلو، هو مذهب الخروج على الحاكم. 

كيف يقرأ التوفيق أعطاب شعبة الدراسات الإسلامية؟

الخلاصة الرئيسة التي تضمنتها محاضرة أحمد التوفيق، هي تقريبا نفس القناعة التي تبناها غداة طرح تغيير مناهج تدريس التربية الإسلامية، أي هاجس ترسيخ الإمامة العظمى (إمارة المؤمنين والبيعة) وتأصيل ثوابت الأمة في مناهج هذه الشعبة ومقرراتها، وحقن مناهج هذه الشعب بمقتضيات التزكية الروحية (التصوف)، ومد جسور الشعبة مع العلوم الاجتماعية، وتوسيع أفق الانفتاح اللغوي فيها.

يؤصل التوفيق للحاجة إلى التصوف، من خلال تأصيل المهمات الأربع لتعليم الديني وتبليغه (التلاوة، التزكية، التعليم، الحكمة)، وبعد أن يوضح الحكمة من تقديم التزكية على تعليم الكتاب والحكمة في القرآن (سورة الجمعة)، يدخل في شرح سياقات الموقف السلبي من التصوف كما ارتسمت في تاريخ الإسلام، ثم ينتقل من التأصيل، ليوضح مترتباته في شكل خطوات تنزيلية عملية، لخصها في خمس: بتخصيص حيز مهم من التكوين للتزكية أولا، وإدارة إدارة التزكية فهما وعملا على محاسبة النفس ثانيا، وتدريس التصوف في برامج الدراسات الإسلامية ثالثا، باعتماد نموذج  تصوف الجنيد المستويات العادية، والتصوف العرفاني في المستويات العليا؛ ثم تدريس السلوك الصوفي في تاريخ المغرب، في أبعاده الروحية والاجتماعية رابعا، ليختم بخطوة خامسة هي تخصيص حصص في الأعمال التطبيقية لمحاسبة النفس وفق بيداغوجية تضعها جماعة من العلماء.

أما ما يرتبط بترسيخ الإمامة العظمى، فقد كشف التوفيق في هذا السياق أن رأس مهمات شعبة الدراسات الإسلامية، أن تكون في جبهة حماية الإمامة العظمى، والذود عنها ضد كل من يستهدفها، وذلك باعتبار أن الإمامة العظمى هي المكلفة بحماية الملة والدين. يقترح التوفيق أن يتم تخصيص درس للإمامة العظمى ودرس آخر للبيعة في مناهج هذه الشعبة، يتناولها في تاريخ الإسلام وفي تاريخ المغرب على الخصوص، بحكم أن المغرب هو البلد الذي بقي "يحتفظ بنظامها من جهة كونها تكتب من طرف العلماء الذين يوقعون عليها، أو من جهة كونها تعاقدا مكتوبا على أساس التزام المبايع بالكليات الشرعية شرطا لقيام مشروعيته أومن جهة تجديدها من فوق منابر الجمعة أو تجديدها كل عام بحضور ممثلي الأمة"، كما يلح على أن يكون مصب مخرجات هذه الشعبة من العلماء والخريجين، مرتبطا بمشيخة أو مرجعية العلماء (المجلس العلمي الأعلى) باعتبارها مؤسسة مرتبطة بالإمامة العظمى وخادمة لها.

أما في الشق العقدي، فيؤكد التوفيق على ضرورة ربط متعلمي هذه الشعبة بالاختيار العقدي في المغرب (الأشعرية) لا بوصفها اجتهادا جدليا في علم الكلام، فهذا الجدل ـ في نظر التوفيق ـ ليس مفيدا في هذا العصر فضلا عن الضرر الذي يلحقه بالأميين، وإنما بوصفها مذهبا عقديا معتدلا، يبعد الناس عن الجرأة على التكفير.

أما في المجال الحقوقي (الحرية)، فيثير التوفيق قضية مهمة، تتعلق بأحد تحديات الدولة أمام المجاهرين ضد الدين ممن يستغلون تساهل الدولة في الحرية ليجرؤوا على الدين، فيرى أن دور شعب الدراسات الإسلامية، أن تواجه هؤلاء بالحجة والبرهان لدفع التشويش الذي يشاغبون به على مرجعية الدولة والمجتمع. 

 

الحقيقة أن مشكلة شعبة الدراسات الإسلامية، تكمن في تصورها التأسيسي، الذي كان يؤمن بفكرة "أسلمة المعرفة"، وبناء على ذلك، كان يعتبر أن مجرد التعرف على مداخل علم النفس وعلم الاجتماع، سيمكن المتخرج من معرفة هذه العلوم، والمساهمة في أسلمتها من خلال تأطيرها بالخلفية الإسلامية،

 



أما في السياق الأكاديمي، فيرى التوفيق أن مهمة شعب الدراسات الإسلامية أن تتأهل للتفاعل مع ما ينشر حول الإسلام في المجال الأكاديمي، وأن ذلك يقتضي مد جسور الانفتاح اللغوي لخريجي الشعبة، بما يؤهلهم لمواكبة ورصد ما يكتب عن الإسلام باللغات المختلفة، وبخاصة الإنجليزية التي تعرف وفرة في النشر البحثي حول الإسلام.

ويتناول التوفيق في السياق الاجتماعي، التعديلات التي ينبغي إدخالها على مناهج الشعبة حتى تتوسع فرص ولوج خريجيها لفرص الشغل المتاحة، ويقترح في هذا الصدد، "فتح الدراسات الإسلامية على مواد أخرى كالجغرافيا والديموغرافيا وعلم الاجتماع والإحصاء والمنظمات الدولية والكومبيوتر والصحافة، بالإضافة إلى القدرة على القراءة الجيدة والكتابة بلغتين أجنبيتين وامتلاك ناصية تحليل الأفكار".

أما في السياق العالمي، فلا يزيد التوفيق على ما ذكره من واجب إتقان لغتين أجنبيتين، وأن من شأن ذلك فتح أبواب العالم أمام خريج الدراسات الإسلامية.

ولا يغفل السيد أحمد التوفيق، أن يشير إلى مدة التكوين، فيرى أن المدة الحالية المتعمدة غير كافية لتخريج العلماء الأكفاء ممن يضطلعون بمهمة تبليغ الدين، وأن المدة المناسبة هي أربع سنوات للإجازة، وأربع أخرى للماستر، تخصص الثلاث الأولى منها لدراسة اللغات القديمة والأديان الأخرى والمذاهب الفلسفية الإسلامية والغربية والتاريخ الإسلامي والغربي بمنهجية نقدية.

في مناقشة رؤية التوفيق

تكشف هذه المقترحات التنزيلية عن جانب مهم من رؤية التوفيق، فواقع إشرافه على تدبير الحقل الديني، وفهمه العميق لحاجات الدولة، وضرورات ترسيخ الإمامة العظمى، وتثيبت الاختيارات العقدية والمذهبية والسلوكية للمغرب، هو الذي أملى عليه طرح المقترحات ذاتها التي تم حقنها في مناهج تدريس التربية الإسلامية في المستويات الأساسية والإعدادية والثانوية، وإن كانت مقترحاته بالنسبة للتعليم الجامعي جاءت أكثر تخصصا، كما هو الشأن في تأصيل البيعة في النص الشرعي، وفي تاريخ الإسلام وتاريخ المغرب. 

كما أن مجمل ما طرحه في تجديد مناهج هذه الشعبة، لا يختلف كثيرا عما هو معهود من خلاصات النقد الموجه لهذه الشعبة، وبخاصة آفة الانفتاح على العلوم الاجتماعية من جهة، وعلى اللغات من جهة ثانية، وعلى الكسب المنهجي والنقدي في العلوم الغربية التي تقارب التاريخ أو الأديان أو تاريخ الأفكار.

نحتاج في مناقشة هذه الأفكار أن نضع الأطروحة المعرفية التي قامت عليها شعيبة الدراسيات الإسلامية على المحك.

ففي السنوات الأولى من تأسيسها، وتحديدا في سنة 1981، كان منهاجها الدراسي يقوم على تدريس العلوم الشرعية، بدءا بعلوم القرآن والحديث والفقه والأصول والمقاصد الشرعية والقراءات، فضلا عن دراسة الحركات الإصلاحية. وكان جسر اللقاء مع شعبة اللغة العربية يتم عبر مادة النحو والأدب العربي، في حين كان الانفتاح اللغوي على اللغات الأجنبية بالاختيار بين اللغة الانجليزية والفرنسية ضم وعاء زمني جد ضيق غالبا ما لا ينال الاهتمام من قبل طالي هذه الشعبة، كما كان الانفتاح عل اللغات الشرقية، يتم بالاختيار بين اللغة الفارسية أو العبرية، وذلك على نسق شعبة الأدب العربي.

 

كل الجهد المبذول في الانفتاح على العلوم الاجتماعية بدل أن يساعد المتخرج في العلوم الشرعية على تحرير العقل في النظر إلى مشكلات الواقع، صار همه الأكبر هو تصويب معارفها ومناهجها وتحيزاتها الإيديولوجية بمرجعية ما درسه في العلوم الشرعية. كما انصب الجهد المبذول في الانفتاح على اللغات الأجنبية على المهمة الدعوية والتبشيرية للوصول إلى الآخر بلغته، في حين، أن المطلوب من هذا الانفتاح يتعدى هذه الوظيفة لما هو أبعد من ذلك،

 



كانت أطروحة "أسلمة المعرفة" التي يتبناها المؤسسون مثل الأستاذ بلبشير الحسني، تقتضي مد جسر مع علم النفس وعلم الاجتماع، بتقريب أساتذة في هذه التخصصات قريبين من هذه الأطروحة. وفي السنوات الأخيرة، تم الانفتاح على مادة علم الأديان المقارن.

والحقيقة أن مشكلة شعبة الدراسات الإسلامية، تكمن في تصورها التأسيسي، الذي كان يؤمن بفكرة "أسلمة المعرفة"، وبناء على ذلك، كان يعتبر أن مجرد التعرف على مداخل علم النفس وعلم الاجتماع، سيمكن المتخرج من معرفة هذه العلوم، والمساهمة في أسلمتها من خلال تأطيرها بالخلفية الإسلامية، حتى بدأ البعض يؤلف كتبا حول "علم الاجتماع الإسلامي" و"علم النفس الإسلامي"، وهو لم يحصل بعد على الحد المتوسط من هذه العلوم ومنهجها ومدارسها.

والحصيلة، أن كل الجهد المبذول في الانفتاح على العلوم الاجتماعية بدل أن يساعد المتخرج في العلوم الشرعية على تحرير العقل في النظر إلى مشكلات الواقع، صار همه الأكبر هو تصويب معارفها ومناهجها وتحيزاتها الإيديولوجية بمرجعية ما درسه في العلوم الشرعية. كما انصب الجهد المبذول في الانفتاح على اللغات الأجنبية على المهمة الدعوية والتبشيرية للوصول إلى الآخر بلغته، في حين، أن المطلوب من هذا الانفتاح يتعدى هذه الوظيفة لما هو أبعد من ذلك، وهو محاولة توسيع مدارك المتخرج، للاطلاع على آخر مخرجات المعارف والعلوم المكتوبة باللغة التي انفتح عليها حتى يسهم ذلك في تصحيح طريقة نظره إلى المشكلات، وأسلوبه في تدبيرها. 

وتبقى مشكلة المشكلات في منهجية تدريس العلوم الشرعية، إذ بدل أن يتم التركيز على البعد الإيبستيمي فيها، والأسئلة التي اشتغلت عليها، والبراديغمات التي تأسست عليها، والقطائع المعرفية التي أحدثه تطورها، والبعد المنهجي والنقدي فيها، أضحت أقرب ما تكون إلى متون تحفظ وتستدعى دون أن تتكون للمتخرج أي ملكة في الاستنباط والاستقراء من جراء الاتصال بها.

واضح من اقتراحات السيد أحمد التوفيق، أنه يركز في مطلبه على الانفتاح بمستوياته الثلاث (العلوم الاجتماعية، اللغات، الكسب المنهجي النقدي في الدراسات الغربية) على مقاصد المتخرج (تبليغ الدين) والشروط التي تلزمه لأداء هذه المهمة، وأيضا على حاجياته حتى ينفتح له العالم الغربي، وتنفتح له فرص الشغل والحياة الطيبة، وعلى ضرورات الدولة (ترسيخ الإمامة العظمى، وحماية الثوابت، ومواجهة الغلو التطرف)، وعلى جعل الخريج في خدمة الدولة والمجتمع (التزكية الصوفية).

لكن، هذه المقاصد والحاجيات والضرورات، سواء تعلقت بخريج الشعبة، أو الدولة، أو علاقة هذا الخريج بالدولة والمجتمع، هي لا تعدو أن تكون وظائف مرجوة من الشعبة أداؤها، تحتاج إلى جهد لحقن ما ينبغي حقنه من مواد خادمة (التصوف) وإعادة النظر في حصص ومضمون مواد قائمة (علم النفس وعلم الاجتماع، والجغرافية والتاريخ وعلم الأديان المقارن) وإضافة حقول معرفية أخرى (الإحصاء، الديمغرافيا، والإعلام والتواصل) وتوسيع الوعاء الزمني للغات الأجنبية مع تحسين معاملاتها، كل ذلك مع الإبقاء على جدر هذه الشعب ومحورها الرئيس، أي العلوم الشرعية، وعلوم الآلة الخادمة لها.

 

وتبقى مشكلة المشكلات في منهجية تدريس العلوم الشرعية، إذ بدل أن يتم التركيز على البعد الإيبستيمي فيها، والأسئلة التي اشتغلت عليها، والبراديغمات التي تأسست عليها، والقطائع المعرفية التي أحدثه تطورها، والبعد المنهجي والنقدي فيها، أضحت أقرب ما تكون إلى متون تحفظ وتستدعى دون أن تتكون للمتخرج أي ملكة في الاستنباط والاستقراء من جراء الاتصال بها.

 



التركيب دائما ما يطرح المشكلة، فكيف يمكن دمج هذه المقترحات في منهاج واحد، وهل إذا تم ذلك، يمكن أن يبقى الجدر الرئيس في الدراسات الإسلامية (أي العلوم الشرعية) محتفظا بمكانه المركزي. وما الوعاء الزمني الذي يمكن من دمج هذه العناصر ووفق أي تصور؟ وأية رؤية؟

السيد أحمد التوفيق قدم اقتراحا، وهو أن يصير نظام الإجازة بأربع سنوات ونظام الماستر هو الآخر بأربع سنوات، لتكون مدة التكوين ما دون الدكتوراه هو ثمان سنوات، لكن الإشكال المرتبط بهذا الاقتراح، يتعلق بالانسجام مع نظام التعليم المعتمد، وهل يمكن لشعب الدراسات الإسلامية أن تتخذ وضعا نشازا، وتنفرد بخصوصية في هذا الشأن، أم أن ثمة خيارا آخر يتم التفكير فيه، وهو أن تبسط وزارة الأوقاف يدها على هذه الشعبة، وتخرجها من الارتهان بوزارة التعليم العالي؟

ليس وراء هذه الأسئلة أي تخمين أو محاكمة للنوايا، بل هو غايتها فقط هو فهم كيفيات تنزيل المقترحات بشكل يجعل شعبة الدراسات الإسلامية منسجمة مع النظام المعمول به في الجامعة

في منهجية تثبيت الإمامة العظمى والثوابت

يبدو من مقترحات السيد أحمد التوفيق، سواء فيما يتعلق بتثبيت الإمامة العظمى وترسيخ الثوابت، أو ما يتعلق بمحورية التزكية الصوفية، أن منهجه في تحقيق هذا المقصد، لم يختلف عما فعله في مناهج تدريس التربية الإسلامية، وإن كان للتعليم الجامعي خصوصيته الأكاديمية. فمجرد اعتماد درس في الإمامة العظمى وآخر في البيعة، ودروس في التصوف، لا يمكن أن يحقق الهدف، ذلك أن غرس وتثبيت وترسيخ هذه الثوابت يتطلب أن تكون كل الدروس خادمة لها، ليس على وجه التقرير، ولكن على وجه التوجيه وبناء المفاهيم وتعزيزها بشكل بيداغوجي ومنهجي وذلك في سياق كل مراحل التدريس الجامعي.

عطب هذه المنهجية برز في مقررات التربية الإسلامية، إذ أضحت دروس تثبيت الإمامة العظمى والثوابت، نشازا من حيث وضعها في بنية التدريس، وذلك بسبب غياب رؤية، تجعل من هذه الثوابت مفاهيم حاضرة في المنهاج كله، تبنى بطريقة منهجية وقصدية في جميع مراحل التعليم الجامعي، ليس فقط بالنسبة لشعب الدراسات الإسلامية، ولكن حتى بالنسبة للشعب الأخرى، لأن الأمر يرتبط بشروط ومقومات الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولا يتعلق بواجب فئة مخصوصة في حماية ثوابت الأمة.

 

الذي يثير التساؤل في مقترحات السيد الوزير أحمد التوفيق، هو ما طرحه في موضوع التزكية، والمحاسبة، وكيف يمكن ترجمة ذلك في مادة دراسية، وأي العلماء المقصودين بوضع بيداغوجية للمحاسبة، وأي مؤشر سيتم قياس تعلم الخريجين في هذه المحاور، ما دام الأمر وجدانيا يهم الجانب الروحي للطالب، وهل سيكون الأمر على شاكلة ما تعرفه الطرق الصوفية، الذي تدور فيها التزكية على الشيخ، أم ستكون على غير هذا النسق؟

 



أما ما يرتبط بالتصوف، فالأنسب أن يصير تخصصا في الدراسات الإسلامية، يتشوف إليه من يرغب في دراساته التفصيلية، وأن يكتفى منه بدرس يدرس في مادة العقائد، يبين تاريخه، ومذاهبه وسياق سجالاته في تاريخ الإسلام، ويتوقف على مدرسة الجنيد، ويبرز خصوصياتها وامتداداتها في المدرسة المغربية، وللتخصص أن يغني الخريج، إذا أراد البحث في المعضلات والمشكلات ودقائق التصوف سواء في كتب القدامى أو المحدثين، أو حتى في كتب الدارسين الغربيين.

على أن الذي يثير التساؤل في مقترحات السيد الوزير أحمد التوفيق، هو ما طرحه في موضوع التزكية، والمحاسبة، وكيف يمكن ترجمة ذلك في مادة دراسية، وأي العلماء المقصودين بوضع بيداغوجية للمحاسبة، وأي مؤشر سيتم قياس تعلم الخريجين في هذه المحاور، ما دام الأمر وجدانيا يهم الجانب الروحي للطالب، وهل سيكون الأمر على شاكلة ما تعرفه الطرق الصوفية، الذي تدور فيها التزكية على الشيخ، أم ستكون على غير هذا النسق؟

هذه مجرد أسئلة للاستفهام، وإن كان قصد السيد الوزير، أن يلفت الانتباه إلى أهمية التزكية في بناء إنسان جديد يضطلع أدوارا جليلة من أجل مجتمعه ودولته، وهي مقاصد ليست محل خلاف أبدا، إنما السؤال عن طرق تنزيلها وكيفياتها، ووجه انسجامها مع التعليم الحديث، ومع النظم الجامعية المعتمدة.