أفكَار

الملكية والإسلاميون بالمغرب.. قراءة في سردية العلاقة (1من2)

قراءة في محددات العلاقة بين القصر الملكي والإسلاميين في المغرب
رغم أن نشأة الإسلاميين بالمغرب كانت مع بداية السبعينيات، إلا أن علاقة الملكية بهم لم تبتدئ بشكل فعلي إلا بعد أواخر الثمانينيات. فرغم تصعيد الشبيبة الإسلامية اتجاه المؤسسة الملكية في أواخر السبعينيات على خلفية تداعيات اتهامها باغتيال عمر بن جلون، فإن توتر العلاقة بالدولة لم يبدأ إلا بعد صدور مجلة "المجاهد" وتبنيها للخط العسكري للإطاحة بالنظام الملكي وموقفا معاديا للصحراء، إذ تعرضت الشبيبة لحملة اعتقالات، نتج عنها قيام قادتها في الداخل بمراجعات أفضت سنة 1981 إلى الانفصال عن الشبيبة.

من منطق التوجس إلى دينامية الاكتشاف المتبادل.. 1981- 1991

بعد رسالة الأستاذ عبد الإله بنكيران الموجهة للملك، ثم لوزير الداخلية، والتي أعلن فيها الانفصال هو ومجموعة من الإخوان عن الشبيبة الإسلامية، وكشف عن التوجه الجديد للمجموعة، دخلت جمعية الجماعة الإسلامية التي تأسست سنة 1983 في مرحلة التعريف بنفسها، وعرض ملفها على الملك. في البدء أخذت دينامية التعريف طابعا ثقافيا وفكريا، وذلك من خلال مراجعاتها الفكرية لمفاهيم سيد قطب، والتنظيمية (السرية)، ثم ما لبثت أن تحولت بعد منتصف الثمانينيات إلى مراجعات سياسية للتأصيل للمشاركة السياسية.

ورغم ذلك، ظل طابع التوجس يسيطر على الإسلاميين والملكية على حد سواء، فالإسلاميون احتفظوا بصيغة تنظيمية تجمع بين السرية (الجماعة الإسلامية) والعلنية (جمعية الجماعة الإسلامية) إلى حدود اعتقالات مكناس سنة 1985 والتي دفعتهم للتخلي على الخط الحركي المستبقى من تركة الشبيبة الإسلامية. أما الملكية، فلم يكن للدولة الإمكانيات الكافية لفهم الظاهرة الإسلامية، ولذلك أطلقت منذ مقتل عمر بن جلون جملة اعتقالات، تكثفت ما بين سنة 1980 و1985 لمعرفة خارطة الإسلاميين، وبقي التوجس يطبع علاقتها مع "جمعية الجماعة الإسلامية" إلى ما بعد منتصف الثمانينيات، إذ كان لنضج فكرة المشاركة السياسية عند الإسلاميين أثر في توجيه بوصلة المؤسسة الملكية إلى اكتشاف الإسلاميين من الداخل.

الملكية والإسلاميون.. من الإدماج الديني إلى الإدماج السياسي 1991- 1997

بدأت عملية الاكتشاف بين الإسلاميين والملكية عبر قناة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبلغت العلاقة أوجها مع جامعة الصحوة الإسلامية سنة 1991، التي شارك إسلاميو المغرب (عبد الإله بنكيران وعبد الله بها رحمه الله)، وحرصوا على استثمار حضور الملك للدورة لطرح فكرة المصالحة بين الدولة والمجتمع، وإقامة العلاقة بين الحكام والمحكوم على منطق التعاون لا منطق التنازع والمغالبة.

ومع أن الملكية لم تظهر في هذه اللقاءات مؤشرات لرفع للتوجس، إلا أن الإسلاميين، اعتبروا مسار الإدماج الديني مطمئنا، ومضوا في خطوات سريعة نحو الاندماج السياسي، وذلك تحت ضغط النقاش الداخلي حول ورقة المشاركة السياسية، التي عملت حركة الإصلاح والتجديد، ابتداء من تاريخ صدورها سنة 1991، على تنزيل مقتضياتها مبادرة بتأسيس حزب التجديد الوطني سنة 1992.

والمثير أن الحركة تفاعلت بنحو إيجابي مع قرار عدم الترخيص للحزب، وتفهمت موقف السلطة، وعزت الأمر إلى التفاعلات الإقليمية (ارتفاع موجة التوجس من الإسلاميين بعد فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر)، وظلت في عملية بحث مستمرة عن إطار سياسي لتصريف رؤيتها إلى غاية سنة 1996 حيث تم الاتفاق على صيغة اندماج أعضائها في حزب الحركة الشعبية الدستورية والديمقراطية، ليتم الانتقال بعدها إلى تدبير أول مشاركة سياسية منظمة للإسلاميين سنة 1997. 

الملكية والإسلاميون.. استراتيجية الإدماج المتحكم فيه

اختلفت دينامية كل من المؤسسة الملكية والإسلاميين سنة 1996 و1997، وانعكس ذلك بشكل واضح على البنية التنظيمية لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، وذلك في محطتين اثنتين: الأولى في الموقف من الدستور الذي رفض فيه الخطيب التصويت بنعم بينما صوت الإسلاميون عليه بالإيجاب، والثانية في الموقف من المشاركة في الانتخابات الجماعية (القرار المفاجئ للأمين العام للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بعدم المشاركة في الانتخابات الجماعية)، وهو الذي فهم منه  وقتها بأن الملكية كانت تدفع في تأجيل هذه المشاركة. غير أن دينامية الإسلاميين لم تساير هذا المنطق، إذ اتخذوا قرار المشاركة بصيغة لا منتمي، مع الإذن لعدد محدود منهم بالترشح باسم أحزاب منحتهم تزكيتها.

ومع عدم حصول تماهي مطلق بين استراتيجية الإسلاميين والملكية، إلا أن ما حصل عليه الإسلاميون في نتائج هذه الانتخابات الجماعية بسبب مشاركتهم المتواضعة والرمزية (100 مقعد فقط)، لم يؤثر سلبا على طبيعة العلاقة بين الطرفين، ولم يدفع الملكية إلى مراجعة خيار الإدماج السياسي للإسلاميين، بل شجعها نحو استئناف المسار، واستصحاب منطق الإدماج المتحكم فيه، والذي برزت معالمه بوضوح مع الانتخابات التشريعية لسنة 1997.

انتخابات 1997.. التوافق الضمني بين الملكية والإسلاميين على الانسياب الهادئ في النسق السياسي:

شكلت انتخابات 1997 التشريعية الإعلان الرسمي للإدماج السياسي للإسلاميين. وقد اختار الإسلاميون بشكل إرادي استراتيجية التقليص الذاتي لحجم المشاركة، إذ لم يقدم الحزب سوى 140 مرشحا من أصل 325 دائرة انتخابية، معللين ذلك بـ" مراعاة الإمكانات الذاتية للحزب وضرورات التدرج الهادئ في الحياة السياسية"، وقد التقت هذه الاستراتيجية مع استراتيجية المؤسسة الملكية التي يحكي وزير الداخلية إدريس البصري جانبا مهما منها، وذلك حين تحدث عن رغبة الملك الحسن الثاني الضمنية في أن لا يحصل الإسلاميون على عدد يسمح لهم بتشكيل فريق برلماني، وهو ما حصل  بالفعل، إذ فازوا فقط بتسع مقاعد برلمانية، وانتهجوا سياسة حذرة، ولم يتمكنوا من تشكيل فريقهم إلا بعد السنة الثانية،  أي بعد ملاحظة سلوكهم السياسي داخل المؤسسة التشريعية.

الملكية والإسلاميون.. الحاجة إلى تجديد الشرعية تدفع نحو إزالة التوجس ورفع سقف التحفظ على الإسلاميين: 

مع موت الملك الحسن الثاني، دخلت المؤسسة الملكية في دينامية تجديد الشرعية، وذلك بإطلاق مصالحات مع رموز من المعارضة السياسية، بغية خلق إجماع صلب حول الملكية، مع توجه نحو تدشين تجربة الإنصاف والمصالحة وطي ماضي الانتهاكات، وتوسيع هامش المشاركة السياسية والرهان على أن تكون أول انتخابات تشريعية في عهد الملك محمد السادس،  انتخابات ديمقراطية نزيهة غير مطعون فيها.

وقد أظهرت نتائج انتخابات 2002 تقدما كبيرا للإسلاميين مشكلين بذلك القوة السياسية الثالثة في البلاد بعد الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، بـ 42 مقعدا. وهي النتيجة التي أذكت تخوفات القوى السياسية من أن يصبحوا القوة الأولى في الانتخابات القادمة لاسيما بعد ظهور عدد من المؤشرات حول انفتاح المؤسسة الملكية عليهم (إلقاء الدكتور أحمد الريسوني رئيس حركة التوحيد والإصلاح الدرس الحسني، وتقديم وصولات الترخيص لحركة التوحيد والإصلاح)، وهو ما زكى  لدى بعض الأطراف حصول صفقة سرية بين الإسلاميين والملكية فبدأت تتحرك لإحداث توتر بين الطرفين، إذ استغلت تصريحات الريسوني لجريدة أوجوردي لوماروك حول إمارة المؤمنين لإحداث توتر بين الملك والإسلاميين، لم تهدأ تداعياته رغم تقديم الريسوني لاستقالته من رئاسة الحركة.

الملكية والإسلاميون.. الإبقاء مع التحجيم مقابل إحناء الرأس حتى مرور العاصفة

ومع أحداث 16 ماي الإرهابية، سيدخل الحزب منعطفا جديدا، بعد أن شنت حملة واسعة ضده بتحميله المسؤولية المعنوية عن الإرهاب، وصلت حد المطالبة بحله، بيد أن تدبير المؤسسة الملكية لهذا الملف مضى في اتجاه آخر، إذ تم استثمار الحملة ضد الحزب لإجباره لتقديم تنازلات انتخابية، وهو ما كان الحزب قد سبق أن اتخذ فيه القرار، إذ أعلنت قياداته تقليص مشاركته إلى 30 بالمائة.

ورغم ذلك، فقد حقق الإسلاميون تقدما كبيرا بالقياس إلى نتائج استحقاقات 1997، (593 مقعدا مقارنة مع 100 مقعد سنة 1997)، متجاوزين بذلك تداعيات 16 ماي.

الملكية والإسلاميون 2003- 2007.. دينامية التوازن الصعب:

أثبتت الانتخابات الجماعية لسنة 2003 دقة استراتيجية الإسلاميين في تحصين مكتسبات إدماجهم السياسي، إذ رغم قرار تقليصهم لمشاركتهم إلا أن ذلك لم يمنع من بروزهم كقوة سياسية أولى في المدن، وهو ما زكى التخوف من هيمنتهم على المشهد السياسي. فالإنهاك التي تعرضت له أحزاب الكتلة الديمقراطية، جعل نجم الإسلاميين يصعد، خاصة وأن الاستراتيجيات الدولية اتجهت لدعم التحولات السياسية بدل دعم الأنظمة الشمولية، ورفعت كثيرا من التحفظات على الحركات الإسلامية المعتدلة، التي مثل حزب العدالة والتنمية المغربي أحد أهم رموزها. 

ومع أن الحزب تراجع نسبيا من حيث عدد الأصوات بالمقارنة مع انتخابات 2002، إلا أن حصوله على المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات، وتعزيز حضوره كقوة سياسية أولى في المدن، دفع المؤسسة الملكية في اتجاه البحث عن خيارات لإحداث التوازن السياسي.

الملكية والإسلاميون.. خيار حزب الدولة مقابل أطروحة النضال الديمقراطي:

كان من آثار تقييم نتائج انتخابات 2007، أن نجحت استراتيجية الإسلاميين في تحصين مكتسبات الإدماج السياسي، ونجحت أيضا في ضمان تقدم انتخابي مهم لهم، مع تسجيل حضورهم كقوة سياسية أولى في المدن، وهي ما كان يعني حدوث اختلال في التوازن السياسي والحاجة إلى البحث عن خيار سياسي لاستعادته.

وقد ظهر ارتباك كبير في إخراج هذا الخيار، عرف أوجه ما بين 2007 و 2009 ، إذ بدأ الاحتجاج  حول شرعية هذا الحزب وقانونيته، وأسلوب ممارسته للسياسة، وسطوه على مناضلي الأحزاب الأخرى، وتوظيفه للمؤسسة الملكية في بناء نفوذه السياسي والانتخابي، فنجح حزب العدالة والتنمية في فك عزلته في مواجهة هذا الحزب، ودفع بأحزاب أخرى إلى إبداء مخاوفها من عودة الحزب الأغلبي، بينما اتجه في مؤتمره السادس إلى تغيير قيادته، وانتخاب قيادة جديدة أعلنت بشكل جريء مقاومتها لحزب الدولة، ثم اعتماد أطروحة النضال الديمقراطي لمواجهة مسلسل التراجع الديمقراطي الذي يعرفه البلد.

الملكية والإسلاميون 2009.. تجريب حزب الدولة يصطدم باستراتيجية بناء تقارب بين الإسلاميين والاتحاد الاشتراكي:

كان لتقييم نتائج انتخابات 2007، وبروز حزب الدولة، دور كبير في حصول تقارب بين الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية، إذ بدأت العلاقة في التوطد بين الحزبين وتحول مع استحقاق 2009 إلى تحالفات استراتيجية لتشكيل مكاتب المجالس الجماعية والإقليمية والجهوية. ورغم استراتيجية الدولة في تجريب حزبها إلا أن نتائج الانتخابات عززت توجهات الانتخابات السابقة من تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائج الجماعات ذات الاقتراع اللائحي وحصوله على الرتبة الأولى في المدن.