مقالات مختارة

إعادة تدوير أمير الحرب

1300x600

الأمور لا تمضي بشكل جيد في الدوائر السياسية الأمريكية بالنسبة لحفتر، يبدو أن أسهمه في تراجع، ولم تعد الإدارة الأمريكية تراهن عليه لتسلمه دفة القيادة في ليبيا سواء بالقوة المسلحة أو عبر الانتخابات.


المؤشر القوي على سلامة هذه الفرضية، هو الخبر المنشور في عدد الخميس الماضي من صحيفة وول ستريت جورنال؛ حيث ذكرت أن حفتر تعاقد مع لاني دينس مساعد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وبوب وليفينستون وهو عضو سابق بمجلس النواب. للترويج والدعاية له في البيت الأبيض والمؤسسات الأمريكية الأخرى. مضيفة أن الخطوة الأولى للثنائي دينس ووليفينستون في مشروع إعادة تدوير حفتر، هي إزالة لقب أمير الحرب الذي أطلقته الصحافة الأمريكية والغربية بشكل عام على حفتر، عشية هجومه الفاشل على طرابلس في نيسان/أبريل 2019.


قيمة العقد بين الثنائي الأمريكي وحفتر بلغت نحو مليون دولار، ولأن المال هو الإله الذي لاشريك له لدى وليفينستون ودينس، أشارت الصحيفة أنهما بررا قبولهما المهمة رغم الدعاوى المرفوعة ضد حفتر في المحاكم الأمريكية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان، بأن مستشاري حفتر نفوا التهم، مؤكدين براءة حفتر من هذه الادعاءات، وكأن هذا النفي كاف وليس ثمة ما يدعو لانتظار حكم القضاء! أو حتى الانتباه في مسألة اتفاق جل الصحف على توصيفه بأمير الحرب، أو مطالعة تقارير خبراء مجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان، ومرافعات مدعي عام الجنائية الدولية أمام مجلس الأمن. 

لم يكن حفتر بحاجة إلى دعاية وترويج لدى صانع القرار الأمريكي خلال السنوات الماضية، حيث غضت الإدارات المتعاقبة بصرها عن جرائمه وانتهاكاته

 لم يكن حفتر بحاجة إلى دعاية وترويج لدى صانع القرار الأمريكي خلال السنوات الماضية، حيث غضت الإدارات المتعاقبة بصرها عن جرائمه وانتهاكاته، ولم تسع للجمه بالتلويح باحتمال محاسبته عليها دوليا، وبلغ التأييد ذروته باتصال الرئيس السابق ترمب به في أثناء حربه على طرابلس، وإشادته بما يقوم به من تأمين لتدفق النفط وحربه ضد الإرهاب، وفسر الاتصال وقتها على أنه ضوء أخضر لحفتر ليمضي في اجتياح طرابلس مطمئنا. 


 قبل خطوة التعاقد مع مروجين في واشنطون بنحو شهر، استدعى السفير والمبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند حفتر والتقى معه في القاهرة، جرى اللقاء بشكل عاجل في 10 آب/أغسطس الماضي، عقب خطاب ألقاه حفتر في اليوم السابق، منتهزا ذكرى تأسيس الجيش الليبي ليعلن أنه لن يخضع لأي سلطة، وعن تصديه للمؤامرات كافة التي تستهدف قواته.

 

في هذا اللقاء الذي جرى في ساعة متأخرة من ليل القاهرة، عبّر نورلاند لحفتر عن انزعاجه مما جاء في الخطاب، كونه يصادم الخطة الدولية للحل السياسي في ليبيا، وأنه يتعين عليه إذا أراد الوصول للسلطة، عرض نفسه على الليبيين عبر الانتخابات ليقبلوه أو يرفضوه واحترام اختيارات الشعب.


 كل الطرق إلى سدة الحكم مسدودة إلا طريق الانتخابات. هذه رسالة الإدارة الأمريكية لحفتر بعد فشله عسكريا، وتأزم الأوضاع بالتوغل الروسي في ليبيا، هذا التطور في الموقف الأمريكي، فرض على حفتر الظهور في مناسبات عدة بالزي المدني، للترويج لنفسه فيما يشبه المهرجانات الانتخابية في مدن وقرى خاضعة لنفوذه. ولكن الأمر يستدعي التحرك في أكثر من اتجاه؛ باستعادة الدعم الأمريكي بإزالة صورة أمير الحرب عنه عبر شركة دينس وليفينستون، وتقديمه للبيت الأبيض كزعيم مدني مستعد لخلع البدلة العسكرية، والتنازل عن الأوسمة والنياشين التي ناء صدره بحملها، ومرشح محتمل للفوز في الانتخابات الليبية.


 أما سياسيا، فقد بادر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بإصدار قانون الانتخابات الرئاسية، بشروط تسمح لحفتر خوض الانتخابات، مع احتفاظه بموقعه العسكري إذا لم ينل الفوز فيها، وهو القانون الصادر بالمخالفة لخارطة الطريق واتفاق الصخيرات والإعلان الدستوري وقرارات مجلس الأمن.

ورغم التأكيد الدولي إجراءَ الانتخابات في الموعد المحدد لها بخارطة الطريق، إلا أن إصدار صالح منفردا لقانون الانتخابات الرئاسية سيزيد من عرقلتها

ورغم التأكيد الدولي إجراءَ الانتخابات في الموعد المحدد لها بخارطة الطريق، إلا أن إصدار صالح منفردا لقانون الانتخابات الرئاسية سيزيد من عرقلتها، ومن المؤكد أن المبعوث الأممي يان كوبيش، سوف يتراجع عن موقفه المرحب بحذر، عقب رفض القانون من المجلس الأعلى للدولة واعتراض 22 نائبا، مؤكدين عدم التصويت عليه في البرلمان بعد مناقشته.


 كل محاولات حفتر وحليفه صالح ستحصد الفشل في نهاية المطاف؛ فلا الترويج في البيت الأبيض سيؤتي أكله، لأن حجم الجرائم والانتهاكات للقانون الدولي على مدى سنوات أكبر من كل الدعايات المضادة، تعززها دعاوى منظورة أمام القضاء الأمريكي، عجز فريقه الدفاعي في دحضها. ولن يغامر أي سياسي بدعم مجرم حرب مصيره المحتوم هو الوقوف أمام العدالة، وأي انتخابات غير مستوية للشروط الدستورية والأمنية كافة، سترفض نتائجها.


إن أقصى ما بوسعه أن يفعله، هو المزيد من التعطيل والعرقلة للحل السياسي، وقد نجح في ذلك من قبل عدة مرات، آخرها نسفه للملتقى الوطني الجامع بهجومه المفاجئ على طرابلس. فهل سينجح هذه المرة أيضا؟