قضايا وآراء

الفقه الإسلامي وتنمية المناطق الحدودية

1300x600

يحلو للمتجرئين على الفقه الإسلامي والتراث اتهامه بأنه مصدر التخلف في بلادنا، بينما يتعامى هؤلاء عن ريادة هذا التراث والفقه في قضايا التنمية، ويزداد تعاميهم عن فساد الحكم، وبخاصة الحكم العسكري المستبد في بلادنا، وما جره عليها من تخلف واستبداد، ومن أكثر المناطق تضررا من الحكم المستبد، من حيث عدم التنمية: المناطق الحدودية، والتي يعامل أهلها معاملة أقرب للخونة، والغرباء المشكوك في ولائهم ووظنيتهم.
 
فمن أكبر مشكلات بلد كبير كمصر، أن القائمين على الحكم تعاملوا مع المناطق الحدودية معاملة إهمال شديد، ولم يولوها أي قدر من العناية من حيث التنمية بكل ألوانها، بل زاد الطين بلة أن نظروا إليهم نظرة الخونة، وأنهم مواطنون درجة ثالثة، أو أقل للأسف.

وقد كان لهذه المحافظات الحدودية مواقف مهمة في حماية حدود وثغور الأمة، وبخاصة عند غياب مؤسسات الدولة، أو ضعفها، والمقصود بمؤسسة الدولة هنا: الجيوش النظامية، وقد رأينا دور المقاومة الشعبية الكبير في بلد كمصر، في عدة حروب مع الكيان الصهيوني، في عام 1956م، وفي عام 1973م، كما فصل في ذلك اللواء جمال حماد في كتابه: (المعارك الحربية على الجبهة المصرية).

ولو أخذنا منطقة حدودية واحدة في بلد مسلم مثلا، لرأينا خطورة إهمال هذه المناطق من حيث تنميتها، ورعايتها، وخطورة ذلك على الأمن القومي للوطن والأمة الإسلامية، فمثلا في مصر، لو أخذنا (سيناء) كمنقطة حدودية بين مصر والكيان الصهيوني، وأثر إهمال هذه المنطقة من الرعاية والتنمية، لأدركنا المخاطر التي تحدق بالأمة جراء هذا الإهمال.

فقد عدت لعدد من الدراسات التي تكلمت عن سيناء وتنميتها، مثل دراسة:  سيناء.. رؤية جديدة للتنمية (2014-2020) من إصدار: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ـ القاهرة، فريق البحث: د. محمد شادي، د. عمر الحسيني، أحمد بيومي، أمل إسماعيل، إيمان ممدوح، بسنت جمال. صادر في سنة: 2020م. ودراسة: مشروعات تنمية سيناء.. الأبعاد والدلالات، للدكتور أحمد ذكر الله، من إصدار: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية – اسطنبول، الصادر في: 1 نوفمبر 2016م. ودراسة باللغة الإنجليزية بعنوان: Bedouins and in-between border space in the northern Sinai، كتبها: Evrim Görmüş، منشورة على موقع، على هذا الرابط: Bedouins and in-between border space in the northern Sinai (sci-hub.se).

أهم ما ورد في هذه الدراسات أنها: تعترف بالإهمال لهذه المناطق، وأن معظم المشروعات التي أقامتها الأنظمة بعد اتفاقية كامب ديفيد، لا تستهدف تنمية حقيقية، ولا شاملة، ولا جادة، وهناك دراسات بينت خطورة هذا الإهمال، وتهميش الحكومة المصرية وقهرها للبدو على مر العقود في شمال سيناء، الذي أدى إلى نشأة مقاومة في هذا النطاق مما أدى إلى خلق هويات مختلفة وفريدة في هذا النطاق.

وأن دراسة المناطق الشمالية لسيناء تتحدى النظريات عن ثبات الدولة ككيان متجانس وقدراتها وسيطرتها على جميع مناطقها بمستوى واحد داخل حدودها. كما إن العلاقة التنافسية بين السلطات المصرية والبدو لتحقيق السيطرة على مناطق شمال سيناء يلقي الضوء على محدودية سيطرة الدولة على هذا القطاع. ورفض البدو لسيطرة الدولة على المناطق الشمالية في سيناء يُظهر اختلال سيطرة الدولة في بإختلاف المساحة داخل حدودها. ورغم جهود الحكومة المصرية للسيطرة على القطاع لعقود، فقد فشلت تلك الجهود في اختراق مجتمعات البدو بأية طريقة لها معنى".

"شمال سيناء هو فضاء متنازع عليه من فضاءات حدودية أخرى مما يوضح ديناميكيات السلطة في هذا القطاع، والأوجه المتعددة لعلاقات البدو وارتباطهم الوجداني والسلوكيات المكانية المرتبطة بالمجتمع وتكوين الهوية والصراع من أجل الاعتراف بهم وبحقوقهم وبضرورة أمنهم. وقد تسببت جهود الدولة للسيطرة على القطاع في خلق الكثير من عدم العدالة في النطاق وقام البدو من ناحيتهم بتحويل النطاق إلى نطاق مقاومة لسيطرة الدولة بطرق متعددة. ويساعدنا هذا على فهم أسباب التحالف بين البدو وبين بعض القوى الحدودية المسلحة التي تسعى دومًا لتوسيع الفجوة الأمنية والصراع في النطاق".

 

من يتتبع مسار مؤسسات الأمة المعنية بالوقف، والتصوف، والعمل الخيري، سيجد أن كثيرا من مؤسساتها كانت موجودة بكثرة على الحدود، فالزوايا، والروابط الصوفية، معظمها كانت على حدود وثغور بلاد المسلمين

 



ما علاقة الفقه الإسلامي بهذه المسألة المتعلقة بالأمن القومي، وكيف عمل على علاجها؟ من خلال دراستي لفريضة الزكاة ومصارفها، وجدت الفقهاء يناقشون مصرف (المؤلفة قلوبهم)، وهو المصرف الرابع في الآية الكريمة التي تحدثت عن مصارف الزكاة، وقد اختلف الفقهاء في هذا المصرف هل بقي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وهل له وجود في عصرنا الحالي أم لا؟ فمنهم من قال بنسخه وانتهائه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأحناف، وقال بنسخه مالك، ومنهم من قال ببقائه كالمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية.

وأكثر المذاهب تأييدا لبقائه، وتفصيلا في أحواله: الشافعية والحنابلة، فقد قسموا المؤلفة قلوبهم إلى قسمين: مؤلفة مسلمين، ومؤلفة غير مسلمين، ثم قسموا القسمين إلى ستة أقسام، وعند حديثهم عن المؤلفة قلوبهم من المسلمين، قالوا: (وأما مؤلفة المسلمين: فعلى أربعة أقسام:

"أحدها: قوم لهم شرف وسؤدد، ولهم نظراء من قومهم كفار، إذا أعطوا هؤلاء.. رغب نظراؤهم في الإسلام.

والثاني: قوم لهم شرف وطاعة، أسلموا ونياتهم في الإسلام ضعيفة، فيعطون لتقوى نياتهم. 

والثالث: قوم من المسلمين في طرف بلاد الإسلام، ويليهم قوم من الكفار، فإن أعطاهم الإمام مالا.. قاتلوهم ودفعوهم عن المسلمين، وإن لم يعطهم.. لم يقاتلوهم، واحتاج الإمام إلى مؤنة ثقيلة في تجهيز الجيوش إليهم.

والرابع: قوم من المسلمين، ويليهم قوم من المسلمين عليهم صدقات، ولكن لا يؤدونها إلا خوفا ممن يليهم من المسلمين، فإن أعطاهم الإمام شيئا.. جبوا صدقات من يليهم، وأدوها إلى الإمام، وإن لم يعطهم الإمام شيئا.. احتاج الإمام إلى مؤنة ثقيلة ليجهز من يجبيها منهم).

وبالنظر إلى القسمين الثالث والرابع من تقسيم الشافعية والحنابلة لمؤلفة المسلمين، نجدها في حالات معاصرة، وذات علاقة وطيدة بمصالح الأمة المتعلقة بما يسمى في مصطلح السياسة المعاصرة: الأمن القومي، فالقسم الثالث وهم المجاورون للأعداء على حدود الإسلام، والذين يسدون ثغرة مهمة، هؤلاء يمثلهم الآن: المحافظات والمناطق الحدودية، من حيث سكانها.

أي: أن الفقهاء جعلوا 12% من نسبة الزكاة تصرف لتنمية المناطق الحدودية، وذلك حفاظا على بقائها صامدة صلبة، ولقيامها بدور كبير في منع أي عدوان خارجي، أو داخلي يهدد الدولة والمجتمع.
 
ولا يقف الفقه الإسلامي عند الزكاة فقط، فمن يتتبع مسار مؤسسات الأمة المعنية بالوقف، والتصوف، والعمل الخيري، سيجد أن كثيرا من مؤسساتها كانت موجودة بكثرة على الحدود، فالزوايا، والروابط الصوفية، معظمها كانت على حدود وثغور بلاد المسلمين، وكتب في ذلك وفصل كتاب معنيون بتاريخ التصوف، وقد كان ينفق على هذه الزوايا والروابط من أموال الزكاة، والأوقاف الإسلامية، وفي ذلك دلالة كبرى على الاهتمام بهذه المناطق الحدودية، من حيث التنمية الاقتصادية، والروحية، والجهادية، والمقام لا يتسع لتفصيل أكبر، لكنها إشارات أردت بها الدلالة على عناية فقهائنا وفقهنا الإسلامي بالتنمية من جميع وجوهها، للمناطق الحدودية المهملة من سلطات زماننا.