قضايا وآراء

الحكومة المصرية وإخلاء العربة الأخيرة

1300x600

التفكير خارج الصندوق هو إحدى طرق التفكير الإبداعي لمتخذي القرار، ويعني ترك كل التجارب والأفكار النمطية جانبا، ثم يبدأ في طرح ودراسة جميع الأفكار التي ترد على ذهنه مهما كانت غريبة أو سخيفة، وتلك المهارة تكون أكثر فعالية في جلسات عصف الذهن لمجموعة من الخبراء في مجال معين عند مناقشة مشكلة حقيقية خاصة لو كانت مشكلة هامة وعاجلة وتخص قطاعا كبيرا من الناس.

ومنذ عدة أيام فوجئ الشارع المصري بقرار الفريق كامل الوزير وزير النقل بقرار عاجل وحاسم قيل بأنه يساهم في حل مشكلة حوادث القطارات، وذلك بأن يتم إحكام غلق أبواب العربة الأخيرة من كل قطار لتكون خالية تماما من الركاب أثناء تحرك القطارات، وذلك لمنع وجود مصابين من الركاب جراء حوادث تصادم القطارات التي باتت شبه يومية في مصر!!

وهذا الأسلوب الغريب وغير المنطقي لحل مشكلة زيادة حوادث القطارات لا يعتبر تفكيرا حقيقيا من خارج الصندوق حسب المعايير المعروفة، ومن الغريب أنه قد تم بنفس الطريقة التي تقررت في مواجهة مشكلة نقص الأطباء العاملين في الحكومة!!

وكانت وزيرة الصحة قد أعلنت في شهر أيلول (سبتمبر) 2018 أن مشكلة وفيات مرضى الغسيل الكلوي في مستشفى ديرب نجم، بمحافظة الشرقية شمال القاهرة، سببه الرئيس هو أن ستين بالمئة من الأطباء سافروا للعمل خارج مصر!!!

وفورا صدرت التوجيهات الرئاسية بسرعة حل المشكلة من خلال عدة إجراءات بدا بعضها غير نمطي ومنها: تدريب تحويلي مهني للصيادلة للعمل كأطباء بشريين، وتخريج دفعات استثنائية من الأطباء، وحظر منح إجازات الأطباء للعمل بالخارج إلا موافقة شخصية من وزيرة الصحة، وتقييد السماح بتجديد إجازات الأطباء العاملين بالخارج إلا بشروط تعجيزية، وفتح كليات جديدة للطب لزيادة أعداد الخريجين الجدد. 

وكشف الواقع عن عدم إمكانية تنفيذ أي من هذه القرارات عمليا، لأن دراسة الصيدلة تختلف كليا عن دراسات كلية الطب، ولابد للصيدلي من بدء الدراسة من السنة الأولى من جديد كما أعلنت نقابة الأطباء ، في حين اعتبر الصيادلة أن هذا القرار يعد تقليلا من أهمية مهنتهم ، كما أنه من المستحيل اختصار سنوات الدراسة النظرية والعملية بكلية الطب لتخريج دفعات استثنائية كما في الكليات العسكرية مثلا ، وبالنسبة لقرار منع أو تقييد الإجازات فقد جاءت النتيجة المباشرة صادمة وهي أن أكثر من ثلاثة آلاف طبيب قدموا استقالتهم من الحكومة عام 2019، وارتفع العدد إلى سبعة آلاف طبيب استقالوا وهربوا للخارج عام 2020 رغم انتشار كورونا عالميا!!! وارتفعت نسبة الى سبعة وستين بالمئة من الأطباء المصريين هربوا الى الخارج فعليا!!!

 

سوف يظل أعداد الأطباء يتناقص في مصر طالما أنه يتم عرض حلول هزلية دون مواجهة حقيقة ومرحلية لجذور المشكلة حسب ترتيب الأولوية، وسوف تستمر حوادث القطارات اليومية تحصد أرواح المواطنين، رغم ترك العربة الأخيرة من القطارات خالية من الركاب لتقليل عدد الإصابات حسب تفكير وزير النقل!!!

 



واتضح أن الأسلوب الحل لم يكن تفكيرا خارج الصندوق ولكنه يعتبر حلقة من الإجراءات العشوائية بعيدا عن وضع الحلول الصحيحة والمناسبة لمواجهة المشكلات، لأن مشكلة مصر ليست في نقص الأطباء، حيث أن عدد الأطباء المسجلين في نقابة الأطباء يبلغ مائتان وعشرون ألف طبيب بخلاف الوفيات والمعاشات، يعني نسبة جيدة جدا وأفضل من النسبة العالمية قياسا إلى عدد السكان، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن الأطباء هربوا إلى الخارج بسبب: 

أولا ـ فساد بيئة العمل: وتشمل سوء حالة المباني ونقص التجهيزات والآلات والأدوات والأدوية والمستلزمات و فساد بروتكولات العمل من طول ساعات العمل ومنع الإجازات و نقص التدريب وغياب فرص التأهيل العلمي.

ـ ثانيا: الافتقاد إلى الأمن والأمان الوظيفي في العمل وكثرة الاعتداءات على الأطقم الطبية. 

ـ ثالثا: تدني الأجور بصورة عامة لا تتناسب مع الوقت ولا مع المجهود المبذول مع وجود نوع من التمييز بين الأطباء العسكريين والمدنيين ، وأيضا تمييز وظيفي واضح بين الأطباء المدنيين أنفسهم حسب مكان اعلم من قطاع خاص أو حكومي، وفى الحكومي توجد الجامعات والصحة، وفي وزارة الصحة يوجد تفاوت كبير بين مسميات مختلفة مثل التأمين الصحي والمؤسسة العلاجية والمراكز التخصصية، وأمانة المستشفيات بالوزارة، وبين المستشفيات العامة والمركزية والوحدات الصحية.. ويبقى الرقم الصادم وهو مبلغ تسعة عشر جنيها مصريا وهو بدل العدوى الثابت للطبيب بما يساوي أقل من دولار وربع شهريا .

وسوف تظل أعداد الأطباء تتناقص في مصر طالما أنه يتم عرض حلول هزلية دون مواجهة حقيقية ومرحلية لجذور المشكلة حسب ترتيب الأولوية، وسوف تستمر حوادث القطارات اليومية تحصد أرواح المواطنين، رغم ترك العربة الأخيرة من القطارات خالية من الركاب لتقليل عدد الإصابات حسب تفكير وزير النقل!!!