كتاب عربي 21

حزب السعادة على مفترق الطرق

1300x600
دخل حزب السعادة التركي منعطفا جديدا في مسيرته السياسية، بعد أن انتقد رئيس المجلس الأعلى لشورى الحزب، أوغوزخان أصيل تورك، تراجع شعبية حزب السعادة لاكتفائه بانتقاد الحكومة وغض الطرف عن أخطاء المعارضة، مطالبا بتنظيم مؤتمر عام لتغيير القيادة. ورد رئيس الحزب تمل كارا موللا أوغلو على أصيل تورك قائلا إن تصريحاته مجرد آراء شخصية لا تلزم الحزب.

كارا موللا أوغلو رئيس حزب السعادة، إلا أن منصب أصيل تورك أعلى منه في الهرم التنظيمي بصفته رئيس المجلس الأعلى للشورى وزعيم تيار مللي غوروش. ولهذا الأخير نفوذ واسع في صفوف المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الداعمة لحزب السعادة. وبالتالي، لا يمكن أن توصف تصريحاته بــ"آراء شخصية"، كما ادَّعى كارا موللا أوغلو.

الخلاف بين أصيل تورك وكارا موللا أوغلو قد يؤدي إلى أزمة كبيرة تعصف بحزب السعادة، إن أصر كلا الطرفين على عدم التخلي عن موقفيهما، ولم يتم تجاوزه عبر توافق على حل يرضي الجميع إلى حد ما؛ لأن الخلاف عميق ويتعلق بهوية الحزب وخطه السياسي، ولا يمكن التغاضي عنه بعد أن تعاظم وطفا على السطح.
هذا الخلاف الذي يهز حزب السعادة يعود سببه بالدرجة الأولى إلى تحالف قيادته الحالية مع حزب الشعب الجمهوري ضد حزب العدالة والتنمية، كما أن ذلك من أهم أسباب تراجع شعبية الحزب

هذا الخلاف الذي يهز حزب السعادة يعود سببه بالدرجة الأولى إلى تحالف قيادته الحالية مع حزب الشعب الجمهوري ضد حزب العدالة والتنمية، كما أن ذلك من أهم أسباب تراجع شعبية الحزب. ولا يوجد هناك ما يمكن أن يبرر به حزب السعادة موقفه السلبي من حزب العدالة والتنمية، كما أن رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان قدَّم في الآونة الأخيرة خطوات ملموسة سحبت البساط من تحت أقدام قادة حزب السعادة؛ الذين لم يبق هناك شيء كثير يبررون به موقفهم من حزب العدالة والتنمية.

حزب العدالة والتنمية اختار عثمان نوري كاباك تيبه رئيسا لفرعه في محافظة إسطنبول، وهو سياسي نشأ في مدرسة مللي غوروش. وكان أصيل تورك عبر عن ترحيبه بهذا الاختيار الذي وصفه بــ"الإيجابي". وقام أردوغان قبل ذلك بزيارة أصيل تورك في بيته، كما اجتمع الاثنان في شهر رمضان الماضي في القصر الرئاسي. وكانت هذه الزيارة قد أثارت آنذاك تساؤلات حول احتمال انضمام حزب السعادة إلى تحالف الجمهور الانتخابي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية.

حزب السعادة كان ينتقد اتفاقية إسطنبول لمكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري، ويتهم الحكومة بتدمير الأسرة التركية من خلال تطبيق هذه الاتفاقية. وانسحبت تركيا قبل أشهر من تلك الاتفاقية المثيرة للجدل، وتحقق ما كان يطالب به حزب السعادة. بالإضافة إلى ذلك، قام أردوغان بإعادة آيا صوفيا إلى مسجد، وبنى مسجدا في ميدان تقسيم بإسطنبول، إلى جانب تقدم تركيا في مجال الصناعات العسكرية الوطنية بخطوات واثقة. ومن المعلوم أن كل هذه كانت حلم رئيس الوزراء الأسبق ومؤسس تيار مللي غوروش، نجم الدين أربكان، وطلابه من قادة حزب السعادة ومؤيديه.

قادة حزب السعادة وأنصاره يجدون صعوبة بالغة في تبرير وقوفهم إلى جانب حزب الشعب الجمهوري ضد حزب العدالة والتنمية، ولم تعد الأسباب الهزيلة التي يقدمونها لتبرير موقفهم مقنعة. ويرى كثير من المراقبين أن السبب الوحيد الذي يدفع هؤلاء إلى معاداة حزب العدالة والتنمية هو عدم تقبلهم لحقيقة أن أردوغان الذي انشق عنهم، حقق نجاحات باهرة فيما فشل هؤلاء. وهذا الموقف المبني على "الحسد" والرغبة في إسقاط حزب العدالة والتنمية بأي ثمن حتى لو كان على حساب مصالح البلاد واستقرارها، لم يعد مقبولا إلا لدى أقلية تسيطر الآن على قيادة حزب السعادة.
تصريحات أصيل تورك الأخيرة أقلقت الجبهة المعادية لأردوغان؛ لأنها بحاجة ماسة إلى دعم حزب السعادة وأصوات مؤيديه. وهناك محاولات حثيثة لمنع انضمام حزب السعادة إلى تحالف الجمهور، من خلال تشكيل تحالف انتخابي ثالث يضم حزب السعادة وحزب داود أوغلو وحزب باباجان

المؤيدون لأردوغان لا يلتفتون إلى انتقادات حزب السعادة والمنشقين من حزب العدالة والتنمية. وفي اعتراف صريح، قال كارا موللا أوغلو إنهم كانوا يتوقعون أن يؤدي انشقاق عبد الله غول وأحمد داود أوغلو وعلي باباجان عن حزب العدالة والتنمية إلى تراجع شعبية الحزب بنسبة تتراوح ما بين 20 و30 في المائة، إلا أن ذلك لم يحدث. ويؤكد هذا الاعتراف أن قادة حزب السعادة فشلوا فشلا ذريعا في قراءة المشهد السياسي وتطلعات الشعب التركي.

تصريحات أصيل تورك الأخيرة أقلقت الجبهة المعادية لأردوغان؛ لأنها بحاجة ماسة إلى دعم حزب السعادة وأصوات مؤيديه. وهناك محاولات حثيثة لمنع انضمام حزب السعادة إلى تحالف الجمهور، من خلال تشكيل تحالف انتخابي ثالث يضم حزب السعادة وحزب داود أوغلو وحزب باباجان، إلا أن هذه الحسابات والمحاولات قراءة خاطئة أخرى للواقع والمجتمع، لأن حزبي داود أوغلو وباباجان ليس لهما قبول في الشارع التركي، كما اعترف كارا موللا أوغلو.

twitter.com/ismail_yasa