صحافة دولية

فورين أفيرز: هكذا يجب على بايدن التعامل مع بوتين

على طاولة بايدن وبوتين في جنين 4 ملفات رئيسية- جيتي

نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالا لأستاذ العلوم السياسية والسفير الأمريكي السابق لروسيا، مايكل مكافول، قال فيه إن الرئيس جو بايدن صاغ الخطوط العريضة لسياسة براغماتية تجاه روسيا: الانخراط عند الإمكان والاحتواء والردع ومعاقبة الرئيس فلاديمير بوتين عند الضرورة.

 

وعلى عكس الرئيس دونالد ترامب، الذي أمضى أربع سنوات في مدح بوتين ومغازلته، اعتبر بايدن سياسته تجاه روسيا جزءا من منافسة عالمية أوسع بين الديمقراطية والديكتاتورية، وتعهد بالتجديد الديمقراطي في الداخل والتعاون متعدد الأطراف في الخارج.


وعلق الكاتب أن هذه بداية جيدة. لكن الاختبار الحقيقي الأول لقدرة بايدن على ترجمة تطلعاته السياسة إلى أفعال يأتي هذا الأسبوع في جنيف، حيث سيلتقي الرئيس مع بوتين.

 

اقرأ أيضا: 4 ملفات رئيسية على طاولة بايدن وبوتين في جنيف
 

وكان بايدن قد طلب الاجتماع لاستكشاف المجالات المحتملة للتعاون مع بوتين، ولثنيه عن الاستمرار في عمليات التخريب في الخارج، سواء كانت اختراق السيرفرات الأمريكية أو التدخل في شؤون جيران روسيا.

 

وبحسب المجلة، فقد يحرز بايدن تقدما في الهدف الأول، لكن من غير المرجح أن ينجح في الهدف الثاني، ولذلك يجب عليه أن يلحق جهوده المحدودة في الانخراط بسياسة احتواء حازمة ويقظة، بغض النظر عما يحدث في جنيف.


وبالرغم من أن العلاقات الأمريكية الروسية كانت في حالة تراجع مستمر مؤخرا، فلا يزال هناك مجال للتعاون، وفق المجلة، التي أوضحت أن أحد المجالات التي يجب أن تكون على رأس جدول الأعمال في جنيف هو الحد من التسلح.

 

واتفق بايدن وبوتين بالفعل في شباط/ فبراير على تمديد معاهدة New START [ستارت الجديدة]، وبدء عد تنازلي لمدة خمس سنوات للوصول إلى صفقة بديلة سيكون تحقيقها أصعب بكثير، لأن أمريكا تريد قيودا جديدة على وسائل إيصال الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، وتريد روسيا قيودا على الدفاعات الصاروخية.

 

وقالت: "يجب أن يفكر بايدن وبوتين أيضا في إطلاق محادثات موازية حول قواعد جديدة للأسلحة الإلكترونية وأسلحة الفضاء. كما أن تحسين خطوط الاتصال بين موسكو وواشنطن قضية أخرى محتملة تعود بالفائدة على الطرفين".

 

ولفتت إلى أنه لتقليل خطر أن يؤدي سوء التواصل أو سوء الفهم إلى الصراع، فيجب على بايدن وبوتين إعادة إنشاء اتصالات رفيعة المستوى بين حكومتيهما، إما عبر قناة بين البيت الأبيض والكرملين أو بين وزارة الخارجية ووزارة الخارجية الروسية. يمكن للمحادثات العسكرية بل وحتى الاجتماعات بين مسؤولي المخابرات أن تكمل هذه القناة السياسية.


ولكن حتى التقدم في هذه المجالات المحدودة لن يترجم إلى علاقة مستقرة أو يمكن التنبؤ بها. ولا ينبغي لأمريكا أن تسعى إلى تطبيع كامل للعلاقات مع نظام يحتل الأراضي الجورجية والأوكرانية وينفذ هجمات إلكترونية ضد الحكومة الأمريكية، وشبكات القطاع الخاص ويسجن مواطنين أمريكيين ويدعم الحكام المستبدين في بيلاروسيا وسوريا وفنزويلا ويعتقل ويقمع معارضته الداخلية، بحسب المجلة.

 

وقالت إنه من غير المرجح أن يختار بوتين مسار التعاون لأنه يستفيد سياسيا من عداوة أمريكا، وهو يستفز واشنطن وحلفاءها في محاولة لتعزيز صورة روسيا كقوة عظمى. وسواء بدا بوتين منفتحا على تعاون محدود أم لا، فإن على إدارة بايدن أن تسعى لاحتواء الكرملين مع إشراك المجتمع الروسي بشكل مباشر.

 

وأضافت أنه يجب أن تبدأ أي خطة لاحتواء روسيا باستراتيجية لردع سلوك بوتين العدواني. ولا يزال حلف الناتو هو أهم منتدى متعدد الأطراف للقيام بذلك، وكان ظهور بايدن في قمة الحلف في بروكسل هذا الأسبوع بمثابة تحسن كبير عن عهد ترامب. لكن مجرد الظهور لا يكفي. وكما بدأ في بروكسل هذا الأسبوع، فإنه يجب على بايدن أيضا إقناع أعضاء الحلف بإنفاق المزيد على الدفاع ودعم قدرات التحالف المشتركة - لا سيما النقل والدفاعات الإلكترونية ومشاركة المعلومات الاستخباراتية.

 

وقالت: "يحتاج بايدن أيضا إلى إقناع الناتو بتعزيز قوته البحرية في البحار الأوروبية، وتوسيع وجوده على الأطراف الشرقية والجنوبية الشرقية للتحالف، ومساعدة جورجيا وأوكرانيا بقدراتهما الدفاعية. وكان بيان الناتو أمس تحسنا مرحبا به عن سنوات ترامب، لكنه كان لا يزال طموحا وليس عمليا".

 

اقرأ أيضا: صحفي يسأل بايدن إن كان بوتين قاتلا والأول يجيب
 

وتابعت: "لقد قام بوتين بتحديث القوات التقليدية على حدود الناتو. ويجب على الناتو فعل ذلك أيضا. ووعد بايدن ونظراؤه بتكليف قيادة الناتو بإعادة صياغة المفهوم الاستراتيجي للحلف الذي مضى عليه عقد من الزمن للأخذ بعين الاعتبار صعود الصين والتهديدات الإلكترونية وعودة روسيا. لكن يجب أن يبقى اعتبار روسيا، وليس الصين، أنها هي التي تشكل التهديد الأمني الرئيسي لأعضاء الناتو الأوروبيين".


وخارج الناتو، قالت المجلة إنه يجب أن تتماشى جهود إدارة بايدن لردع روسيا بشكل أكثر إحكاما مع جهودها للتغلب على الصين. ويرى بايدن الحاجة إلى التجديد الديمقراطي والاقتصادي في الداخل من أجل التنافس مع الصين في الخارج. ونفس الشيء مطلوب لردع روسيا. وتروج كل من بكين وموسكو لسردية عن التراجع الأمريكي. إن تعزيز الديمقراطية الأمريكية، بما في ذلك من خلال حماية حقوق التصويت، هو أفضل طريقة لمواجهتها.


ومن خلال تأطير سياسته تجاه روسيا كجزء من صراع أيديولوجي أوسع بين الديمقراطية والديكتاتورية، نقل بايدن بشكل فعال ما تعارضه أجندته: السلوك الاستبدادي الخبيث والفساد والقرصنة الإلكترونية. لكن إدارته تحتاج أيضا إلى توضيح الهدف من أجندته - في روسيا وأوروبا وبقية العالم.


وقالت: "يجب أن يكون تعزيز الديمقراطية والتنمية الاقتصادية هو الحل الواضح. في أوكرانيا، التي يمكن القول إنها أهم دولة على خط المواجهة في الصراع العالمي بين الديمقراطية والدكتاتورية، سيعني ذلك تعزيز السيادة والأمن والديمقراطية الأوكرانية في مواجهة الاحتلال والعدوان الروسي المستمر".

 

وأضافت: "كما يمكن لبايدن أن يعرض المشاركة مباشرة في ما يسمى بعملية نورماندي - إلى جانب أوكرانيا وروسيا وفرنسا وألمانيا - المكلفة بإنهاء الحرب في شرق أوكرانيا. أو يمكنه اقتراح تنسيق جديد، خالٍ من اتفاقيات مينسك لعامي 2014 و2015، والتي فشلت حتى الآن في وقف القتال أو استعادة وحدة أراضي أوكرانيا. ويجب على بايدن أيضا إعادة تأكيد دعم أمريكا لإعادة توحيد أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، ولكن من غير المحتمل أن يكون ذلك على المدى القريب".


واعتبرت أنه الأهم من ذلك، "يجب على بايدن اتباع مبادرة موازية لا تتطلب تعاونا روسيا: تعزيز الديمقراطية، والتنمية، وسيادة القانون في الجزء الحر من أوكرانيا، وهو ما قد يؤدي إلى انتفاضة في المناطق والمطالبة بالتوحيد، كما فعل الألمان الشرقيون في عام 1989. فقد أثار انتخاب بايدن أملا جديدا بين أولئك الذين يدعمون الديمقراطية ليس فقط في أوكرانيا ولكن أيضا في أماكن أخرى في المنطقة، بما في ذلك أرمينيا وبيلاروسيا وجورجيا ومولدوفا وروسيا نفسها".

 

وأكدت أن بايدن يحتاج إلى دعم هؤلاء الديمقراطيين الملهمين حديثا. فبوتين يساعد بالفعل خصومهم في أوروبا وخارجها. وقد سعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع فيكتور أوربان في المجر، وماتيو سالفيني في إيطاليا، ومارين لوبان في فرنسا، وترامب واليمين المتطرف في أمريكا. ويغدق بوتين على الوسائل الدعائية مثل تلفزيون روسيا اليوم وإذاعة سبوتنيك. كما أنه ساعد دكتاتوري بيلاروس وفنزويلا، وتدخل عسكريا  في جورجيا وسوريا وأوكرانيا.


وقالت: "يجب أن يوفر بايدن ثقلا موازنا لترويج بوتين للحكم المطلق. يجب أن يستمر في التحدث علنا لدعم جميع أولئك الذين يقاتلون من أجل الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة، من أليكسي نافالني في روسيا إلى سفيتلانا تيكانوفسكايا في بيلاروسيا إلى مئات السجناء السياسيين الأقل شهرة في كلا البلدين".


وتابعت: "كما أنه يمكن لبايدن أن يستغل قمته الديمقراطية المخطط لها لإطلاق مؤسسة دولية جديدة لدعم القادة والأفكار الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. أمر شبيه باقتراح الرئيس رونالد ريغان عام 1982 إنشاء الصندوق الوطني للديمقراطية، لدعم المؤسسات المدنية الديمقراطية في أنحاء العالم. ومن خلال أخذ الفكرة وتحديثها للعصر الرقمي، يمكن لبايدن إنشاء منصة جديدة لربط المنظمات غير الحكومية والمجموعات الشبابية والنقابات والحركات السياسية ووسائل الإعلام المستقلة في الديمقراطيات أو الأنظمة الاستبدادية الجديدة وربطها بالمنظمات النظيرة والمدربين والمتخصصين، والداعمين الماليين حول العالم".


وقالت: "أخيرا، يجب على بايدن إعادة هيكلة وسائل الإعلام الحكومية الأمريكية لمواجهة الدعاية الروسية بشكل أفضل. يجب عليه تفكيك البيروقراطية المركزية الحالية لجميع وسائل الإعلام الحكومية الأمريكية، والوكالة الأمريكية للإعلام العالمي، وتحويل كياناتها التي تركز على إعداد التقارير - إذاعة أوروبا الحرة (إذاعة ليبرتي)، وإذاعة آسيا الحرة، وشبكات البث في الشرق الأوسط - إلى مؤسسات إخبارية مستقلة ممولة من قبل الكونغرس".

 

وأشارت إلى أن "بايدن محق في اختبار ما إذا كان بوتين سيتبنى علاقة أكثر استقرارا ويمكن التنبؤ بها مع أمريكا. وإذا ما اختار الرئيس الروسي بدلا من ذلك الاستمرار في غزو البلدان، وشن حملات القرصنة والمعلومات المضللة، واعتقال الأبرياء من الروس والأمريكيين، فسيكون من الواضح أنه، وليس بايدن، هو المسؤول عن المواجهة مع أمريكا. وبايدن محق أيضا في محاولة العمل مع الكرملين على أجندة محدودة للمصالح المشتركة، لا سيما في ما يتعلق بالحد من الأسلحة. حتى خلال لحظات الحرب الباردة المتوترة، فقد رأى رؤساء أمريكا الحكمة في التعاون مع نظرائهم السوفييت لتقليل مخاطر الحرب النووية".


وختمت بالقول: "في الوقت ذاته، يجب على إدارة بايدن أن تطور بسرعة الأبعاد الأخرى لاستراتيجيتها لاحتواء وردع سلوك بوتين العدواني مع دعم القوى الديمقراطية في روسيا وأوروبا وحول العالم. بعبارة أخرى، فإنه بعد جنيف، يبدأ العمل الجاد".