قضايا وآراء

ماذا بعد الاعتراف بشرعية الانقلاب؟.. عودة إلى ما قبل الصفر

1300x600
جاء الموقف التركي من نظام السيسي مبكرا، وجاءت حرب غزة في أيار/ مايو 2021 لتفتح الأبواب أمام شرعية السيسي واعتراف دولي كبير مع المزيد من الشكر والامتنان، بل وحزمة حوافز أمريكية (1.38 مليار دولار)، ثم كان موقف الدوحة التي اعتبرت السيسي نظاما شرعيا منذ انتخابات 2014. وهكذا أصبح الانقلاب شرعيا بحكم الواقع كما هو الاحتلال الصهيوني بحكم الواقع، ولتبقى الشرعية الأخلاقية لغة لغير القادرين على انتزاع الحقوق المهدرة في عالم غير أخلاقي.

تغيرت شبكة العلاقات والتصورات عن مدى شرعية نظام السيسي من أمريكا إلى تركيا مرورا بالدوحة، والواقع شطب مصطلح الانقلاب إلا لدى بقايا ثوار يناير من الإسلاميين وغيرهم، وسيتم التعامل مع من يرفض السيسي باعتباره معارضا ليس أكثر؛ يمارس حقه في الفضائيات والعالم الافتراضي ليقول "لا". فقد منحت بعض الدول مربع المعارضة خاصة في المنافي الفرصة لسنوات، على أمل تغيير الواقع واسترداد الحقوق، وجاءت النتائج - كما هو متوقع - إخفاقا في وحدة الصف على مستوى الداخل الحزبي والتنظيمي أو الخارج المعارض، وغياب البدائل والحلول باستثناء بعض الجهد المشكور والمؤثر في المجال الإعلامي وبعض مربعات المجال الحقوقي. وعندما امتد الوقت ولم تحقق المعارضة عوائد الفرص، اضطرت هذه الدول للبحث عن مصالحها ومصالح شعوبها، حتى لا تكون عرضة دائما للمؤامرات والانقلابات عقابا لها على مواقفها المرفوضة إقليميا من المربع الصهيو-خليجي وغير المستساغة من المربع الدولي.

من الطبيعي أن تسعى الدول والأنظمة إلى مصالحها، وعكس ذلك يعني خللا في التفكير والتدبير ودفع فواتير باهظة دون عائد.

تغيرت شبكة العلاقات والتصورات وحصل نظام السيسي على أكثر مما أراد؛ داخليا بالهيمنة والسيطرة والقمع والمصادرة والتأميم، وإقليميا بالتهاون والتراجع والتفريط، وعالميا بالديون وتشغيل مصانع السلاح في كل الاتجاهات دون داع غير المصادقة والتأييد.

في المقابل، ظل مربع بقايا ثوار يناير كما هو دون تطور ولا تقدم ولا تغيير، فقد بذل كل ما في وسعه وفقا لما يملك من أفكار وبقايا قيادات وقليل المحاولات، أتصور أن بقايا المعارضة في المنافي لم تتعمد التفريط ولا التباطؤ وبالطبع ولا التنازل، لكنها إمكانات الوضع القائم من أفكار وأشخاص وموارد.

ولنكن صرحاء، فقد أخفق بقايا ثوار يناير بعد الثورة وخلال فترة رئاسة الشهيد الراحل الدكتور مرسي وكذلك أثناء وبعد الانقلاب. كانت الظروف أفضل وقدموا هم أفضل ما لديهم، لكنه لم يكن هو المطلوب ولا المناسب، فكانت النتائج كما نسمع ونرى.

أيضاً لم يعد مفيدا استدعاء الماضي ولا يليق البكاء على اللبن المسكوب، وعلينا التعامل بواقعية وفقا للمتاح من الموارد والفرص، وهي ما زالت موجودة وممكنة. تغيرت خريطة العلاقات والاعترافات والمصالح والقرارات، وبناء عليها لا بد أن يقابلها تغير في التصورات والعلاقات لمن يسعى للتغيير والإصلاح.

نعم أقصد تيارا وطنيا جديدا بفكر وعقل ونضج يناسب حجم التحديات ومستوى الطموحات، وإن بدأنا من الصفر أو ما قبل الصفر.. تيارا وطنيا جديدا قد لا يكون من أهدافه إسقاط النظام لأنه إعادة تدوير لما كان دون عائد أو إمكان، تيارا وطنيا جديدا يسعى لبناء وعي الشعب ليكون هو المسؤول عن نفسه واحتياجاته وطموحاته، تيارا وطنيا جديدا وليس تنظيما أو حزبا أو جماعة، تيارا عاما من الأفكار والقيم والممارسات تفرز بمرور الوقت المنصات المناسبة، حتى لا نعاود نفس طرق التفكير والتدبير ورفع شعارات ورسم سياسات وإعلان أهداف وغايات غير ممكنة لعدم وجود أسبابها.

وتبقى النقاط ذات الأولوية ليس في إسقاط النظام حتى لا نحلق في سماء الأوهام، ولكن في بناء وعي تيار جديد لا يسقط هو أمام الأحداث بالارتباك والاشتباك، ولا يسقط أمام الواقع باليأس والاستسلام، ولكن يعمل وفق الممكن المتاح في نشر الوعي وتوضيح الرؤى وتصحيح المفاهيم وكشف الغطاء وبث الأمل، ليكون التيار المنشود للتغيير الموعود وإن طال الزمن، فما علينا إلا مواصلة السير ويبقى الوصول أملا منشودا.