قضايا وآراء

وقاحة الأسد أم وقاحة المجتمع الدولي

1300x600
من كان يُصدق أن رئيساً نفّذ 300 هجومٍ كيماوي - بحسب دراسة ألمانية حديثة - ضد من يفترض أنهم شعبه، وقتل مليون شخص ببراميل متفجرة وبقصف جوي على مدار عقد ولا يزال، وفعل كل ما تفتقت عنه وحشية الاحتلالين الإيراني والروسي، وهجّر 14 مليون إنسان، ودمّر أكثر من نصف البلاد، وارتكب فظاعات وُثقت من خلال المصور قيصر وشاهدها العالم كله، واعترف مسؤولون أمريكيون ودوليون بأن ما لديهم من وثائق ضده يفوق ما حوكم عليه قادة النازية.. من كان يصدق أن رئيساً ارتكب كل هذا، ثم تعلن بكل وقاحة وبجاحة منظمة الصحة العالمية التي تعد الذراع الصحية لمنظمة الأمم المتحدة، عن انتخاب مندوبه في مجلسها التنفيذي، في اليوم نفسه الذي أعلن فيه طاغية العصر بشار الأسد انتصاره على ما تبقى من الشعب السوري، وسوريا التي دمرها وجعلها أرضاً سائبة لكل الاحتلالات المتعددة؟!

منظمة الصحة العالمية التي تسعى إلى غسيل بشار الكيماوي، هي نفسها التي نشرت تقريراً قبل أسابيع توثق فيه قصفه وقصف الاحتلالين الروسي والإيراني للمشافي والنقاط الطبية السورية، وهو القصف الذي أتى على خيرة أطباء سوريا، ومعهم مرضى وجرحى. يحصل هذا بعد أن قام المحتل الروسي على العلن، دون حياء أو خجل، قبل أسابيع، بقصف مشفى كان داخل جبل قرب معرة النعمان، وقد نشرت مقاطع تدمير المشفى بكل وقاحة وبجاحة على مواقعها.
منظمة الصحة العالمية التي تسعى إلى غسيل بشار الكيماوي، هي نفسها التي نشرت تقريراً قبل أسابيع توثق فيه قصفه وقصف الاحتلالين الروسي والإيراني للمشافي والنقاط الطبية السورية، وهو القصف الذي أتى على خيرة أطباء سوريا، ومعهم مرضى وجرحى

إنَّ مثل هذه الخطوة المشينة التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية، دفعت مغردين وناشطين سوريين إلى القول: إن كل المنشآت الطبية السورية التي قُصفت على يد المحتلين الروسي والإيراني والعصابة الأسدية، كانت بتورط من المنظمة نفسها التي سلمت للمحتلين وللعصابة الأسدية إحداثيات هذه النقاط الطبية التي تملكها، بحجة تجنيبها القصف والدمار، وقد كانت النتيجة تسهيل عملية القصف!

اللافت أنه في اليوم الذي ضمت فيه المنظمة الصحية مندوب العصابة الأسدية إلى مجلسها التنفيذي، نُشِرَ تقرير صاعق على وسائل الإعلام، يفضح المنظمة الصحية، ويكشف عن طمسها منذ عام 2019 لحالات اغتصاب وإجهاض مشينة، قام بها موظفوها في الكونغو، مستغلين حاجة الناس هناك، ومن ثم لجأت السيدات المغتصبات لعمليات الإجهاض، مما تسبب في وفاتهن. مثل هذه المنظمات، التي تسمى زوراً وبهتاناً بالدولية، هي من تتشدق بالشفافية والانفتاح، والأعجب من هذا أن تتستر قيادات المنظمة طوال تلك الفترة عن هذه الحالات، مما دعا أخيراً تحالفاً من 53 دولة لإدانتها وطلب توضيح بشأنها من المنظمة، واتخاذ موقف حاسم حيال تلك التقارير!

وبينما كانت العصابة الأسدية تعقد انتخاباتها الهزلية التي اعتاد عليها السوريون منذ نصف قرن من الزمن، وعرفوا البدايات والنهايات، كان رئيس الاحتلال الروسي فلاديمير بوتين يفاخر بتجريبه مئات الأنواع من الأسلحة الروسية على الشعب السوري، وسط خرس عالمي! ويكشف عن وجود عشرات المهندسين العسكريين الروس في قاعدة حميميم، لتحسين تصميم الأسلحة التي ثبت فشلها وتقصيرها في ذبح ما تبقى من السوريين، ولم ينس أن يشفع حديثه وفعله بأن يدفع بما تبقى لديه من أسلحة. فقد هبطت ثلاث قاذفات روسية قادرة على حمل رؤوس نووية في قاعدة حميميم، بما يُبدد أمام السوريين كل الكذب والدجل المتعلق بالحرب الباردة، التي استأثرت باهتمام العالم كله خلال العقود الماضية، بينما يرى السوريون اليوم صمت الغرب وأمريكا على وجود روسي نووي على الضفة الثانية من المتوسط، بل يتشارك مع الأمريكي والغربي عموماً؛ مدناً وقرىً في الجزيرة وغيرها دون أي معركة!
من السخف أن نتحدث عن وقاحة الأسد في هذه الانتخابات، وغيرها من وقاحاته، ونغمض العين عن وقاحة مجتمع دولي بأذرعه المختلفة؛ إذ لولاه لما تجرأ هو ولا غيره على أن يخطو خطوة واحدة منذ انتفاضة درعا ودمشق وما بعدهم

لقد أسلم من يوصف بالمجتمع الدولي السوريين إلى ذئاب وضباع دولية، فكان عليهم أن يدفعوا ثمن كل من ينشق عن عصابة المجتمع الدولي، ولذا فمن السخف أن نتحدث عن وقاحة الأسد في هذه الانتخابات، وغيرها من وقاحاته، ونغمض العين عن وقاحة مجتمع دولي بأذرعه المختلفة؛ إذ لولاه لما تجرأ هو ولا غيره على أن يخطو خطوة واحدة منذ انتفاضة درعا ودمشق وما بعدهما. وأمامنا مثال أفغانستان أواخر 1989 حين زوّدت أمريكا المجاهدين بصواريخ مضادة للطيران، فكان هذا إيذاناً برحيل السوفييت وخروجهم وانتهاء اللعبة.

أما السوريون فوحدهم اليوم في الميدان، وما يجري عالمياً وإقليمياً بحقهم، إنما هو ضمن سياسة التعهدات الدولية والإقليمية، تماماً كتعهدات الشركات في عالم الإعمار أو الدمار، فكل شركة تأخذ تعهداتها من دول، ونحن - السوريين - أخَذَتْ تعهدَ دمارنا وسلب حريتنا دولٌ تعبث بأرضنا بموافقةِ مجتمعٍ دولي وقح وضمانته وتعهده.