قضايا وآراء

نحو مقاربة جديدة لسياسات التطبيع والثورات العربية

1300x600
تصدير: "أَعلِنوا القدسَ عاصمة للإخوان المسلمين، حينها سيتحرك كل القادة العرب لتحريرها" (د. عبد الله النفيسي)

لفهم الواقع العربي، خاصة بعد الثورات العربية ومآلاتها المعروفة، وبعد محاولات فرض ما يسمّى بصفقة القرن لوأد القضية الفلسطينية، قد يكون علينا الانطلاق من الفرضية "العبثية" التي اقترحها الدكتور النفيسي: أن تكون القدس عاصمة للإخوان المسلمين. ولكنها ليست فرضية "عبثية" بصورة مطلقة، فوجود حماس -الحركة الإخوانية - على رأس المقاومة الفلسطينية - مع بعض الفصائل الإسلامية والوطنية الأخرى - يجعل من موقف أغلب الأنظمة العربية منها غير بعيد من موقفها من الثورات العربية ومن الاستفادة "الديمقراطية" لبعض الحركات الإخوانية منها، وما أعقب ذلك من تدخلات إقليمية قادتها أطراف لا يمكن إغفال دورها المركزي في "التطبيع" مع صفقة القرن، بالتوازي مع العداء المطلق للثورات العربية ومحاولات تخريبها بصورة ممنهجة.
هذا يعكس وعيا حادا لدى عرّابي الثورات المضادة بأن المسألة الديمقراطية غير مفصولة – وجودا وعدما - عن سياسات الاستبداد ومسارات التطبيع التي لا يمكن إدارتها وترسيخها؛ إلا بعيدا عن المزاج العربي العام، أي بعيدا عن الإرادة الحرة للمواطنين

وهذا يعكس وعيا حادا لدى عرّابي الثورات المضادة بأن المسألة الديمقراطية غير مفصولة – وجودا وعدما - عن سياسات الاستبداد ومسارات التطبيع التي لا يمكن إدارتها وترسيخها؛ إلا بعيدا عن المزاج العربي العام، أي بعيدا عن الإرادة الحرة للمواطنين والمواطنات وما تعبّر عنه من قطع مع "الاستعارة الرعوية" والحكم الغشوم للعائلة أو القبيلة أو الطائفة أو المؤسسة العسكرية.

بصرف النظر عن استفادة بعض الحركات الإسلامية من الثورات العربية، وبصرف النظر عن موقفنا من أيديولوجية هذه الحركات وأدوارها - الواقعية أو المتخيلة - في مسار المواطنة واكتساب مقومات السيادة، فإن الاحتكام للإرادة الشعبية كان يعني بالضرورة ضربا للاستبداد الداخلي وللسياسات التطبيعية على حد سواء.

فمهما اختلفت "السرديات الكبرى" وتناحرت - أي السرديات اليسارية والقومية والإسلامية - فإنها تتفق على مركزية القضية الفلسطينية وعلى رفض التطبيع. وهو ما يجعلها "نظريا" على الأقل في الجهة المقابلة للخيارات الرسمية العربية، ويجعل من التقائها - ولو مرحليا - بتأجيل خلافاتها والدفع بها إلى الهامش نصرةً للحق الفلسطيني أمرا ممكنا. ولكنّ مسارات الثورات العربية اتجهت بطريقة مختلفة تراوحت بين الانقلابات العسكرية (كما هو الحال في مصر)، أو الحروب الأهلية (كما هو الشأن في ليبيا وسوريا واليمن)، أو التدجين الممنهج (كما هو الأمر في تونس)، وهو ما جعلها جميعا تفقد أية قدرة على التأثير الجدي - بعيدا عن الخطابات الرنانة - في القضايا الإقليمية، وخاصة القضية الفلسطينية.

انتكاسة الثورات العربية وصفقة القرن
ماذا لو نجحت "الثورات العربية"؟ أو ماذا لو استطاعت الدول التي عرفت تلك الثورات أن تبنيَ نموذجا ديمقراطيا للحكم - بالتعاون بين الإسلاميين والعلمانيين، أي بـ"تقوية" الجبهة الداخلية وجعلها غير قابلة للاختراق الخارجي - فهل كانت إدارة الرئيس ترامب قادرة على طرح صفقتها أصلا؟

لمّا كانت "صفقة القرن" جزءا لا يتجزأ من مسار التطبيع وسياسات فرض الأمر الواقع برعاية أمريكية وتواطؤ عربي مكشوف، فإن السؤال الذي قد يتوجب علينا طرحه هو التالي: ماذا لو نجحت "الثورات العربية"؟ أو ماذا لو استطاعت الدول التي عرفت تلك الثورات أن تبنيَ نموذجا ديمقراطيا للحكم - بالتعاون بين الإسلاميين والعلمانيين، أي بـ"تقوية" الجبهة الداخلية وجعلها غير قابلة للاختراق الخارجي - فهل كانت إدارة الرئيس ترامب قادرة على طرح صفقتها أصلا؟ وهل كانت موجات "التطبيع" والعداء الصريح للحق الفلسطيني ستبلغ هذا الحد؟

إن نجاح الثورات العربية أو قيام مشروع للحكم المشترك والتداول السلمي على السلطة بين الإسلاميين والعلمانيين، لا يمثل خطرا وجوديا على السردية الوهابية القائلة بـ"كفرية" الديمقراطية، أي بترسيخ الاستعارة الرعوية وجعل "الحكم" مسألة نخبوية لا علاقة لها بالإرادة الشعبية، ولا يمثل فقط خطرا على السردية الاستشراقية المتحكمة في عقول أغلب النخب العلمانية والقائلة بـ"الاستثناء الإسلامي" - أي استحالة التوفيق جوهريا وبصورة مطلقة ونهائية بين الإسلام والأسس الفلسفية الحديثة للدولة - بل يمثل أساسا خطرا على المشروع الصهيوني في المنطقة العربية.

إننا أمام مشروع سياسي - أو على الأقل أمام إمكان تاريخي - يمثل خطرا وجوديا على الأطراف الثلاثة المذكورة أعلاه (الوهابية السعودية، الأنظمة الاستبدادية ونخبها الوظيفية، الكيان الصهيوني)، وهو ما دفع بها إلى التحالف سرا وعلنا لوأد الثورات العربية أو على الأقل إنهاكها وتدجينها.

أمام المآلات الكارثية للثورات العربية، كان من السهل على الرئيس الأمريكي وحلفائه طرح "صفقة العار" المسمّاة مجازا بصفقة القرن، وكان من السهل أيضا على بعض الأنظمة العربية المرور من التطبيع السري إلى التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني. لقد كان نجاح الثورات العربية - وقيام أنظمة شرعية وذات سند شعبي حقيقي - هو الفرضية الوحيدة لضرب سياسات التبعية والتطبيع في مقتل، وهو أمر لم تكن القوى الدولية والإقليمية ووكلاؤها المحليون ليسمحوا به، ولذلك كانت استراتيجيات الثورة المضادة تخدم المنظومات القديمة (محليا) والأنظمة الاستبدادية (إقليميا)، وسياسات التطبيع والخضوع لإملاءات الأمركة القاضية بتأبيد التخلف والتبعية (دوليا).
استراتيجيات الثورة المضادة تخدم المنظومات القديمة (محليا) والأنظمة الاستبدادية (إقليميا)، وسياسات التطبيع والخضوع لإملاءات الأمركة القاضية بتأبيد التخلف والتبعية (دوليا)

هل التطبيع شأن سياسي صرف؟

قد يكون من السهل على أي باحث سياسي أن يقول بأن مسار التطبيع بدأ مع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني (26 آذار/ مارس 1979)، وقد يذهب البعض الآخر إلى القول بأن تعميم خيار التطبيع و"تعريبه" قد حدث بعد عودة الجامعة العربية إلى مصر سنة 1990، أو حدث في قمة بيروت سنة 2002 بعد تبني الزعماء العرب مقترح ولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزير، والقاضي بقبول التطبيع مع "إسرائيل" بشرط العودة إلى حدود 1967، ولكننا نذهب إلى أن التطبيع هو حتمية لا مهرب منها في ظل أنظمة فاسدة فاقدة للشرعية، وعاجزة عن بناء أبسط مقومات السيادة.

فالتطبيع ليس "خيارا" ما دام الشأن العام يدار بعيدا عن الإرادة الشعبية، كما أن التطبيع ليس خيارا أمام منظومات سلطوية تكتسب شرعيتها بما تقدمه من خدمات للنظام العالمي - المؤمرك والمناصر بلا تحفظ للكيان الصهيوني - أكثر مما تكتسبها من الداخل، وليس التطبيع أيضا خيارا أمام ثقافة تحكمها "الإسرائيليات" من جهة أغلب نخبها الدينية، والأطروحات الاستشراقية الصهيو- مسيحية من جهة أغلب نخبها العلمانية.

هل يعني ما تقدم أنه لا مهرب من "التطبيع" ولا فائدة من أية مقاومة أو ممانعة؟ بالطبع لا، فنحن نقصد أن رفض التطبيع تحت سقف الجامعة العربية هو أمر عبثي، فجامعة "التطبيع العربي" لم تنجح إلا في مشروع واحد هو تعميم المشروع الساداتي للتطبيع، أما بقية الملفات المطروحة أمامها فإنها لم تزدها إلا تأزما: ماذا فعلت في القضية اليمنية.. في سوريا.. في العراق.. في ليبيا..؟ ماذا فعلت حتى لمصر "المطبّعة" في قضية سد النهضة؟
لا نرى مخرجا من هذا المأزق التاريخي إلا بثورات تصحيحية (لا علاقة لها بانقلابات العسكر أو أصحاب "القضايا الصغيرة") تعيد هندسة الوعي – بمختلف تجلياته الدينية والسياسية والنقابية والثقافية - قبل أي تفكير في إعادة هندسة الواقع

إنّ رفض التطبيع مع "إسرائيل" - رغم شرعيته وضرورته - ما هو في وجه من وجوهه إلا ذلك "المجهود الذهني" الأدنى (فرديا وجماعيا) الذي يريحنا من التفكير في ألف تطبيع وتطبيع يخترق آليات تفكيرنا الديني والمُعلمن (تطبيع مع الفساد، مع التفاهة، مع الجهوية والزبونية، تطبيع مع التخلف والتبعية، تطبيع مع سرديات أيديولوجية لا وظيفية، تطبيع مع "قابلية" الاستعمار والاستحمار، تطبيع مع منطق الصراع الهووي ومنطق النفي المتبادل.. الخ، وهي آفات لا يمكن أن تقود في النهاية إلا إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني.. ولو بعد حين.

ونحن لا نرى مخرجا من هذا المأزق التاريخي إلا بثورات تصحيحية (لا علاقة لها بانقلابات العسكر أو أصحاب "القضايا الصغيرة") تعيد هندسة الوعي – بمختلف تجلياته الدينية والسياسية والنقابية والثقافية - قبل أي تفكير في إعادة هندسة الواقع الاجتماعي محليا أو محاولة تغيير التوازنات الإقليمية.

twitter.com/adel_arabi21