كتاب عربي 21

اقنع بلحافك ثم مد رجليك قليلا قليلا

1300x600

بالأمريكان ولع شديد بما يسمونه "تحسين الذات"، ويتم رفد المكتبة الأمريكية سنويا بمئات المؤلفات التي تتناول كيف تكون سعيدا أو غنيا أو موفور الصحة أو إداريا ناجحا، بل صار هناك كهنة في هذا الميدان يذرعون البلاد بالطول والعرض، ويقدمون المحاضرات والدروس والمواعظ لكل من يرغب حول هذا الشأن أو ذاك نظير مبالغ ضخمة، أي أن الأمر تحول إلى تجارة وصناعة تتطلب الترويج والتسويق، وتحول الجمهور المستهدف إلى دراويش يتبعون شيوخ "الطريقة".

ولا بأس في السعي لتحسين الذات نفسيا وماديا وصحيا، ولكن ليس إلى درجة الهوس بها، وهناك خيط رفيع بين الطموح والشطح والنطح المؤدي إلى الإنهاك الجسدي والنفسي، فالإحباط أو سلوك الطريق الأعوج للوصول إلى الغاية المنشودة، ومهما برع الفلاسفة والعلماء في إعداد وطرح الوصفات لمعالجة هذا الأمر أو ذاك، فإنهم لن يأتوا بوصفة تعالج جميع الحالات، وعليه فإن أساطين فنون تحسين الذات الأمريكان أنبياء كَذَبَة، حتى ولو صدقوا في جزئيات هنا وهناك.

ومن ثم لم يثر عجبي أن يبيع مارك مانسون حتى الآن ما يربو على 14 مليون نسخة من كتابه "فن اللامبالاة" الذي صدر قبل نحو أربعة أعوام، واللامبالاة التي ينادي بها مانسون لا تعني الاستخفاف بالأمور والاستهتار بها، بل تعني أن يكون تركيزك على ما هو ممكن، وأن لا يربط الإنسان سعادته وراحة باله بغايات هلامية فيحقق واحدة منها ويظل يجاهد لتحقيق أخريات فيقضي معظم العمر لاهثا ولا يخامره الشعور بالرضا، لأنه يجد المتعة في السعي المستمر نحو أهداف ومرام تصاعدية كفوائد البنوك، بينما المتعة مهما كانت قوتها وقتية، مقابل السعادة التي هي طويلة الأمد والصلاحية، ومهما أنجز الإنسان فإنه لن يحس بالسعادة بالإنجاز طالما هو يحس بالتوازي بالقصور والنقص.

كثيرون لا يدركون أن سعيهم لأن يكونوا شخصيات ناجحة بمعايير وضعها آخرون يعني أنهم يعتبرون أنفسهم فاشلين، وقد تكون أوضاعك المالية طيبة ومواردك المالية تكفي احتياجاتك الضرورية وربما بعض الكمالية، ولكن طالما أنت تجعل غايتك أن تصبح مثل زيد أو عبيد في الثراء، فإنك وفور تحقيق ذلك ستضع عينك الزائغة على آخرين وصولا ربما إلى بيل غيتس، فمن يجعل معيار الحياة الطيبة الحصول على وظيفة ذات عائد مجز وسيارة وبيت فخمين وشريك حياة جميل، سيظل يحس بالقصور، لأن تلك القِيَم نسبية، وينوح كأنه المعني بقول المتنبي: 

ولم أر من عيوب الناس شيئا    كنقص القادرين على التمام

فمن لا يعرف كيف يستمتع ويسعد بما عنده يحسب نفسه من القادرين على التمام، ويحاسبها بقسوة لأنها لم تبلغ التمام والكمال.
 
ولا أعتقد أننا بحاجة إلى حكمة مانسون هذا لنعرف أن الإنسان المعاصر يشقى لأنه يقارن حاله بأحوال آخرين في مختلف القارات، اطّلع عليها عبر التلفزيون والأنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وبالمقابل كان الأسلاف يكدون ويجتهدون وهم يدركون أنهم سيحصدون نتاج الكد والجهد في مواقيت معلومة: يوم يتم جني وحصاد القمح أو الزيتون أو البرتقال، فيسعدون بما جنوا حينا من الدهر ثم يبدأون في دورة جديدة نتائجها شبه معلومة، وقد يطرأ فيها جديد متمثلا في السماد أو المبيدات الحشرية، والقلة الشاطحة والناطحة من الأسلاف كان مثلها الأعلى في الثراء العمدة / المختار أو عائلة فلان بن علان، وليس شخوصا من خارج حدود البلدة / القرية.

 

الإنسان المعاصر يشقى لأنه يقارن حاله بأحوال آخرين في مختلف القارات، اطّلع عليها عبر التلفزيون والأنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وبالمقابل كان الأسلاف يكدون ويجتهدون وهم يدركون أنهم سيحصدون نتاج الكد والجهد في مواقيت معلومة

 



انظر حالنا وكيف كان معظمنا في العالم العربي حتى قبل ربع قرن يفتقرون إلى خدمة الهاتف، ثم جاء الهاتف السيار فقفزنا معه من الأرض إلى الأثير، وصار امتلاك هاتف سيار فرض عين اجتماعي، ثم جاءت النقلة إلى هواتف آيفون وسامسونغ وهواوي وغيرها ذات التكلفة العالية؛ وزاغت العيون، وفي منطقتنا التي يعيش نصف أهلها تحت خط الفقر، صار من ما زال يملك هاتف نوكيا ذا التاريخ التليد والأمجاد يحس بالقصور، ثم يحس بأنه بلغ بعض المجد بامتلاك هاتف يوفر تطبيقات واتساب ويوتيوب وتلغرام وغيرهما، ولكن سرعان ما يغشاه الحزن لأنه سمع بطرح هاتف كذا رقم كذا، ويفوت على أمثال هؤلاء أن جميع الهواتف الموجودة في الأسواق حاليا تؤدي وظيفتها الأصلية: نقل الكلام والنصوص، بكفاءة، ولهذا يقال إن عين ابن آدم لا يملؤها غير التراب (تراب القبر).

والشاهد: البحث الدائم عن شيء أكثر "إيجابية" هو مسعى في منتهى السلبية، ومن عجبٍ أن القبول بأمر واقع سلبي يكون قمة الإيجابية، ومن يهاب خوض تجربة الفشل أي الناتج السلبي فيها محتمل ووارد، شخص غير قابل للتعلُّم، ومن لا يتعلم لا ينجح ولا يجني ثمار النجاح.

فن اللامبالاة عند مانسون ـ والذي لا يعني كما أسلفنا الاستخفاف بالأشياء والأمور والأوضاع والأحوال، يعني أن تقبل بأن تكون مختلفا عن الآخرين، وأن لا تبالي بتوافه الأمور ولا تشغل نفسك بالآخرين، وأن تقنع نفسك بأن الحياة مليئة بالمطبات والمزالق، فإذا واجهتك المشاكل والمصاعب فذلك لأنه "هكذا حال الدنيا"، وليس لأن هذا الشيء أو ذاك ينقصك، وحقيقة الأمر هي أن حل المشكلات وليس تفاديها هو ما يجلب قدرا كبيرا من السعادة.

وكما أن هناك خيطا رفيعا بين التوكل والتواكل، والتواضع والضعة، فالخطوط قد تتشابك بين القناعة والخنوع، ومانسون لا يدعو فقط للقناعة بمعنى القبول التام بواقع الحال وعدم السعي إلى ما هو "أفضل" بل بأن يسعد الإنسان بما حققه ولا يبالي إلا بالأشياء التي في مقدوره أن ينالها أو يحققها، وبذلك يتخلص من مركب النقص.

وقياسا على ما جاء أعلاه، فمن الخير للإنسان العربي وعافيته النفسية، ألّا يقارن حاله بأهل بلدان ينعمون بالحرية والطعام والأمان، فيظل يشقى من المهد إلى اللحد، بل أن يسعى إلى تغيير واقع الحال في بلاده تدريجيا، وأن لا يلطم الخدود ويشق الجيوب بحسبان أن ثورات الربيع العربي "فشلت"، بل أن يستوعب دروس "الفشل"، ويخطط لجولة ثانية ترفع بلاده إلى مصاف الهند مثلا من الناحية السياسية، ليترك لجيل آخر اللحاق بتجارب بلدان فيها حقوق الإنسان والحيوان مكفولة.