حقوق وحريات

"لم الشمل".. الحلم الصعب لآلاف الفلسطينيين بوطنهم

عقبات كبيرة يضعها الاحتلال لمنع لم شمل عائلات من الخارج إلى الداخل ومن الضفة إلى القدس وأراضي 48- حملة لم الشمل حقي

لم تتردد "آلاء" في الموافقة على الزواج من شاب يحمل الهوية الفلسطينية؛ فهي فلسطينية الأصل ولكنها نشأت في الأردن ولم تر موطنها أبدا؛ بسبب عدم امتلاكها لهوية فلسطينية كحال ملايين الفلسطينيين خارج وطنهم.


وعاشت آلاء مطير مع زوجها عدة سنوات وهو ينتقل ما بين فلسطين والأردن؛ ولكنها لم تكن حياة مستقرة، فقررا العيش في فلسطين رغم ما يحمله ذلك من تخوفات بسبب عدم امتلاكها لبطاقة الهوية، وخيّم كابوس "منع لم الشمل" على تفكيرها وعائلتها حتى طردته بحلمها في حياة مستقرة على أرض وطنها الأصلي، وواسى الزوجان نفسيهما على أمل أن قضية إصدار بطاقة لها لن تطول لأكثر من عام في الحد الأقصى.


تمكن الزوجان من الوصول إلى فلسطين عبر بطاقة "فيزا" بقيمة ١٨ ألف دولار؛ ولكن ذلك لم يقف عائقا أمام حلمهما بالاستقرار مع طفليهما، على أمل أن يصدر قرار بلم الشمل لآلاء قريبا كي تتمكن من التنقل بين فلسطين والأردن.


مرت ١٤ عاما لم تتمكن خلالها آلاء من رؤية عائلتها ولا مرة واحدة، وحتى الآن لم تصدر تلك البطاقة التي تمكنها من السفر، فتحول كابوس منع لم الشمل إلى حقيقة تعاني من آثارها كل يوم وهي تسمع صوت والديها عبر الهاتف يشتاق لرؤيتها.


وتقول مطير لـ عربي21 إنها وبسبب ما عانت منه أصبحت واحدة من القائمين على حملة "لم الشمل حقي" التي تطالب بحل مشكلة آلاف العالقين بلا بطاقات للهوية؛ أو ممن لا يسمح لهم الاحتلال بالعيش مع أزواجهم في القدس أو الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ بسبب حملهم لبطاقة الهوية الفلسطينية.


الحملة انطلقت قبل عدة سنوات؛ ولكنها تجددت منذ بداية العام الحالي للمطالبة بحق آلاف الفلسطينيين في لم الشمل، حيث يعتبر جرحا ما زال نازفا لديهم ولدى عائلاتهم التي تحلم بلقائهم.


وترى مطير أن حالة عدم لم الشمل مأساوية؛ حيث تؤثر كثيرا على حياتهم؛ وعدا عن الأمور المادية التي من الممكن تعويضها؛ فإن رؤية الأهل لا يمكن تعويضها، وأن يرى الشخص والديه بشكل مستمر ويشاركهم الأفراح والأحزان، بحسب تعبيرها.


وأوضحت أنه حين تزوجت ظنت أن "لم الشمل" سهل الحصول عليه؛ ولكن تبين أن رؤية عائلتها من جديد أصبحت حلما بالنسبة لها تعيشه يوميا، مبينة أن الضغط النفسي يلعب دورا كبيرا في هذا الملف ويصبح الشخص الذي لم يحصل على لم الشمل أسيرا في مكانه.


وتابعت: "نحن نعاني من ضغط نفسي كبير ونشعر بأننا عالقون؛ والحياة التي كنا نتخيلها لم نحصل عليها وفي نفس الوقت لا نستطيع العودة إلى الوراء، حتى الأسير في السجون يعتبر وضعه أفضل منا لأن عائلته يسمح لها بزيارته؛ أما نحن فلا نستطيع تخطي حدود المدينة التي نعيش بها، وعائلاتنا لا تتمكن من زيارتنا وأحيانا يتم إعادتهم عن المعابر والحدود، كما أن الأسير يعرف موعد الإفراج عنه مهما طال ولكن نحن مصيرنا مجهول".

 

اقرأ أيضا: الاحتلال يحرم آلاف الفلسطينيين من لم شمل عائلاتهم


الكثير من الممنوعين من لم الشمل فقدوا أفرادا من عائلاتهم أو أقاربهم ولم يتمكنوا من وداعهم، ما يضاعف المعاناة التي يعيشونها، كما أن الذين لم يحصلوا على لم الشمل لا يتمكنون من السفر حتى للعلاج رغم إصابة بعضهم بأمراض مزمنة وخطيرة كالسرطان، كما أنهم يمنعون من دخول الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ حتى لو كان ذلك للعلاج أيضا.


وأضافت: "في ظل انتشار فيروس كورونا أصبحنا نخشى من فقدان أحبة لنا ونحن لم نتمكن بعد من وصولهم..".


تشتيت الأُسر

 
هذه المعاناة لا تنطبق فقط على القادمين من الخارج للاستقرار في فلسطين؛ بل تتعدى ذلك لتفرق بين الذين يعيشون في وطنهم وفقا لحدود الضفة وقطاع غزة والقدس والداخل المحتل.


المقدسي أحمد أبو غزالة واحد من الفلسطينيين الذين يعانون جراء هذه السياسة؛ حيث تزوج قبل ١٥ عاما من سيدة تحمل هوية الضفة الغربية، وحصل على عقد زواج أردني وآخر إسرائيلي؛ وتم تسجيلها في بطاقة هويته وحصل أطفاله على شهادات ميلاد إسرائيلية.


وفي عام ٢٠١٣ حصلت زوجته على قرار إقامة بالقدس لمدة عام؛ وفي الليلة ذاتها تم اعتقال أحمد بتهمة الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك ومكث في السجن لمدة عام، فتم سحب الإقامة منها ولم تكتمل فرحة الحصول عليها.


وقال لـ"عربي21" إنه بعد عام من الإفراج عنه؛ اعتقل مجددا لمدة ثلاث سنوات ما ضاعف معاناة زوجته، حيث بقيت تعيش في القدس بشكل يعتبره الاحتلال غير قانوني، ورغم تقديم عدة طلبات للم الشمل إلا أنها قوبلت جميها بالرفض.


وفي شهر حزيران/ يونيو الماضي اقتحمت شرطة الاحتلال منزل أبو غزالة واعتقلت زوجته وفتحت لها ملفا جنائيا، وتم إبعادها عن القدس إلى الضفة عبر معبر قلنديا شمال المدينة.


ويوضح أنه بعد فترة قصيرة حصلت زوجته على تصريح أمني لدخول القدس كي تتمكن من تطعيم طفلها في دوائر الصحة بالمدينة؛ وعادت بعدها إلى منزلها في القدس القديمة، ولكن بعد أيام قليلة تم اعتقالها مجددا بحجة أنها تقيم في بيتها بشكل غير قانوني.


وتمكن المحامون من انتزاع قرار من وزارة الداخلية الإسرائيلية يمكّن زوجة أبو غزالة من البقاء في القدس دون التعرض للاعتقال أو التهديد، ولكن بعد أسبوع من ذلك أعيد اقتحام المنزل واعتقالها مع زوجها رغم وجود القرار.


وتابع: "قلت للضابط يومها سأتقدم بشكوى ضدك لأنك تعتقلنا رغم وجود قرار يمنع ذلك؛ فقال لي إن الجنود والضباط حتى حين يقتلون فلسطينيا ويتم تقديم شكوى ضدهم يتم إعطاؤهم إجازة مدفوعة الراتب ويستغلونها للاستجمام والرحلات؛ فلن تضرهم أي شكوى تقدم مني!".


ما زالت عائلة أحمد تعيش في تشتيت متعمد من قبل الاحتلال؛ فحين تتوجه لزيارة عائلتها الممنوعة من دخول القدس أسوة بسكان الضفة الغربية؛ يتم اعتقالها أو احتجازها وهي عائدة إلى منزلها في المدينة، لتعيش في قلق دائم وخوف مستمر.


ذرائع أمنية

 
22 ألف فلسطيني يعيشون هذه المعاناة من مناطق الضفة وقطاع غزة والقدس والداخل المحتل؛ ويتذرع الاحتلال بالتهديد الأمني للامتناع عن إصدار قرارات لم الشمل.


مدير فرع القدس في مركز القدس للمساعدة القانونية رامي صالح قال لـ "عربي21" إن ذريعة التهديد الأمني غير موجودة؛ وإنه تم تجميد عمليات لم الشمل بالإسناد إلى عمليات فدائية تمت وينظر إلى أن أحد المنفذين تقدم بطلبات لم الشمل سابقا.


ولكن الهدف الحقيقي بحسب صالح في قضية منع لم الشمل، هو سلخ سكان مدينة القدس والداخل عن الواقع الاجتماعي والنسيج الفلسطيني المحيط بهم؛ وهو السبب الرئيسي لتجميد عمليات لم الشمل.


وأشار إلى أنه في بعض المرات تتم الموافقة على طلبات لم الشمل ولكن ليس بسهولة فهناك إجراءات مطولة، وبحسب المعطيات من وزارة الداخلية الإسرائيلية فإن معدل ما تستغرقه الاستجابة لطلب لم الشمل ما بين تقديمه والموافقة عليه هو ١٨- ٢٤ شهرا في حال الموافقة، وفي هذه الفترة يصعب على العائلة التواجد في منزل واحد في القدس؛ وبالتالي فإن المعاناة مستمرة.


وأوضح أن عملية الموافقة تتطلب فحصا أمنيا يجرى لأقرباء المتقدم لطلب لم الشمل؛ من أصدقاء وإخوة وأخوات وأزواجهم مع أرقام هوياتهم ليؤخذ الطلب إلى المخابرات الإسرائيلية وهناك يتم الفحص لكل شخص من هؤلاء الأشخاص، وإذا وجد عند أحدهم أي مانع أمني يتم رفض الطلب.


ووصف صالح منع لم الشمل بالإشكالية المجتمعية البحتة؛ ذلك أنه ليس من السهل إذا أقدم شخص مقدسي على الزواج من سيدة تحمل هوية الضفة أن يكون هناك قبول من العائلة، والعكس صحيح، لأنه من الصعب عليهم تكوين الأسرة؛ وهذا شكل من أشكال السلخ المجتمعي غير المباشر عن النسيج الفلسطيني بشكل عام.


ومن ناحية قانونية، فإنه إذا كان المتزوج المتقدم للطلب رجلا فإنه لا يستطيع التقدم للحصول على طلب لم الشمل إلا إذا تجاوز عمره الـ٣٥ عاما؛ وإذا كانت المتقدمة امرأة فلا تستطيع التقدم بالحصول على طلب إلا إذا كان عمرها يزيد على الـ٢٥ عاما، وهذا ينتج إشكاليات أخرى تتعلق بالأطفال، فإذا كان أحد الوالدين يحمل هوية الضفة فستأخذ عملية تسجيل الأطفال في هوية الوالد وقتا كبيرا، وتسجيل الطفل مهم للحصول على الحق في العلاج والتنقل وأن يكون موجودا داخل القدس.