كتاب عربي 21

برود العلاقات المصرية السعودية!

1300x600
لم يكن الأمر بحاجة إلى تحميل حوار السفير أحمد القطان أكثر مما يحتمل للتوصل إلى أن العلاقات المصرية السعودية صارت فاترة إلى درجة البرودة، أكثر من أي وقت مضى!

لقد استيقظنا ذات يوم لنجد حملة على السوشيال ميديا احتفاء بمقابلة السفير السعودي السابق في القاهرة أحمد القطان، على قناة "روتانا خليجية"، ومن الواضح أنه حوار ممتد، تطرق للعلاقات السعودية- الأفريقية، حتى إذا وصل للدقيقة الخمسين منه، بدأ الحديث عن أحداث جرت في القاهرة إبان تولي القطان منصب السفير السعودي، والذي عاصر الثورة المصرية، كما عاصر واقعة مهمة تمثلت في حصار مقر السفارة من قبل الآلاف من الجماهير الثائرين ضد جلد طبيب مصري هناك، وقد كنت عند السفارة يومئذ!

وأخطر رسالة يمكن أن تبث على السيوشيال ميديا هي تلك التي تصافح عين المستيقظ من نومه، لا سيما إذا أخذ النشر شكل الحملة، فهنا يجد المرء نفسه سائراً في الركب، معلقاً ومجارياً لهذه الحملة، دون أن يجد نفسه ملزماً بالرجوع إلى الموضوع نفسه، لأنه يعتقد أن هذه الحشود لا تجتمع على ضلالة، وقد قامت بفرض العين بمشاهدة مقابلة السفير القطان، لا سيما إذا كان الحوار طويلاً، وقد امتد لساعتين تقريباً. وقد تكون هذه الحشود هي ضحايا حسن الظن في من شاهدوا اللقاء، فذهبوا به بعيداً، ربما عن وعي، وربما بهدف الفتنة وكرغبة في إحداث شرخ في العلاقات بين الحاكم العسكري في القاهرة، وأولي الأمر منه في المملكة!
قد تكون هذه الحشود هي ضحايا حسن الظن في من شاهدوا اللقاء، فذهبوا به بعيداً، ربما عن وعي، وربما بهدف الفتنة وكرغبة في إحداث شرخ في العلاقات بين الحاكم العسكري في القاهرة، وأولي الأمر منه في المملكة!

واقعة توفيق عكاشة:

وكنت قد نمت في هذه الليلة على وقع حادثة مشابهة، جرت وقائعها في مثل هذه الأيام منذ ست سنوات، عندما استيقظ الناس على حملة مشابهة، تدور حول أن توفيق عكاشة هدد في لقاء تلفزيوني بأن في حوزته شهادة ميلاد والدة عبد الفتاح السيسي، وكيف أنها يهودية من المغرب (وقد كشفت عدم صحة ذلك في سلسلة مقالاتي التي حملت عنوان "عام في القصر")، وعندما طالعت "جسم الجريمة" لم أجد شيئاً من هذا التهديد، بيد أن هناك من رأوا في هذه الدعاية الضخمة تدميراً لتوفيق عكاشة، وتأكيداً للدعاية التي روجوا لها عن والدة السيسي، للذهاب بالأمر في اتجاه تصوير وجوده على رأس المؤسسة العسكرية كما لو كان نتيجة اختراق لهذه المؤسسة العريقة، وهو أمر لو صح - وهو ليس صحيحاً - لاتسع الاتهام لينال من الرئيس محمد مرسي، لأنه صاحب قرار تنصيب السيسي وزيراً للدفاع، لكن هناك من يتحركون وهم ينظرون تحت أقدامهم!

لم يكن السيسي بحاجة إلى هذه الدعاية التي يمكن اكتشاف أنها غير صحيحة بسهولة؛ لنسف عكاشة وهو ما حدث فعلاً، فتم إسقاط عضويته في البرلمان، وإغلاق قناته "الفراعين"، وإجباره على الجلوس في بيته؛ لأسباب أخرى ليس من بينها هذا الكلام المنسوب اليه!

لقد تحدث السفير القطان عن لقاء طويل جمعه بالرئيس محمد مرسي، وكيف أنه لم يكن مرتاحاً له، وسخر منه بقوله: "إن مخه في أمور أخرى"، وأن السعودية لم تكن مرتاحة أيضاً لوجود الإخوان في الحكم، ولم يكن لهم دور في الإطاحة به، لحساسية الموقف!

وقال السفير إن الانتخابات زورت لصالح محمد مرسي، لأن الفائز كان هو الفريق أحمد شفيق. وعندما تطرق لموضوع تيران وصنافير، أشار إلى أن محاولات استرداد الجزيرتين بدأت في عهد مبارك الذي ناور، وأرجع الفضل في عملية التسليم للسيسي، وبفضل "الأمير محمد بن سلمان".
كيف يقول إن الفريق أحمد شفيق هو الفائز، بما يعني أن الجيش زور الانتخابات لصالح مرسي، فهو بذلك أهان الجيش؟ ثم كيف يصبح مصدر معلومات السفير هو الصحفي مصطفى بكري؟!

وهو ما اعتبره البعض "إهانة لا يمحوها إلا الدم"، فكيف يقول إن الفريق أحمد شفيق هو الفائز، بما يعني أن الجيش زور الانتخابات لصالح مرسي، فهو بذلك أهان الجيش؟ ثم كيف يصبح مصدر معلومات السفير هو الصحفي مصطفى بكري؟!

لم يقل القطان أنه حصل على معلوماته من بكري، فقد ذكر خطابه في سياق مختلف للتأكيد على صحة الأمر، وكيف أن صحفيا كبيرا أذاع في التلفزيون الرسمي للدولة فوز شفيق وتزوير الانتخابات.

ولا شك أن هذا الإعلان من قبل بكري، بفوز الفريق أحمد شفيق، يقطع دابر التصور بأن ذكره إنما يمثل إهانة متعمدة للجيش المصري. وقد ظلت دعاية فوز شفيق رائجة حتى إعلان السيسي ترشحه للانتخابات الرئاسية، وكان إعلان تزوير الانتخابات واحدة من البدائل المقررة للانقلاب على الحكم، وهو إعلان فوز شفيق من قبل قاضي التحقيق المكلف بإجراء تحقيق في بلاغ قدمه محامي الفريق "بالتحايل" للنظر في التزوير المزعوم، مع أن قرارات اللجنة العليا للانتخابات محصنة من الطعن فيها أمام أي جهة قضائية أو غير قضائية!

وكان من أسباب توقف هذه الدعاية، ليس لأنها تمثل إهانة للجيش، ولكن لأنني كنت قد رددت عليها بعد الانقلاب بالقول المكثف بأننا سنسلم بذلك، فيصبح من حق شفيق تولي السلطة لدورة كاملة، وليس للسيسي بالتالي الحق في الترشح، وبعد ذلك تم سحب البلاغ من قاضي التحقيق بالمخالفة للقانون، وبدا أنه مصمم على إعلان تزوير الانتخابات وفوز أحمد شفيق، بما قد يضر بشرعية السيسي، وليس في الأمر إهانة للجيش ليكون هناك مبرراً للتحريض ضد السعودية.
السفير في حديثه عن عبد الفتاح السيسي بدا حريصا على أن يعلن للكافة أنه يحمل للسيسي تقديراً على المستوى الشخصي، وقد منحه قلادة النيل

والدة السفير:

كما أن السفير في حديثه عن عبد الفتاح السيسي بدا حريصا على أن يعلن للكافة أنه يحمل للسيسي تقديراً على المستوى الشخصي، وقد منحه قلادة النيل، وأصر على حضور زوجته ووالدته، وامتد اللقاء الأسري لخمس وأربعين دقيقة، لأن السفير السعودي سبق وأن أخبره بأن والدته مستجابة الدعوة.

أما قضية تسليم تيران وصنافير، فليس سراً أن السيسي هو من سلمها بل إنه يفخر بذلك باعتباره استجاب لأمر قديم لوالدته بألا يطمع في "حاجة غيره"، والسيسي معترف بأنه من سلم الجزيرتين، وبالتالي فليس في إعلان السفير السعودي ذلك مما يزعج الجنرال أو يؤرق وجدانه الوطني!

لقد ذكرنا السفير بالدور السعودي في إقناع الدول الغربية بالاعتراف بالانقلاب باعتباره ثورة شعبية، وهو واحد من أدوار الإقليم الناجحة التي قامت بها السعودية والإمارات. ومن المؤسف أن التيار العريض لقوى رفض الانقلاب العسكري لم يجعل البلدين المتآمرين هدفاً من أهدافه من حيث الدعاية المضادة، لا سيما المملكة العربية السعودية، التي لم يكن تحالف دعم الشرعية في أي مرحلة من مراحل نضاله مستعدا للدخول معها في أزمة، تماماً كما كان الرئيس محمد مرسي، الذي وعد القطان بزيارة السعودية في أول زيارة خارجية له، وهو ما حدث فعلاً، لكن ليس كل من تهواه يهواك قلبه. وأعتقد أن سبباً مضافا لأسباب عدة في بعد الرئيس محمد مرسي عن إقامة علاقة طبيعية مع طهران رغم رغبتها الملحة في ذلك، هو حتى لا تغضب المملكة، مما حدا بطهران أن تنحاز للانقلاب العسكري، وقد تصورت خطأ أن القادم لصالحها، وأن تحت القبة شيخ، وخسرت رهانها، ككل رهاناتها في المنطقة!
أعتقد أن سبباً مضافا لأسباب عدة في بعد الرئيس محمد مرسي عن إقامة علاقة طبيعية مع طهران رغم رغبتها الملحة في ذلك، هو حتى لا تغضب المملكة، مما حدا بطهران أن تنحاز للانقلاب العسكري، وقد تصورت خطأ أن القادم لصالحها

تسريبات الرز الخليجي:

ولا يمكن لمثل هذه الحملة التي انطلقت من قاعدة حوار القطان لقناة "روتانا" أن تتسبب في أزمة بين البلدين، وقد جرب كثيرون ذلك بمناسبة تسريبات مدير مكتب السيسي حينذاك اللواء عباس كامل، والذي كان في حوار مع السيسي في تسريب "الرز الشهير"، وبعد أيام من ذلك كان السيسي يصطحب اللواء عباس في زيارة للمملكة ليصافح الملك، وليثبت أن العلاقة بين البلدين لا تؤثر فيها هذه الدعاية. وكان المنطق يحتم أن تعتذر السعودية عن استقبال عباس كامل، الذي ينظر لها نظرة استهانة، لكن العلاقات السعودية مع السيسي هي علاقة استراتيجية، لا تؤثر فيها الخلافات اليومية. ومع ذلك فهي في أسوأ الحالات الآن، ليس بسبب حديث القطان، ولكن لأن السيسي جاءه ما يشغله عن المملكة، وهو في مرحلة: نفسي.. نفسي!

فعقب البيان العنيف من قبل الإدارة الأمريكية والاتهام المباشر لولي العهد السعودي بالضلوع في جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي، أدانت دول عدة ذلك، والقائمة تبدأ من الإمارات ولا تنتهي بموريتانيا، وحتى قطر، العدو السابق للسعودية، بدا موقفها رافضاً هذه التدخلات الأمريكية، وتبادل الأمير الاتصال مع ابن سلمان، لكن السيسي لا حس ولا خبر!

وقد باعهم في أزمة التحالف في حرب اليمن، وهو صاحب مقولة "مسافة السكة"، التي تلخص جاهزية الجيش المصري للدفاع عن الخليج، لكن عندما دقت ساعة الجد، اختفى، وها هو الآن يختفي من جديد، فلم يكلف خاطره إجراء اتصال هاتفي بولي العهد، أو إصدار بيان (مبكر) يؤكد فيه على رفضه التدخل الأمريكي في الشأن السعودي!

فهو في انتظار دوره في "التقريع"، ومن ثم لا يريد أن يذكر البيت الأبيض به إذا حضر في هذا المشهد، وإن بدا في سياسته الخارجية أقرب إلى المحور القطري- التركي، بتوافق على الأهداف بدون اتفاق عليها، فلم يعد يتبنى سياسة الإمارات في ليبيا والسودان، وإن كان الأتراك يرون الآن أن هذا التحدي الخارجي لا يصلح مواجهته بحلفين في المنطقة، وإنما بحلف واحد. وقد أعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية عن ضرورة فتح صفحة جديدة مع مصر ودول الخليج جميعها بما فيها الإمارات!

فهل يعود الدفء إلى علاقة السيسي بالسعودية بهذه الدعوة، أم ستستمر باردة لحساباته هو وليس بسبب ما قاله السفير السعودي السابق في القاهرة؟!

الأمر متوقف على أول مكالمة هاتفية له من بايدن!

twitter.com/selimazouz1