كتاب عربي 21

عن جدل سوريا إياه واعتراف إيراني مثير وتواصل النظام مع "الكيان"

1300x600

لم نتوقف عن الرد على "الشبيحة" إياهم منذ انطلاق الثورة السورية، رغم هشاشة منطقهم، واستخفاف غالبية الأمة به، غير أن بعضهم ما زال يكرره، معتقدا أن بوسعه تزييف الحقائق، وربما أقنع نفسه بأن الجماهير بلا ذاكرة.

 

نعيد الرد لأن نشر الهراء لا يتوقف، ولأن إغاظة معطوبي الضمائر تمثل فضيلة. وسنتوقف أيضا عند تصريحات لبشار في مؤتمر عن اللاجئين قبل شهور، قال فيها إن غالبيتهم تريد العودة إلى البلاد، لولا المواقف الأمريكية والدول الداعمة للإرهاب!!


جوهر دعاية الشبيحة يتمثل في جعل الثورة السورية حربا بين "الدواعش" وبين النظام، ما يعني تفضيل النظام بالضرورة، لكن آخرين لا ينتمون لفئة الشبيحة، وإن خدموا خطابهم، يضيفون مبررا ثانيا يقول إن الناس في سوريا كانوا يعيشون برخاء وأمان، وجاءت الثورة كي تدمّر كل شيء. ولا ننسَ الجزء الثالث من الدعاية ممثلا في القول إن ما جرى كان مؤامرة صهيونية أمريكية ضد نظام "ممانع"، وهي نظرية خامنئي الذي اعتبر ربيع العرب "صحوة إسلامية"، وحين وصل إلى سوريا جعله مؤامرة "صهيوأمريكية"!!


الجزء الأول رددنا عليه آلاف المرات في "تويتر"، وعبر عشرات المقالات، لكن لا بأس من استعادته سريعا هنا.


الثورة السورية كانت جزءا لا يتجزأ من ربيع العرب، ولا شأن لها بمواقف النظام الخارجية، وهي للتذكير، مواقف فرضتها مصالحه وتحالفاته، ولم تكن مبدئية تتعلق بفلسطين أو بالقومية.

 

الثورة السورية كانت جزءا لا يتجزأ من ربيع العرب، ولا شأن لها بمواقف النظام الخارجية، وهي للتذكير، مواقف فرضتها مصالحه وتحالفاته، ولم تكن مبدئية تتعلق بفلسطين أو بالقومية.


السوريون كانوا يعيشون في ظل نظام أقلية طائفي أمني لا وجود لمثله في العالم أجمع، وهو نظام أضاف إلى منطق القمع الشرس، قدرا مهولا من الفساد، بخاصة في ظل الأسد (الابن)، وكان من الطبيعي أن يثور الناس عليه، كما ثار إخوانهم في دول عربية أخرى.


والحال أن ثورتهم تلك قد فاجأت العالم أجمع، لأن أحدا لم يكن يتخيل أن هذا الشعب الذي عاش أسوأ أنواع القهر في ظل نظامه الطائفي الأمني، يمكن أن يفكر في الثورة. وحتى تركيا وقطر، وهما أكبر المتهمين بدعم ثورته، ترددتا كثيرا في اتخاذ موقف، لا سيما أن كلتيهما كانت لهما علاقات متميزة مع النظام.

 

هذا الجزء من الكلام هو للرد على منطق المؤامرة إياها، وهي التي جعل منها صبيان إيران مبررا لهم كي ينقلبوا على أساس مذهبهم، ممثلا في جدلية الحسين ويزيد، وبذلك وقفوا هنا مع يزيد ضد الحسين، لأن الأخير؛ وكل صاحب رسالة لا يمكن إلا أن يكون مع الشعب ضد الطاغية.

 

أما حكاية "الدواعش" إياها، فهي من أسخف المبررات، ذلك أن الثورة بدأت سلمية بالكامل، ودفعت آلاف الشهداء في الشوارع دون إطلاق رصاصة واحدة. وحين كان النظام يزجّ بالآلاف من الشباب في السجون بتهمة التظاهر السلمي، بادر إلى الإفراج عن معتقلي السلفية الجهادية في شهر نوفمبر، أي بعد 6 شهور على انطلاق الثورة، ما يعكس قرارا واضحا منه بعسكرة الثورة كي يتمكن من ضربها أمنيا، بخاصة أن إيران كانت جزءا من القرار.

 

هنا نذكّر باعتراف نائب بشار (فاروق الشرع) في حوار مع صحيفة "الأخبار" التابعة لحزب الله نهاية 2012، حين قال إن النظام كان يتوسل رؤية رصاص ومسلحين كي يتهم الثورة بالإرهاب. أما الذي لا يقل أهمية فيتمثل في اعتراف جديد (نشر في 20/1/2021)، حيث قال الجنرال محمود جهارباغي (قيادي بالحرس الثوري) إنه رأى سليماني بسوريا في نوفمبر 2012.

 

مضيفا: "كان يقود العمليات العسكرية ضد معارضي الأسد، و"داعش" حينها لم تظهر بعد ولم تكن متواجدة بسوريا".

 

لا يعني هذا الكلام إدانة لمن حملوا السلاح، وكانوا من كل الألوان، وكثير منهم من أبناء الجيش والأجهزة الأمنية، لكنه توصيف ضروري لفهم المشهد، ولتسخيف كلام الشبيحة أولئك عن قتال الإرهاب، ووصم الثورة بلونه، رغم أن العنف الأعمى كان يخدم النظام وليس الثورة.


نأتي هنا إلى تلك النظرية التي يرددها البعض بطريقة توحي أنهم يتعاطفون مع الشعب السوري الذي كان يعيش بأمان، قبل أن تندلع الثورة وتقلب حياته رأسا على عقب.

 

دعك هنا من حقيقة أن هذا منطق ذليل لا يليق بالأحرار، والذي لو تبنته الشعوب طوال تاريخها، لما تحرر شعب من محتل أو مستعمر، ولا من طاغية. ودعك أيضا من حقيقة أنها كانت ثورة عفوية كما كل محطات الربيع العربي.

 

ما يعنينا هنا هو أن بعض أصحاب هذا المنطق ينظرون إلى المشهد السوري من الخارج، حين كانوا يذهبون إلى حيث السياحة الرخيصة، ويرون الناس تتدبر عيشها.

 

لم يكونوا يرون عمق الكراهية التي تكنها الغالبية السنيّة لنظام أقلية طائفي ليس له مثيل في الكون كله (10% يحكمون ما تبقى بالحديد والنار)، وما لبثوا بعد اطمئنانهم لقوتهم وسطوتهم أن مدّوا نفوذهم نحو كل القطاعات الأخرى، وفي مقدمتها الاقتصاد. وإذا كانت الشعوب قد ثارت دون هذا المستوى من القمع والنهب، فلماذا لا يحدث ذلك من قبل غالبية ترى كيف يتم إذلالها ليل نهار، بل يتم الحديث عن ذلك علانية في المسلسلات كأنه للفكاهة. ألم تروا كيف كان رجل الأمن القمعي والفاسد يتحدث اللهجة العلوية في معظم المسلسلات، من دون أن يعني ذلك إدانة للطائفة برمتها؟!

 

إذا كانت الشعوب قد ثارت دون هذا المستوى من القمع والنهب، فلماذا لا يحدث ذلك من قبل غالبية ترى كيف يتم إذلالها ليل نهار

 

من المهم القول إن سوريا قضية أخلاقية، ولن يدرك حقيقتها من كان يعيش كـ"كائن سياسي"، تلعب به حسابات حزبية وأيديولوجية، فضلا عن حسابات طائفية أو مذهبية.


**


نأتي هنا إلى قصة بشار واللاجئين.


هل حقا إن غالبية المهجّرين خارج سوريا يريدون العودة، وهل يريد هو عودتهم حقا، أم يتاجر بهم لكي يستجدي إعادة الإعمار؟

 

الحق أنه سعيد بغيابهم، ولا يريد عودتهم، وها إن إيران تأتي بآخرين من مليشياتها وتوطّنهم في سوريا كي تغيّر في التركيبة المذهبية والطائفية، لكن الوجه الآخر للحقيقة هو أن عاقلا لا يمكن أن يلقي بنفسه بين يدي نظام أمني طائفي بشع كهذا.

 

هنا ينهض بُعد مهم يتمثل في حقيقة أن لسوريا أصبح هناك "شتات" كما فلسطين. وهذا "الشتات" سيواصل نضاله ضد نظام مجرم، بكل ما سيتاح له من وسائل، وفي زمن تتغير معطياته التسليحية والتواصلية، بل يتغير فيه كل شيء، سيكون بالإمكان الحديث عن ظروف مختلفة، لن تسمح باستمرار نظام لا وجود لمثله في العالم أجمع، لا سيما أن بُعدا مهما هو الذي حمّاه ممثلا في وجوده على حدود الكيان الصهيوني الذي قرّر حرمان الثورة من الانتصار، وإرادته تحويل سوريا إلى "ثقب أسود" يستنزف جميع الخصوم والأعداء، وكل ذلك توجيه الموقف الأمريكي، ثم الغربي بشكل عام، فضلا عن التأثير في مواقف من كانوا يُحسبون على معسكر دعم الثورة.


هل سيغّير هذا الكلام شيئا في خطاب الشبيحة ومن رهنوا أنفسهم لإرادة "الولي الفقيه"؟ كلا بالطبع، لأن عطب الضمير لن يصلحه خطاب العقل والمنطق.


**


ملف أخير يتبع الملف السوري، ويتعلق بأنباء التواصل بين النظام وبين الكيان الصهيوني، والذي أكدته دوائر عديدة، من بينها ضابط كبير في جيش الاحتلال، كما نقل عنه المستشرق الصهيوني المعروف (مردخاي كيدار).


من الطبيعي أن يبادر النظام إلى نفي ذلك، لكن كل المؤشرات والمعلومات تؤكد أن الأمر حقيقي، عبر الروس، وعبر جهات أخرى.

 

النظام يعيش بين طرفين (إيران والروس)، لكنه يميل إلى الروس لأنه يعلم أن البلد سيبقى مدمّرا ما لم يتم إخراج إيران من سوريا، ويعلم أن العلاقة مع الكيان هي المدخل لترميم آثار الحرب


والحال أن النظام يعيش بين طرفين (إيران والروس)، لكنه يميل إلى الروس لأنه يعلم أن البلد سيبقى مدمّرا ما لم يتم إخراج إيران من سوريا، ويعلم أن العلاقة مع الكيان هي المدخل لترميم آثار الحرب وتثبيت النظام، وهنا يلتقي مع بوتين الذي يريد الخروج من المأزق الذي يجعل انتصاره تافها، في ذات الوقت الذي يريد مجاملة الكيان الذي تربطه به علاقة حميمة.


نتيجة هذا الشد بين إيران وروسيا لن تُحسم سريعا، لا سيما أن أماني بوتين وبشار لا تكفي، تبعا لحقيقة أن إيران أقوى منه على الأرض، وستعتمد النتيجة على مصير الاتفاق النووي، وعلى تحوّلات صراع الإقليم أيضا.