قضايا وآراء

لماذا كل هذا الرثاء لحاتم علي؟

1300x600

لم يحرر الراحل حاتم علي القدس ولم يسترجع الأندلس ولكن قدم نموذجا مميزا للمخرج الذي يسخر إبداعه في خدمة قضايا أمته وتوثيق تاريخها، وبترجمة ذلك عمليا بعدم الانحياز للظالم وهي تجتاز عقبات مهمة في حياتها وصدق من قال: 

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم     وعاش قوم وهم في الناس أموات...

المبدعون أصحاب الأثر الذين يقدمون إضافة من نوع خاص مخلّدون لا يموتون، كما وصفهم الشافعي، بل ينثرون أفكارا لا تبلى ولا تندمل، تبقى حية تتناقلها الأجيال، حتى تتطور إلى نمط حياة يرفض كل سياقات النمطية السابقة المقيتة.

وكان الراحل "حاتم علي" من هؤلاء الكبار، فالصدمة التي اعتاد أن يهز بها جمهوره، عبر سلسلة خالدة من الأعمال، التي أزهقت الكثير من الأفكار البالية، امتدت إلى موته وبذات الفلسفة، فكان الموت في أوج العطاء مباغتا صادما.

هي ليست مرثية لحاتم علي، فكل المراثي تقف عاجزة أمام أعماله الخالدة، وحبائك الدراما التي صورها، والسبائك الذهبية التي اكتوت بنيران التجارب، وجسدتها كاميرا تفصيلية لم تتوقف حتى اللحظة. 

تربطني بحاتم علي تلك التغريبة التي شاهدتها عشرات المرات، ولم ولن أملها، فهي تجسد ذات المشاهد التي طالما حدثني عنها جدي، رحمه الله، كل التفاصيل التي سردها جدي وقد اغرورقت عيناه كل ما ذكرها والحسرة تخيم عليه، اختزلتها كاميرا "حاتم علي" بإبداع عكس السيناريو الملهم للكاتب وليد سيف، ليبقى كل من تابعها مشدوها بكل ما يشاهد وكأنه يدخل عبر عجلة الزمن ليصل به الحال ليعيش تفاصيل نكبتنا وما قبلها وما بعدها، ويبكيها.

 

أبكانا حاتم ذاك الأسطورة الذي حاكى القلب والعقل في مشاهده، ولم نخجل من أنفسنا يوما ونحن نتابع أعماله بل كانت أعماله تحمل نكهة عائلية عالية المستوى.

 



تأخرت بكتابة هذه السطور، فبالكاد ألملم أحرفي واستجمع أفكاري، فرحيل جدي الذي روى لي قصة تغريبته، في ذات اليوم الذي رحل فيه صاحب "التغريبة الفلسطينية"، جعلني أعيش أصعب تغريبة في حياتي.

حينها تملّكني حنق حقيقي؛ أأبكي جدي وكأني فقدت الصك الأخير لي في حقي للعودة لأبكي ذكرياته وتخاريفه.. أم أبكي حاتما وقد انتُزع شيء من طفولتنا، وذكرياتنا الصادقة الحقيقية، غير المشبوهة ولا المشوهة؟! فقد غاب الكثير برحيله.

كُثر هم من رثوا حاتم، وقد كنت أتابع كل من رثاه بصمت مطبق كعادتي في ردات الفعل. ليُجمع الكثير منهم أننا لم نبكه لرحيله فقط، فكلنا راحلون ومَبكيّ علينا ذات يوم، وإنا للأثر الذي تركه هذا الإنجاز فينا، ومن لا يعي ذلك فهو بعيد عن عالم الدراما الذي له فعل السحر في عقول المجتمعات وخصوصا هذه الأيام.

دموعنا كانت لفقدنا القيمة التي كنا نجد بها أنفسنا كبشريين، بخلاف ما يقدم في الإنتاج الآن! ففي الوقت الذي زادت فيه عزتنا بتاريخنا، وانتصاراتنا، وديننا، وأخلاقنا في الأيام المعاصرة، بما قدمه حاتم ووليد في عمر الفاروق وصلاح الدين والتغريبة وصقر قريش وغيرها من الأعمال، نجد الدراما هذه الأيام محشوة بمشاهد مبتذلة لا تشبهنا ولا تشبه واقعنا ولا عاداتنا ولا تقاليدنا، وقد حاولوا إلصاقها بمجتمعاتنا بحجة أنها تحاكي الواقع وهي لا تمت للواقع بصلة، بل إنها بعيدة كل البعد عما نعيشه.

أبكانا حاتم ذاك الأسطورة الذي حاكى القلب والعقل في مشاهده، ولم نخجل من أنفسنا يوما ونحن نتابع أعماله، بل كانت أعماله تحمل نكهة عائلية عالية المستوى.

بكينا حاتم لأننا فقدنا أعمالا درامية لاحقة كانت لتحرك مشاعرنا وتلامس واقعنا وحقيقتنا، تمنينا لو حمل أبناؤنا ما حملنا منها من ذكريات تُميزنا نحن جيل الثمانينيات. 

موت حاتم كسر كثيرا من القواعد التي كادت أن تكون مسلمات حيث جمع أضدادا وفرقاء في موكب جنائزي واحد رثى حاتما وافتقد أثره. 

أي خير وإحسان هذا الذي صنعته يا علي!! وأي مجد سطرته يا حاتم!

مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ  لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناس