كتاب عربي 21

الحركات الإسلامية والمراجعة التي آن أوانها

1300x600

أتساءل بسذاجة أو قل ببراءة طفل: ماذا كان يجول بخاطر وزراء حزب العدالة والتنمية المغربي المحسوب على تيارات الفكر الإسلامي، الذي يمسك بزمام الحكومة في الرباط، وهم يواجهون نظراءهم الإسرائيليين الزائرين، بعد أن زف القصر للمغاربة، بلغة الفاتح المنتصر، خبر التطبيع مع إسرائيل مقابل اعتراف الولايات المتحدة بالصحراء الغربية جزءا من المغرب؟

أغلب ظني أن هؤلاء يشعرون بالندم في قرارة أنفسهم، وقد تبين لهم الآن أنهم استدرجوا، ولو بعد سنوات من تسنمهم رئاسة الحكومة، للمشاركة في لعبة تصطدم قواعدها وغاياتها مع المبادئ الحاكمة للفكر الذي ينتهجه حزبهم وتربت عليه كوادرهم، ويزعمون أنها مستقاة من الإسلام دينا وشريعة ونظام حياة.

لات حين مندم! بيد أن المأزق الذي يجد حزب العدالة والتنمية المغربي نفسه فيه ليس مقصورا عليه وحده، والأسئلة المريرة التي يثيرها لا بد أن تتردد أصداؤها في عقول كل المنتمين للحركات والأحزاب الإٍسلامية، وخاصة صفوف القيادة وأصحاب الفكر وقطاعات الشباب.

كيف لأحزاب التيار الإسلامي أن تفسر وتسوّغ لكوادرها القبول بالمشروع الصهيوني اليهودي، بما ينطوي عليه ذلك من تنازل عن ثوابت تستقر في صميم وجدان تلك الكوادر؟

فكيف لأحزاب التيار الإسلامي أن تفسر وتسوّغ لكوادرها القبول بالمشروع الصهيوني اليهودي، بما ينطوي عليه ذلك من تنازل عن ثوابت تستقر في صميم وجدان تلك الكوادر؟ بل كيف لها والحال هذه أن تتعاطى مع جماهير الأمة، وكيف لتلك الجماهير في عموم أفرادها أن تثق بطروحات الأحزاب الإسلامية بعد اليوم؟

هذا هو السقوط الذريع للنموذج والقدوة (paradigm)، وهو أخطر ما يمكن أن يؤول إليه أمر أي حزب، فما بالك إن كان حزبا يزعم أن مرجعيته الإسلام منهاجا وعقيدة وشريعة؟

وما يزيد الطين بلة، أن أحزابا إسلامية أخرى انزلقت، من قبل، إلى ما انزلق فيه حزب العدالة والتنمية المغربي، وهو المشاركة في منظومة ما يسمى بالدولة الحديثة التي ورثها النظام العربي من الاستعمار ودوله، ونحن نعلم أن تلك الدول ما تزال تسوس دول حقبة "الاستقلال" العربي المزعوم، التي لا تحمل من مقومات الدولة الغربية الحديثة إلا الاسم وأجهزة العنف والقمع، تسوم بها شعوبها سوء العذاب.

فماذا جنت جماعة الإخوان المسلمين حين شاركت في برلمانات شكلية لدول عربية هرولت نحو إسرائيل منذ عقود، أو حين قبلت الحكم في مصر بشراكة مع عسكر ظنت منخدعة أن معدنهم ذهب أصيل؟

وهل استفاد إسلاميو حركة النهضة في تونس، والعدالة والتنمية في المغرب من بعض مغازلات أطلقوها، على استحياء تارة وجهارا تارة أخرى، متمثلين دأب رجال السياسة الحداثيين ودربهم، لعلهم يظهرون للعالم في أثواب الحداثيين فيرضَوْن عنهم؟

وهل خرج قطاع غزة وحركة حماس من عنق زجاجة خانق يُضَيِّقُهُ عليها الشقيق العربي قبل العدو، بعد أن عدلت ميثاقها عام 2017 وقبلت مرحليا بدولة على جزء من فلسطين، وهي للحق ما تزال تضع الأصابع على الزناد، وترابط على ثغر من ثغور الجهاد؟

هؤلاء اسْتُدْرِجوا جميعا، وهم في غفلة أو بسبب فهم غير متعمق للواقع، ولطبيعة الدولة الحديثة والآليات التي تعمل بها، والعلاقات التي تتحكم في مدار السلطة والسياسة والاجتماع

هؤلاء اسْتُدْرِجوا جميعا، وهم في غفلة أو بسبب فهم غير متعمق للواقع، ولطبيعة الدولة الحديثة والآليات التي تعمل بها، والعلاقات التي تتحكم في مدار السلطة والسياسة والاجتماع، ليُضْفُوا (أي الإسلاميون) في النهاية على نظام دولة الحداثة العربية، كما تصنف تلك الدولة نفسها، شرعية يعرف النظام نفسه أنها تنقصه.

لقد آن الأوان أيها السادة والمشايخ والعلماء لمراجعة جديدة، ليس على غرار المراجعات السابقة، بل بناء على الدروس المستقاة من التجارب الراهنة والسابقة، ومعرفة حقيقية لا متخيلة ولا واهمة بما يعتمل في عالم الحداثة من وقائع، وبما يتوالد فيه من أفكار ونظم إدارة للموارد والمجتمعات. ونحن على يقين بأن من بين كوادركم، ومن غيرهم من أبناء شعوب الأمة، من يستطيع أن يكشف مواطن الخلل ويعدل في المنهج، ويرسم الطريق الصواب كي تستعيد الأمة هويتها وتتبوأ المكانة الوسط التي كتب لها أن تتبوأها.

وأول ما ينبغي أن يطرح من أسئلة توطئ لتلك المراجعة هو: هل نحقق بالانسياق وراء نموذج دولة الحداثة الغربية، والمشاركة في نموذج دولة الحداثة على الطراز العربي، الغاية السامية التي ننشدها، وهي إقامة دولة، سمّها ما شئت مدنية أو غيرها، حسبنا أن أساسها قيم الإسلام الأخلاقية الراسخة، ونهجها قواعد الشريعة وغايتها تحقيق مقاصدها؟ وغني عن القول بأن تلك القيم عالمية في أصلها وغائيتها، وتربت عليها الأجيال منذ القدم.

وهل يمكن لنا في الوقت نفسه أن ننسلخ من عصر الحداثة الذي يعيشه العالم اليوم بأغنيائه وفقرائه وخيره وشره؟

وكي نستخلص أجوبة صحيحة ومقنعة، لا بد من فهم عميق لطبيعة دولة الحداثة الأوروبية الغربية، التي أفرزتها سياقات عصر التنوير وفلسفة مفكريه في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعقل والأخلاق، وما آلت إليه من منهج رأسمالي ينشد النفع المادي قبل كل شيء، وينتزع الأخلاق، كما نفهمها نحن إسلاميا وبينتها الشرائع الأخرى، من كل سياساته وسلوكياته.

لا بد لنا كذلك أن نتصرف انطلاقا من إدراك واع بأننا جزء من العالم لا نستطيع أن ننسلخ منه، ونستطيع في الوقت نفسه أن نقيم دولتنا الإسلامية أو المدنية، لا تهمني التسميات

ولا بد لنا كذلك أن نتصرف انطلاقا من إدراك واع بأننا جزء من العالم لا نستطيع أن ننسلخ منه، ونستطيع في الوقت نفسه أن نقيم دولتنا الإسلامية أو المدنية، لا تهمني التسميات، ونحفظ ثقافتنا وقيمنا، ونمير أهلنا ونزداد كل بعير!

ففي ما نُحْصِنُ في سُنْبِلِه من ثقافتنا وقيمنا من أُنْسٍ إيماني بالله، ووشائج الوحي الأخلاقي، وسيرة رسولنا وخلفائه الراشدين، ما يعيننا على النهوض بهذه المهمة. وقد تكون هذه المهمة، أو يقول قائل إنها مستحيلة، ما لم نقطع مع كثير من المفاهيم التي تستمد من بيئات وثقافة دولة الحداثة الغربية، وقد اختار أهلها نزع الأخلاق وقيمها الكونية عنها.

آن الأوان لمراجعة نخلص منها إلى أن نحيي النموذج الإسلامي الذي صَدَّعَه التغافل عن الحقائق القارًّة في منظومة فكر الحداثة، وطبيعة دولته التي ننساق طوعا وكرها في تياراتها، إذ أُنْزِلت أشرعتنا وغَدَوْنا تائهين تتقاذفنا أمواج العالم بلا إرادة.

آن الأوان لمراجعة ما تتبناه الحركات الإسلامية من فكر سياسي وشكل للحكم تسعى لإقامته.

آن الأوان لنراجع علاقة الشيخ بالسلطان، والمثقف بصاحب الصولجان، حتى لا يكون هناك منهم من يحاول لَيَّ عنق النص ليُسَوِّغ للحاكم سياسته وأفعاله المخالفة لثابت النصوص، والمناهضة لمصالح العباد والبلاد، وما أكثر هؤلاء اليوم!

آن الأوان لمراجعة تمنع قادة الحركات والأحزاب الإسلامية من الانسياق في أجهزة دول تحتكم إلى دساتير تقول إن الشريعة جزء رئيس من مصادرها، ولكنها عند التطبيق تفرغها من مضمونها الصحيح.

 

آن الأوان لمراجعة تمنع قادة الحركات والأحزاب الإسلامية من الانسياق في أجهزة دول تحتكم إلى دساتير تقول إن الشريعة جزء رئيس من مصادرها، ولكنها عند التطبيق تفرغها من مضمونها الصحيح

وهكذا ماذا حل بالقضاء الإسلامي الذي ظل مستقلا، حتى جرفته دولة الحداثة العربية وغدا لعبة في يد السلطان والمتنفذ؟ وماذا حل بالوقف الإسلامي، وقد كان السند الأساس للمسجد وللعلم الإسلامي والعلماء وللقضاء نفسه وللمتقاضين من ذوي الحاجة، حين وضعت دولة الحداثة يدها عليه؟

وماذا حل بقيم العدل الاجتماعي في أوطاننا، بالصورة التي صاغتها وجسدتها الشريعة، حين غَيَّبَتْها الرأسمالية الغربية المتوحشة التي تأخذ بها دولة الحداثة العربية حذو الغرب؟

وماذا حل بالأسرة وقيمها في الغرب نفسه حين عصفت بها الأنانية الفردية، وانتفت عنها قيم التضامن والرحمة، وغدا أفرادها مجرد أدوات إنتاج يطحنهم الغلاء والضرائب المتصاعدة؟ وها هي آثار ذلك تصل إلينا، بعد أن رضخنا لمطالب تغيير مناهج التعليم والتربية تبعا لما يطلب من دولنا قسرا.

وماذا يحل ببيئتنا من تلوث وتصحر وجور على كل مخلوقات الكوكب، لأن الغرب يقدم النفع المادي، وما يسميه بالتقدم على كل قيمة أخلاقية، ودولنا لا تقول ما يخالف الغرب وتفعل دوما ما يريد؟

كل هذه معضلات لا بد لأي مراجعة صادقة، من جانب الحركات والأحزاب الإسلامية لمسلكياتها السياسية والاجتماعية وفكرها التعبوي والدعوي، أن تخوض فيها مسترشدة بهدي الإسلام وشريعته وقيمه الأخلاقية الكونية، والغايات الإنسانية التي أرساها ونادى بها كل الناس، مسلمين وغير مسلمين.

آن الأوان للمراجعة، وقد ألقت السياسة وبريق السلطة بالحركات الإسلامية في مهاوي التطبيع مع الكيان الصهيوني، حتى لا تبتلع متوالية السقوط الذريع للنموذج كل المحسوبين على الفكر الإسلامي، ونحيي الأمل والعزم في نفوس الأجيال في قيام كيان سياسي مستند إلى أخلاق الإسلام الكونية وشريعته؛ يجمع شتات الأمة ويداوي جراحها. كيف يتحقق ذلك الحلم؟ له حديث آخر يطول.