كتاب عربي 21

نزاع الاحتفاظ بعوائد النفط بين القانوني والسياسي

1300x600

مظهر جديد من مظاهر التأزيم في ليبيا كان موضوعه الجدل وتبادل التهم بين المصرف المركزي بطرابلس والمؤسسة الوطنية للنفط، بدأ بالخصام حول دقة البيانات الصادرة عن المؤسستين السياديتين واتهامات بالتضليل في التقارير الخاصة بحجم المبيعات والإيرادات، وانتهى إلى إعلان رئيس مؤسسة النفط بحجز إيرادات النفط في حساب المؤسسة بالمصرف العربي الليبي الخارجي وحجبها عن المصرف المركزي.

قرار المؤسسة الوطنية للنفط أثار جدلا واسعا فتح المجال للتأويلات السياسية التي ذهب بعضها إلى اتهام رئيس المؤسسة الوطنية بالضلوع في مؤامرة تحقق مصالح وغايات المشروع العسكري وجبهة طبرق والرجمة بعد أن فشلتا في تحقيق ذلك عبر العدوان على العاصمة، فيما تتهم المؤسسة المركزي بعدم الشفافية في بياناته حول النفقات العامة.

الموقف القانوني

ما تقضي به القوانين والإجراءات المالية المعموم بها في البلاد أن تحيل المؤسسة الوطنية للنفط عوائد بيع الخام الليبي إلى حساب في المصرف الخارجي تابع للمصرف المركزي وذلك في غضون 48 ساعة من استلامها للإيرادات في حساب المؤسسة في ذات المصرف.

كما تقضي القوانين، خاصة قانون المصارف، بأن لا تحتفظ المؤسسات العامة التابعة للدولة بنقد أجنبي في حسابات تخصها إلا إذا كان النقد الأجنبي عائد لنشاطها، سواء كان إنتاجيا أو تجاريا أو خدميا.

 

إن تعطيل النشاط الاقتصادي والإضرار بعيش الليبيين باستمرار النزاع وإطالة أمده كارثي بكل ما تعني الكلمة، ويتحمل مسؤوليته كل من ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية سواء من طرف الرئاسي أو المصرف المركزي أو غيرهما.

 



وباعتبار أن نشاط المؤسسة الوطنية للنفط فني ولا علاقة له بالتصرف في إيرادات الخام فإنه لا يجوز لها الاحتفاظ بالنقد الأجنبي في شكل إيرادات لبيع النفط ويعتبر احتجازها مخالفا للقانون.

المؤسسة أحالت في بيانها الأخير مسؤولية احتجاز إيرادات النفط إلى توجيه من قبل المجلس الرئاسي، وهي بهذا تحاول إخلاء مسؤوليتها وتحميل الرئاسي المسؤولية، دون أن يحقق التبرير ما تبغيه، باعتبار أن الإجراء يتعدى صلاحيات الاثنين كون إدارة المال العام محكومة بقوانين وأن التعامل مع إيرادات الدولة من قبل الحكومة يتم وفق قانون الميزانية أو بالتوافق على الترتيبات المالية كما هو نافذ منذ العام 2016م.

السياسة في قلب النزاع

ما لا يمكن تجاهله أن النزاع بين المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط يقع في خضم المسارات والمبادرات السياسية لاحتواء الأزمة الليبية، فلقد صارت إيرادات النفط محل نزاع كبير وركيزة من ركائز التسوية السياسية، وبالتالي فإن ما جرى لا يمكن فصله عن تلك المسارات والمبادرات.

من ناحية أخرى، فإن المجلس الرئاسي، الذي وضعه البيان الأخير للمؤسسة الوطنية للنفط في قلب المشكلة، يناور منذ مدة للحد من سلطة المصرف المركزي على الإيرادات وحتى الإنفاق كون المركزي قد تعدى صلاحياته في ما يتعلق بالتعامل مع العديد من أذونات الصرف الصادرة عن وزارة المالية المعنية بتنفيذ الميزانية أو الترتيبات المالية. ولقد أصاب النشاط الاقتصادي الكثير بسبب خلاف الرئاسي والمركزي، وحمل كل طرف مسؤولية الجمود الاقتصادي وتردي مستوى عيش الليبيين للطرف الآخر في تراشق محزن مستمر منذ حوالي العام. ومن المهم التنويه بأن بيان المؤسسة ربط بين قراري احتجاز عوائد النفط وشفافية المصرف المركزي وبين مطالبة الأخير بتبيان أوجه صرف 180 مليار دولار خلال السنوات الماضية.

النزاع ومبادرة حفتر وامعيتيق

يذهب البعض إلى أن ما وقع من نزاع بين المؤسستين الكبيرتين ثم إعلان المؤسسة عن عدم تحويل الإيرادات إلى المصرف المركزي هو حلقة من حلقات تنفيذ اتفاق حفتر وامعيتيق الذي تضمن بندا يقضي بتقاسم عوائد النفط. وفي نظري أن الربط لا مسوغ له حتى اللحظة، فقد بررت المؤسسة احتجاز الإيرادات النفطية إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وهذا ما تحدث عنه السراج في مبادرته التي أطلقها في شهر آب (أغسطس) الماضي، وسيكون تصرف الرئاسي في الأموال المحتجزة دون تسوية سياسية شاملة أو تنسيق مع المصرف المركزي في إطار الترتيبات المالية منزلق خطير قد يفجر الوضع.

لقد بات الوضع حرجا جدا، وصارت الحاجة إلى توافق شامل وعادل الضامن لعدم الانزلاق إلى مستوى جديد من التأزيم، فإيرادات النفط مسألة سيادية لا ينبغي التعاطي معها بهذا الآداء المرتبك، كما أن تعطيل النشاط الاقتصادي والإضرار بعيش الليبيين باستمرار النزاع وإطالة أمده كارثي بكل ما تعني الكلمة، ويتحمل مسؤوليته كل من ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية والمالية سواء من طرف الرئاسي أو المصرف المركزي أو غيرهما.