قضايا وآراء

لبنان: حكومة الخطوة الخلفية

1300x600
من الواضح أن معارك طواحين الهواء بين السياسيين اللبنانيين لم تنجز إلا المآسي للشعب المسكين والمستكين، ومن الواضح أن جميع القوى السياسية ذاهبة إلى حكومة الخطوة إلى الوراء أو الخطوة الخلفية، وذلك لحفظ رأسها في زمن الانتخابات الأمريكية والدور الأمريكي المبهم؛ تارة بالعقوبات وطورا بالزيارات وأحيانا بالبيانات ومرورا بالمكالمات الهاتفية والالكترونية، والتي جعلت الموقف الأمريكي كحال الطقس الخريفي اللبناني، أي مشمس إلى غائم جزئيا مع احتمال حدوث أمطار.

وربما شكلت ضبابية الموقف الأمريكي على تنوع أساليبها مدخلا لولوج الرئيس سعد الحريري الحلبة بمراهنة "صولد وأكبر" للعودة للسرايا الحكومية بعد جولات وصولات منذ الاستقالة التشرينية السابقة 2019 وصولا إلى التكليف التشريني الجديد2020، في خطوة مبهمة تُختصر أبعادها بخطوة خلفية لاستعادة الموقع والشرعية ضمن البيت السني ولاحقا في سلم التفاوض الوطني، حيث كثرت القضايا الكبرى؛ من الاقتصاد المنهار إلى النقد الهزيل والليرة المنهارة، وصندوق النقد الحاضر خلف باب الأزمة بشروطه القاسية في كأس المر القادم إلى لبنان، وعودة مفاوضات الترسيم مع الاحتلال الإسرائيلي بالرعاية الأمريكية- الأممية الحساسة الأبعاد وطنيا ودوليا.

كل هذه الملفات أملت الخطوة الخلفية على الحريري الابن، بعد صراعات للترشح للمنصب والعزوف عنه مرارا منذ استلام الرئيس حسان دياب وصولا إلى الرئيس المكلف السفير مصطفى أديب؛ الذي شكل باستقالته من التأليف حجر زاوية لعودة الحريري من جهة وعودة الأطراف الباقية إلى الطاولة بعدما رفعت الشروط إلى عنان السماء.

تلك السقوف العالية لم تستمر؛ من لبن العصفور الذي وفره الرئيس بري في عداد النواب المسمين للحريري في الاستشارات النيابية، إلى حزب الله الضاغط على الحلفاء وصولا إلى التسمية المبهمة لتمهيد الخطوة الخلفية لرئيس الجمهورية وتياره السياسي وعلى رأسه الوزير السابق جبران باسيل، للعودة خطوة خلفية للبناء في إنجاز ملف التأليف الذي على ما يبدو من التسريبات القليلة المتوافرة (وللحقيقة لا معلومات كاملة عن الأجواء لكن ما تسنَّى بلوغه) أنّ الحريري يرسم فسيفساء التشكيلة الحكومية بـ18 وزيرا، ما يؤدي إلى حصر التوزيع بـنصف دزينة لكل فريق دون أن يترتب عن ذلك أي تأمين لثلث معطل لأي فريق، على أن يكون التوزيع وفق الشكل التالي: ستة وزراء للثنائي الشيعي + تيار المردة (8 آذار سابقاً)، وستة وزراء لتيار المستقبل + الحزب التقدمي الاشتراكي (14 آذار سابقاً)، يُضاف إليهم تيار العزم في حال تمثل (الخارجية)، وستة وزراء لرئاسة الجمهورية والأرمن بالتنسيق مع التيار الوطني الحرّ الذي عاد خطوته الخلفية إن عبر ميثاقية المشاركة في الاستشارات النيابية الملزمة مع رئيس البلاد لتسمية رئيس حكومة، وإن عبر حضور رئيسه إلى البرلمان في الاستشارات غير الملزمة مع رئيس الحكومة المكلف.. سواء كانت تلك الخطوة إلى الوراء نتيجة ضغط العقوبات الأمريكية، أم نتيجة البناء على موقف الحريري الذي يمثل معادلة الأقوى في طائفته تمهيدا للانتخابات الرئاسية القادمة، أم إرضاء للحليف وحليف الحليف، أم على ما تبقى من عهد الرئيس عون، علما أنه بكل الأحوال والسيناريوهات فإن الخطوة الخلفية بأثمانها سلبا أم إيجابا باتت واضحة المعالم.

ولم يكن حال القوى الأخرى أخف وطأة، فالوزير السابق ورئيس حزب التقدمي الاشتراكي رفع سقفه في مقابلته التلفزيونية الشهيرة تجاه الحريري، لكن سرعان ما عاد خطوة خلفية تحت العباءة الفرنسية التي تجلت في وصل ما انقطع في صراع الحلفاء من جهة، ومن جهة ثانية الرغبة في العودة إلى الحكومة وإن من بوابة وزارة الصحة التي ستكون في عين العاصفة مع تجدد "كوفيد 19" الذي يضرب بقوة في هذه الأيام.

تضاف إلى ذلك خطوة التيارات الدائرة في الفلك السوري والتي اتخذت خطوة خلفية في تسمية الحريري، إن بفعل التمني من الحلفاء المحليين وإن بفعل رياح الإقليم ومتغيراته المتلاحقة، من أبو ظبي إلى المنامة مرورا بالخرطوم في الساعات الأخيرة، مع ما يحكى عن دور روسي بالتنسيق مع الأمريكان لبلورة رؤية في الملف السوري الداخلي ومع الإسرائيلي، لتمهيد خطوة جديدة في مكان ما.

وحدها القوات اللبنانية ما زالت عند موقفها في انتظار رياح الداخل القابض على جمر المؤشرات الاقتصادية التي تذبح المواطن البسيط من الوريد إلى الوريد. ولا أدل على ذلك ما توقّعه صندوق النقد الدولي بأنّ يسجّل الاقتصاد اللبناني هذا العام تراجعاً في النمو وانكماشاً حاداً بنسبة 25 في المئة. ولفت إلى أن حجم الاقتصاد انخفض من 52.5 مليار دولار في العام 2019 إلى 18.7 ملياراً في العام 2020، وهو المستوى الذي سجّله في العام 2002.

أما بشأن غلاء الأسعار، فيتوقع الصندوق أن يرتفع معدّل التضخم وأسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 144.5 في المئة مقارنة مع العام الماضي، مسجّلاً مستوى قياسياً لم يبلغه منذ أوائل التسعينيات (1992).

لا ريب أيضا أن فرنسا اتخذت خطوة خلفية في جملة عقد في الداخل اللبناني، لا سيما حديث الرئيس الفرنسي من المرفأ عن حزب الله ودوره، وصولا إلى دور كاسحة الألغام المتنقلة لإنقاذ مبادرة ماكرون.

إن مجمل الخطوات المسجلة إلى الوراء من القوى السياسية في سبيل إنقاذ نفسها أولا وإنقاذ ما تبقى من لبنان حتى لا يضربه الزوال، كما قال ناظر الخارجية الفرنسية جان ايف لو درويان، يتطلب حكومة فاعلة قادرة وبعيدة عن المحاصصة الحاصلة حاليا. ولكن هل إلى خروج من سبيل في لعبة الطوائف والمغانم التي لا تنتهي والتي تحكم الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود؟

من الواضح أن عقارب الساعة عادت هي الأخرى خطوة خلفية إلى تشرين الأول/ أكتوبر 2019، مع عودة الطبقة السياسية إلى الحكم بفعل الضرورة الحتمية وملء الفراغ القاتل، فهل تحمل الخطوات الخلفية لكل القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية قوة دفع لبنان إلى الأمام، أم أن الشياطين ستحضر في تفاصيل التشكيل الحكومي، وعليه تعود حليمة لعادتها القديمة؟!