كتاب عربي 21

البرهان وفزر الكيمان كمان وكمان

1300x600

في السابع من شباط (فبراير) من هذا العام نشرت لي "عربي21" مقالا بعنوان "البرهان اختار فرز الكيمان"، جاء في الفقرة الأولى منه: الكيمان في العامية السودانية هي جمع "كوم"، والكوم فيما تقول قواميس اللغة هو "كلُّ ما اجتمع وارتفع له رأسٌ من تراب أو رمل أو حجارة أَو قمح، أَو نحو ذلك"، وفرز الكيمان عند أهل السودان هو انفصال فرد أو مجموعة عن طرف أو أطراف أخرى، وتشبهه في المعنى والدلالة عبارة "فرز العِيشة"، وتعني فض الشراكة في أمور المعيشة، فيما تسميه شعوب عربية أخرى "كل حي يروح لحاله".

وكان ذلك بمناسبة اجتماع الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي بيوغندا، من وراء ظهر مجلس الوزراء السوداني، وكانت تلك أول وأخطر خطوة أقدم عليها عسكر السلطة في السودان في مسعاهم لسرقة العمل العام، بعد أن خاب مسعاهم لسرقة الثورة الشعبية التي أطاحت بحكم عمر البشير، وتجييرها لصالح نخبة عسكرية نشأت وترعرعت تحت وصاية البشير الذي كان قائدها الأعلى.

وشهد الأسبوع الماضي احتفالات الجيش السوداني بعيده الـ 66، ووجدها قائدها العام البرهان فرصة لكشف أوراقه، وليقول للعسكريين الذين حشدهم في الصالات، إنهم في خندق يقابل الخندق الذي يرابط فيه مدنيو مجلس الوزراء، وتكلم بحماس دافق عن فشل الحكومة المدنية في إدارة الملف الاقتصادي، وعن أفضال الجيش على الشعب، والتي تمثلت في عرض الجيش على الحكومة عددا من مؤسساته التجارية، زاعما أن وزارة المالية تقاعست عن قبول تلك الهدية السخية، ولم يفته أن يعدد جمائل العسكر على الشعب، وتحدث عن أن قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان حميدتي تبرع للخزينة العامة قبل أشهر بمائة مليون دولار، ولكن فات عليه أن يقول من أين لحميدتي مثل هذا المبلغ، وما إذا كان ذلك التبرع من قبيل: يجود علينا الخيرون بمالهم / ونحن بمال الخيرين نجود (والخيرون هنا هم المواطنون السودانيون أصحاب تلك الأموال الحقيقيون).

 

كانت مخاطبات البرهان لحشود العسكر مرتجلة، ومثل تلك الخطب تكون بلا كوابح لأن الغاية منها دغدغة العواطف وليس مخاطبة العقول، ومن ثم فقد وجد الرجل نفسه يشرِّق ويغرِّب ويغرد خارج سرب الحكومة التي هو أكبر رأس فيها، بل ويطعن تلك الحكومة في خاصرتها،

 



كانت مخاطبات البرهان لحشود العسكر مرتجلة، ومثل تلك الخطب تكون بلا كوابح لأن الغاية منها دغدغة العواطف وليس مخاطبة العقول، ومن ثم فقد وجد الرجل نفسه يشرِّق ويغرِّب ويغرد خارج سرب الحكومة التي هو أكبر رأس فيها، بل ويطعن تلك الحكومة في خاصرتها، ولم يغب عن بال من استمعوا له وهو يهدر والكلمات واللكمات تتطاير من فمه في إطار "مُمَسْرَح"، حيث كان هناك من يتولى ترديد مقاطع شعرية تحكي بطولات الجيش و"هتِّيقة" يصرخون بهتافات مجترة؛ لم يغب عن بالهم أن الرجل مثل بقية جنرالات الجيش غاضب لتصاعد المطالبات بأيلولة شركات الجيش وقطاع الأمن إلى وزارة الداخلية، وكان رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قد أعلن مؤخرا أن الخزينة العامة لا تتلقى أكثر من 18% من الإيرادات، ولم يكن الشعب بحاجة إلى من يقول له أين تذهب الـ 82% من الإيرادات العامة.

خاطب البرهان العسكريين وكأنه مجرد مراقب للشأن العام، وليس كأعلى سلطة في الحكم، فتحدث عن الضائقة المعيشية ومعاناة الشعب، محملا مسؤولية ذلك لـ "الحكومة"، مما جعل الناس يستذكرون سيناريو انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر الذي أوصله إلى السلطة كحاكم مطلق، بذريعة التخفيف من معاناة الشعب وتحقيق الرفاهية وما إلى ذلك من وعود وردية، ويذكِّرون البرهان أنه سبق أن جرب سيناريو مجزرة رابعة المصري في الخرطوم وكان ذلك وبالا على طموحات عسكر السودان لأنه زاد القوى المدنية عزيمة ومكَّنها من إجهاض محاولات العسكر سرقة الحكم والسلطة.

وقال البرهان كل ما قال عن سوء الحال والمآل قبل يومين من الموعد المحدد لزيارة وزير الخارجية الأمريكي بومبيو للخرطوم، والغاية المعلنة لتلك الزيارة هي تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، بحيث يكون ذلك هدية من السودان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكسب بها أصوات يهود أمريكا وهو يخوض الانتخابات للفوز بولاية رئاسية ثانية، وليس من المستبعد أن البرهان، وبحكم أنه دفع سلفا عربون الصداقة لإسرائيل بالالتقاء بنتنياهو، يعتقد أنه سيفوز برضا أمريكا إذا انتزع الحكم من المدنيين "المشاغبين الذين ما زالوا يرددون الموال ذا الصلاحية المنتهية من شاكلة لاءات الخرطوم الثلاثة".

ومن حق كل من يريد للسودان أن يدخل بيت الطاعة الأمريكي من البوابة الإسرائيلية أن يحلم بذلك، ولكن ردود الفعل الشعبية والرسمية الغاضبة على لقاء البرهان ـ نتنياهو كانت ولا تزال رسالة واضحة بأن التطبيع ليس واردا أصلا في أجندة الحكومة السودانية الراهنة، والتي على رأس أولوياتها تطبيع العلاقات بين شعوب وقبائل السودان المتناحرة، في ظل إدراك عام بأنه لا خير يرتجى من التطبيع مع إسرائيل المعتمدة كليا على عطايا عبد المعين الأمريكي.