قضايا وآراء

القومية العربية عندما تتحول إلى مشروع إبادة للشعوب

1300x600
ظهرت القومية العربية كتيار طاغ، بعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية)، وما رافق هذا الحدث من احتلال معظم الأقطار العربية، وتقسيمها وفق اتفاقية سايكس بيكو 1916، التي حملت اسمي مندوبي بريطانيا وفرنسا.

وعندما تحوّلت القومية العربية من مشروع تحرر من الاحتلال الغربي، إلى مشروع سلطة، كشرت أنيابها في وجه الشعوب العربية، وغرزت نصلها في رقاب المواطنين وحطمت الإنسان العربي، تحت ذرائع مستهلكة  كالأمن القومي ومحاربة الارهاب، وفوق حقيقة واحدة غير معلنة، هي إبقاء الحاكم على كرسي السلطة، أو صراع على السلطة الخاسر فيه هو الشعب. ومن يقرأ تاريخ النظم القومية في مصر عبد الناصر وسوريا الأسد وليبيا القذافي، سيجد في طريقه جرائم ومجازر مهولة، يشيب لها شعر الرأس.

لست هنا للحديث عن القومية التي مضت بعد أن أذاقت الناس الويلات، وبقيت آثارها المأساوية حتى اللحظة الراهنة، إنما للحديث عن النسخة الجديدة للقومية العربية، التي تضم في طياتها خليطا من نظم جمهورية وملكية، تتفق في ضرورة "تأميم القمع العربي"، ورفض أي تدخل إسلامي إيجابي في هذا المشهد القمعي، مع الترحيب بالمنتج القمعي الغربي والاصطفاف معه. وإذا كانت شعارات القومية التي مضت رفعت شعارات التأميم من قبيل" نفط العرب للعرب"، فإن القومية الجديدة اتخذت شعارات تأميم غير معلنة أولها "دم العرب للعرب".

عندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003، لم تجد حليفا لها أفضل من بعض الأنظمة العربية، واستخدمت قاعدة الأمير سلطان الجوية وبعض مطارات المملكة السعودية في المرحلة الأساسية من الغزو، قبل أن تغادر إلى قاعدة العديد في قطر، بعد نجاح هذه المرحلة، وفق التقييم الأمريكي، وكانت النتيجة تدمير مهول للأرض والإنسان، في سبيل إسقاط نظام صدام حسين، القضية التي عبّر عنها الحاكم المدني للعراق بول بريمر بأنها "أنهت هيمنة ألف عام من الحكم السنّي في العراق".

وعندما تشكّل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، شاركت 10 أنظمة عربية بفاعلية كبيرة في هذا التحالف، جنبا إلى جنب مع إيران ووكلائها المحليين داخل العراق وسوريا، وكانت النتيجة كارثية على حواضر المدن السنيّة، بينما خرج تنظيم الدولة من هذه الحملة بأقل الخسائر.

في سوريا، ساندت أنظمة عربية نظام بشار الأسد في مواجهة الثورة، وما تزال، ولم تجد حرجا في إعادة تسويق النظام مجددا، بعد استشهاد وتشرّد ملايين السوريين في جرائم ومجازر ذات أساليب مقززة، واعتقال الآلاف منهم قسراً وتعذيبهم بصور سادية تفوق الخيال.

وفي ليبيا اتخذت أنظمة عربية نفس الموقف مع العجوز حفتر، الذي نفذ جنوده مجازر وحشية وممارسات بشعة، وصلت إلى حد نبش القبور وصلب هياكل الموتى.

وفي اليمن، ساندت أنظمة عربية نظام صالح ابتداءً، ثم ساندت تحالفه مع الحوثيين، ثم تدخلت لمحاربة الحوثيين. لكن الحقيقة الماثلة، تظهر أن الحرب استهدفت اليمنيين أكثر من الحوثيين بآلاف المرّات.

هذه الجرائم السابقة، وغيرها الكثير مما تجيده القومية العربية في نسختها الجديدة، لم تشكّل تحديا وجوديا أو قوميا للمنظومة القومية، إذ لا حرج ما دام الجلاد عربيا أو غربيا والضحية مسلما عربيا. بل إن الجرم القومي العربي وصل إلى دول إسلامية، كدعم المحاولة الانقلابية في تركيا، والمشاركة المباشرة إلى جانب الولايات المتحدة في حرب أفغانستان، ودعم القمع الصيني لأقلية الإيغور المسلمة، ومنح الأوسمة لرئيس الوزراء الهندي ناريمانديرا مودي مكافأة له على إجراءاته العنصرية ضد مسلمي الهند، ودعم التدخل الفرنسي في مالي، وغير ذلك من التدخلات السلبية المدمّرة، لكن ما الذي يحدث عندما يحدث تدخل إسلامي إيجابي في المنطقة العربية؟

ولنأخذ التدخل التركي في المنطقة العربية، كأظهر مثال على نموذج التدخل الإسلامي الإيجابي في المنطقة العربية. وعندما أصفه بالإيجابي فمن ناحية مردوده على الشعوب العربية المضطهدة، وهذا لا يعني أن هذا التدخل جاء من أجل الشعوب، بقدر ارتباطه بشكل أساسي بالمصالح التركية.

عندما تدخلت تركيا في سوريا ضمن عملياتها العسكرية (درع الفرات 2016، وغصن الزيتون 2018، ونبع السلام2019)، وصولا إلى تدخلها الأكثر حضورا في إدلب التي تضم ما يقارب الأربعة ملايين مواطن سوري، فروا من ظلم نظام الأسد "القومي" المدعوم عربيا وغربيا، والاحتلالين الروسي الإيراني، عندما حدث التدخل التركي في هذه المنطقة، أصيبت النظم العربية بحالة من الهياج، وسارعت إلى إصدار بيان باسم الجامعة العربية يدين ما وصفه بالاحتلال التركي لأراض عربية، وتجاهلت القصف الروسي الهمجي الذي مسح معرّة النعمان وبلدات مجاورة من الخارطة.

عندما تدخلت تركيا في ليبيا، ضمن اتفاق وقعته مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا مطلع 2020، وأوقفت زحف المتمرد حفتر باتجاه العاصمة طرابلس، ثارت الجامعة العربية التي تمثل القومية العربية بنسختها الجديدة، وتحركت الآلة الإعلامية بالدعوة لمقاطعة كل ما هو تركي، واستدعاء صورة مزورة من التاريخ العثماني إمعانا في تشويه الخلافة العثمانية، التي لو لم تسقط لما وجدت "القومية القمعية العربية" أرضية تمارس عليها مشروعها العنصري المدمّر.

ومن مهازل القومية العربية الجديدة، أن نظام السيسي اتخذ قرارا بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا دعما لحفتر، في نفس الوقت الذي أعلنت فيه إثيوبيا عن بدء تعبئة بحيرة سد النهضة من مياه نهر النيل، الأمر الذي يشكّل خطرا حقيقيا على الأمن القومي المصري، ولكنها "القومية" التي ضلت الطريق سعيا وراء مصالحها، دونما اعتبار لمصالح الشعوب.

ومن مهازل القومية العربية الجديدة، أنها اتخذت موقفا رافضا للقرار التركي بإعادة فتح آيا صوفيا كمسجد، بعد أن بقي متحفا لنحو تسعة عقود، واتسمت هذه المواقف بحدية وهجومية أكثر من مثيلاتها التي صدرت عن أنظمة غربية مسيحية، وما ذلك إلا لأن تركيا تدخلت إيجابا في سوريا وليبيا، ولو لم تتدخل لتغيّرت المواقف.

ومن مهازل القومية العربية الجديدة، أنها لم تهاجم الاحتلال الإيراني المدمّر لأربع دول عربية وتضرر منه ملايين المواطنين، مثلما هاجمت التدخل التركي المحدود في ثلاث دول واستفاد منه ملايين المواطنين، ولو كان التدخل التركي جاء لمساندة الأسد وحفتر والسيسي ضد حريات الشعوب، لرأيت القومية العربية أول من يبارك هذا التدخل، ويعتبره جزءا من التعاون المشترك في حماية الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. 

إن القومية العربية بصورتها الجديدة، المستندة إلى قاعدة مواجهة ثورات الشعوب.. تعتقد أنها تملك مصائر الشعوب، تقتلهم كلما ثاروا عليها وعارضوها، وتعفو عنهم إن عادوا لحظيرتها، كما أنها لا تمانع في التعاون مع الغرب لقمع وإرهاب هذه الشعوب، أما إن أراد أي كيان إسلامي أن يحول بين هاته القومية العربية وأنظمتها وبين قمعها لشعوبها، فإن هذا تهديد صريح للأمن القومي، تتطلب مواجهته باستدعاء لغة عنصرية، تدعو الأعراق الأخرى لترك العرب وشأنهم، بلغة جاهلية تجاوزتها رسالة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جعل التقوى معيارا تفاضليا بين المسلمين؛ يتجاوز العرق واللون واللغة، وجعل النصرة واجبة لكل المستضعفين في الأرض.