قضايا وآراء

امتناعُ عليّ عن مبايعة أبي بكرٍ.. قراءة في الدلالات

1300x600

الرّواية الصّحيحة لامتناع عليّ عن بيعة ابي بكرٍ رضي الله عنهما

 
تعدّدت الرّوايات بشأن تأخّر بيعة عليّ لأبي بكر رضي الله عنهما؛ فهل كانت في اليوم التالي أم بعد ستّة أشهر أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها؟

وروايةُ الصّحيحين صريحةٌ واضحةٌ في أنّ عليّا رضي الله عنه امتنع عن بيعة أبي بكرٍ رضي الله عنه ابتداء إلى أن توفيت زوجته، والرّوايات التي تفيد مبادرته للبيعة في اليوم التّالي في عمومها رواياتٌ لا تخلو من ضعفٍ، إضافة إلى معارضتها الصريحة لرواية الصّحيحين، وكذلكَ فإنّ الرّوايات التي تقول: إنّ عليّا رضي الله عنه بايع مرّتين؛ مرة في اليوم التّالي لاستلام أبي بكر ومرّة أخرى بعد هي محاولةٌ للخروج من مأزق معارضة الصّحيحين، وهي محاولات تسيءُ إلى صورة عليّ رضي الله عنه ولا تنصفه كما يتوهّمُ متبنُّوها؛ فتكرارُ البيعةِ بعد وفاة فاطمة فيه اتّهامٌ لصدق البيعةِ التي كانت حيالَ حياتها.

وهذا هو نصّ الرّواية في صحيحيّ البخاري ومسلم:

"عن عائِشَةَ أنَّ فاطِمَةَ عليها السَّلامُ، بنْتَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرْسَلَتْ إلى أبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيراثَها مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ممَّا أفاءَ اللَّهُ عليه بالمَدِينَةِ، وفَدَكٍ وما بَقِيَ مِن خُمُسِ خَيْبَرَ فقالَ أبو بَكْرٍ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ، إنَّما يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - في هذا المالِ، وإنِّي واللَّهِ لا أُغَيِّرُ شيئا مِن صَدَقَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن حالِها الَّتي كانَ عليها في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَأَعْمَلَنَّ فيها بما عَمِلَ به رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فأبَى أبو بَكْرٍ أنْ يَدْفَعَ إلى فاطِمَةَ مِنْها شيئا، فَوَجَدَتْ فاطِمَةُ علَى أبِي بَكْرٍ في ذلكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حتَّى تُوُفِّيَتْ، وعاشَتْ بَعْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَها زَوْجُها عَلِيٌّ لَيْلا، ولَمْ يُؤْذِنْ بها أبا بَكْرٍ وصَلَّى عليها، وكانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وجْهٌ حَياةَ فاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فالْتَمَسَ مُصالَحَةَ أبِي بَكْرٍ ومُبايَعَتَهُ، ولَمْ يَكُنْ يُبايِعُ تِلكَ الأشْهُرَ، فأرْسَلَ إلى أبِي بَكْرٍ: أنِ ائْتِنا ولا يَأْتِنا أحَدٌ معكَ، كَراهية لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فقالَ عُمَرُ: لا واللَّهِ لا تَدْخُلُ عليهم وحْدَكَ، فقالَ أبو بَكْرٍ: وما عَسَيْتَهُمْ أنْ يَفْعَلُوا بي، واللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عليهم أبو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فقالَ: إنَّا قدْ عَرَفْنا فَضْلَكَ وما أعْطاكَ اللَّهُ، ولَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرا ساقَهُ اللَّهُ إلَيْكَ، ولَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عليْنا بالأمْرِ، وكُنَّا نَرَى لِقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَصِيبا، حتَّى فاضَتْ عَيْنا أبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أبو بَكْرٍ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ لَقَرابَةُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ أصِلَ مِن قَرابَتِي، وأَمَّا الذي شَجَرَ بَيْنِي وبيْنَكُمْ مِن هذِه الأمْوالِ، فَلَمْ آلُ فيها عَنِ الخَيْرِ، ولَمْ أتْرُكْ أمْرا رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصْنَعُهُ فيها إلَّا صَنَعْتُهُ، فقالَ عَلِيٌّ لأبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أبو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ علَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وعُذْرَهُ بالَّذِي اعْتَذَرَ إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أبِي بَكْرٍ، وحَدَّثَ: أنَّه لَمْ يَحْمِلْهُ علَى الذي صَنَعَ نَفاسَة علَى أبِي بَكْرٍ، ولا إنْكارا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ به، ولَكِنَّا نَرَى لنا في هذا الأمْرِ نَصِيبا، فاسْتَبَدَّ عَلَيْنا، فَوَجَدْنا في أنْفُسِنا، فَسُرَّ بذلكَ المُسْلِمُونَ، وقالوا: أصَبْتَ، وكانَ المُسْلِمُونَ إلى عَلِيٍّ قَرِيبا، حِينَ راجَعَ الأمْرَ المَعْرُوف"

هل كانَ عليٌّ يرى أنّه الأحقّ بالخلافةِ من أبي بكر؟

الحديث في الصّحيحين يثبت بكلّ وضوح أنّ عليّا رضي الله عنه كان يرى أنّه أحقّ بالخلافة من أبي بكر،ٍ وأنّ سبب امتناعه عن البيعة هو رؤيته تلك، وذلك في موضعين من الحديث هما:

"وكُنَّا نَرَى لِقَرابَتِنا مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَصِيبا"، و"أنَّه لَمْ يَحْمِلْهُ علَى الذي صَنَعَ نَفاسَة علَى أبِي بَكْرٍ، ولا إنْكارا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ به، ولَكِنَّا نَرَى لنا في هذا الأمْرِ نَصِيبا، فاسْتَبَدَّ عَلَيْنا، فَوَجَدْنا في أنْفُسِنا".

ولكن لماذا يجتهدُ الكثيرون لإثبات أنّ عليّا لم يكن يرى ذلك؟

إنّ التعامل مع الصّحب الكرام رضوان الله تعالى عنهم أجمعين بمنطق الملائكيّة والعصمة؛ هو ما يجعل الكثيرين يأنفون من تصديق هذه الرّوايات ويدفعهم إلى إنكارِها أو تأويلها تأويلا لا يختلفُ عن الإنكارِ في شيء.

إنّ إخراج الصّحب الكرام من دائرة الملائكيّة إلى دائرة البشريّة الواقعيّة يجعلنا نرى المشهد طبيعيّا في سياقه، ونقف عنده وقفات للتفكّر والاسترشاد.

ثمّ أين تكمنُ المشكلةُ في أن يرى عليٌّ نفسه أحقّ بالخلافة من أبي بكرٍ رضي الله عنهما؟

من حقّ أيّ شخصٍ أن يرى أنّه الأحقّ بالقيادة والأجدر بها والأقدرُ على القيام بأعبائها وشؤونِها. ومن الطّبيعيّ أن تتنازع نفسُ أيّ شخصٍ كان، سواءٌ في ذلك عليّ وغيره الرّغبة في السلطة والحكم.

ومن حقّ عليّ رضي الله عنه أن يعتب لعدم إشراكه في المشورة، ومن حقّه أن يمتنع عن البيعة، وهذا ينسجم مع الطّبيعة البشريّة التي يحملها كلّ إنسان بين جنبيه؛ ورؤيته هذه لا يلزم منها أن تكون صحيحة، كما أنّها لا تؤثّر على مكانته وفضله، ولا تقدح في عظيم قدره رضي الله عنه.

لماذا تراجعَ عليّ عن موقفه الرّافض لبيعة أبي بكر؟

لقد بيّن عليّا رضي الله عنه الدّافع إلى ذلك في قوله: "وكانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وجْهٌ حَياةَ فاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فالْتَمَسَ مُصالَحَةَ أبِي بَكْرٍ ومُبايَعَتَهُ".

وهذا يمكن أن نطلق عليه "ضغط الرّأي العام" فقبلَ وفاة فاطمة كان النّاس يتعاملون معه بشكلٍ طبيعيّ ودرجة عالية من الإجلال، وهذا واضحٌ أنّ فيه تفهّما لموقفه ولحرجه من زوجته التي كانت على خلافٍ مع أبي بكرٍ رضي الله عنهما.

وقد قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: "وكأنّهم كانوا يعذرونه في التخلّف عن أبي بكر في مدّة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عمّا هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لمّا غضبت من ردّ أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه".

ولكنّه بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها رأى تغيّرا في تعامل النّاس معه، حتّى كان هذا التغيّر عامل ضغطٍ عليه لتغيير موقفه من بيعة أبي بكرٍ رضي الله عنه

وهكذا هو المجتمع الرّاشد يمثّل حالة نقديّة ورقابيّة شعبيّة على النّخب السياسيّة، ويشكّل رأيه العام حالة ضغطٍ ناعمة على التّوجهات والمواقف النّخبويّة.

عليّ لم يبايع أبا بكرٍ؛ فأين الإجماع على بيعته؟!

إنّ موقف عليّ رضي الله عنه استدعى جدلا وإثارة؛ مفادها بأنَّ عدم مبايعة عليّ رضي الله عنه تقدح في خلافة أبي بكر لعدم انعقاد الإجماع على ذلك، وهذا يجاب عليه بأمور:

أوّلا: إنَّ عليّا تأخر عن إعلان البيعة لأبي بكر الصّديق رضي الله عنها ولم يبقَ مصرّا على رفضها. ولو افترضنا أنَّ عليّا رفض البيعة مطلقا واستمرّ على ذلك، فإنّ ذلك لا يؤثّر على البيعة ولا على مكانة أبي بكر أو مكانة عليّ رضي الله عنهما.

ثانيا: مَن قال بأنَّ البيعة لا تنعقدُ إلَّا بالإجماع؛ وأنَّ صحة مبايعة أبي بكر أو غيره من الخلفاء لا تكون صحيحة إلا إذا نال نسبةَ مئةٍ في المئة من الأصوات؟!!

إنَّ البيعة تنعقد بمبايعة الغالبيّة من النّاس ولا يشترط أن يبايع النّاس جميعا، والشّرط هو عند عدم مبايعتهم أن لا يقوموا بالتشويش على البيعة العامّة التي اتخذتها الأغلبيّة، ويفتعلوا الانشقاقات والمواجهات الممزّقة لكيان الدّولة عقب انعقاد البيعة بمبايعة الأغلبيّة، كونهم يرونَ أنّهم أحقّ بالحكم أو القيادة.

وفي هذا الإطار، قال الإمام النووي كلاما عميقا وعظيما في شرحه لحديث مسلم الذي يتحدّث عن تأخّر عليّ رضي الله عنه في مبايعة أبي بكر يقول فيه:

"أمّا تأخّر عليّ رضي الله عنه عن البيعة، فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر إلى أبي بكر رضي الله عنه.

ومع هذا فتأخّره ليس بقادحٍ في البيعة ولا فيه؛ أما البيعة فقد اتّفق العلماء على أنّه لا يشترط لصحّتها مبايعة كلّ الناس ولا كلّ أهل الحلّ والعقد، وإنّما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس.

 وأما عدم القدح فيه فلأنّه لا يجبُ على كلّ واحدٍ أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنّما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقيادَ له وألّا يظهر خلافا ولا يشقّ العصا.

وهكذا كان شأن عليّ رضي الله عنه في تلك المدة التي قبلَ بيعته، فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافا ولا شقّ العصا، ولكنه تأخّر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث.

ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقّفا على حضوره؛ فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره، فلمّا لم يجب لم يحضر، وما نقل عنه قدحٌ في البيعة ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب فتأخّر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب أنّه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كلّ شيء وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك؛ رأى أنه لا يستبدّ بأمرٍ إلا بمشورته وحضوره.

وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا؛ لأنّهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسدُ عظيمة؛ ولهذا أخّروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهمّ الأمور، كيلا يقع نزاعٌ في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك، وليس لهم من يفصّل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهمّ الأشياء، والله أعلم".

إنّ انطلاق قطار الحكم الرّاشدي في الأمّة كان بأيدي الجماهير التي اختارت بحريّة وعبّرت عن مواقفها وآرائها بشجاعة، دون أدنى تخوّف أو حرج من التعبير عن الرّأي الموافق أو المعترض أو الرّافض، وبعيدا عن أيّة أجواء كهنوتيّة، وبعيدا عن أيّة مظاهر للاستبداد الدّيني أو السّياسي.

twitter.com/muhammadkhm

الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع