بورتريه

فلسطين ليست خيمة

النكبة- عربي21

صور "كواشين" ملكية الأراضي والعقارات المهترئة، والمفتاح الكبير الذي أصابه الصدأ، المحفوظ في صندوق نحاسي، وصور البيوت التراثية التي تظللها أشجار الياسمين والزيتون، ما زالت ترمز إلى ما كان ذات يوم فلسطين التاريخية، فلسطين "الحجارة المرصوفة بعضها فوق بعض، بيارات البرتقال وعناقيد العنب المتدلية فوق ممرات البيوت العتيقة".


تاريخها في المائة سنة الفائتة كان سلسلة من المؤامرات والمؤتمرات والوعود الغربية الاستعمارية والخذلان، من أجل سرقة أرضها وتحويلها إلى "وطن يهودي" على حساب شعبها العربي الضارب في جذور التاريخ.

 

بريطانيا وفرنسا من وضعتا أسس تقسيم الوطن العربي في اتفاقية "سايكس بيكو"، كانتا تضعان أيضا الأسس الأولى لمأساة شعب فلسطين. بريطانيا وحدها من كانت تعرف التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان.


إذ بعد إسقاط الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بدأت قوى الاستعمار البريطاني التي "انتدبت" على فلسطين تنفيذ مخططها لبناء "دولة يهودية" على أرض فلسطين، وتوج ذلك عام 1917، بإعلان "وعد بلفور" الذي يؤكد إنشاء "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين.

 

اقرأ أيضا: بذكرى النكبة الـ72.. فلسطين بين تراجع عربي وتآمر دولي

وجاء "وعد بلفور" في رسالة كتبها وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور إلى أحد زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا البارون روتشيلد.


وكان وضع فلسطين تحت "الانتداب" البريطاني خطوة أولى في تحقيق "وعد بلفور" وتطبيقه على أرض الواقع.


ولم يقف أصحاب الأرض الفلسطينيون مكتوفي الأيدي، وإنما قاوموا بكل ما لديهم من قوة وسلاح جميع الخطط التي تسعى إلى تهويد بلادهم وإغراقها بموجات من المهاجرين اليهود، فقامت عدة ثورات لعل من أهمها ثورة فلسطين الكبرى التي استمرت نحو 3 سنوات ما بين عامي 1936 و1939 ، وكانت ثورة عربية ضد الاستعمار البريطاني والاستعمار الاستيطاني الصهيوني.


ومع تصاعد الهجمات الإرهابية الصهيونية ضد العرب والبريطانيين، قرر البريطانيون تسليم مسؤولية ملف فلسطين للأمم المتحدة التي تشكلت حديثا في ذلك الوقت، وضمت دولا بالكاد تعرف أين تقع فلسطين.


وفي عام 1947، اقترحت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية وعربية.


شكل اليهود في فلسطين وقتها أقل من ثلث السكان رغم موجات الهجرة التي تصاعدت بعد دخول الجنرال البريطاني "اللنبي (إدموند هنري هينمان)" القدس، وكانوا يسيطرون على مساحة تقل عن 6% فقط من دولة فلسطين التاريخية. غير أن الخطة المقترحة من قبل الأمم المتحدة خصصت لهم 55% من مساحة دولة فلسطين التاريخية.

 

اقرأ أيضا: الشيخ الخطيب يتحدث لـ"عربي21" عن فلسطين بذكرى نكبتها

وبعد أن تأكد لحكومة "الانتداب" أن القوى الصهيونية من القوة بحيث تستطيع الدفاع عن نفسها، وبعد أن رسخت الوجود اليهودي على أرض فلسطين، قرر البريطانيون إنهاء "انتدابهم" لفلسطين في 14 أيار/ مايو عام 1948.


ومع اقتراب هذا التاريخ، كثف الصهاينة جهودهم للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية. وارتكبت العصابات مجازر جماعية منظمة ضد الشعب الفلسطيني، وكانت الرسالة واضحة: إما أن يغادر الفلسطينيون أراضيهم، أو سنقتلهم.


وكان للحرب النفسية التي شنها الصهاينة ضد الفلسطينيين دور مركزي في تعجيل وتيرة عمليات الهجرة الجماعية للفلسطينيين، إذ استطاع اليهود من خلال بثهم تفاصيل المذابح بحق المدنيين، إفراغ الأرض من سكانها العرب.


وفي اليوم التالي لانسحاب قوات "الانتداب" البريطاني من فلسطين، أعلن رسميا عن إقامة "دولة إسرائيل".


وكشفت الصور المحفوظة في الأرشيف البريطاني وفي أرشيف الصحف والمجلات ووكالات الأنباء العالمية ومكتبة الكونغرس الأمريكي، عن حجم المقاومة الفلسطينية والعربية للمشروع الصهيوني، وعن حقيقة الحركة العمرانية والتجارية والحضارية النشطة في جميع المدن الفلسطينية قبل النكبة، مما يفند مقولتين بأن فلسطين كانت صحراء خالية من السكان، وبأن الفلسطينيين تركوا أرضهم وهربوا.


والصور التي نشرت لمئات الفلسطينيين وهم يحملون مفاتيح بيوتهم في فلسطين لا تكذب أبدا، والصورة كما يقال تغني عن ألف كلمة، وتقول الكثير من الكلام حول حلم لا يزال يراود مخيلة نحو 14 مليون فلسطيني في العودة إلى وطنهم، وإقامة دولتهم على ترابهم الوطني.


لكن ما حدث بعد 15 أيار 1948، شكل صورة خادعة ونمطية؛ إذ أصبح الفلسطينيون "أصحاب الأرض" الشرعيون بين ليلة وضحاها، بلا دولة وبلا أرض، وحملوا صفة لاجئين. فيما أصبح اليهود هم "أصحاب الأرض"، وخلال دقائق قليلة، اعترفت أكبر قوتين في العالم؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي بـ"إسرائيل".


وفي عام 1949، انضمت "إسرائيل" للأمم المتحدة كـ"دولة"، وعززت سيطرتها على أكثر من 78% من أراضي فلسطين التاريخية، وتمت تسمية الـ22% المتبقية منها "الضفة الغربية وقطاع غزة".


ويشير تقرير أصدره الجهاز المركزي للإحصاء في فلسطين إلى أن 66% من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 هجروا. وأشار إلى أن من طردوا عام 1948 كان حوالي 957 ألف عربي فلسطيني. وأشارت أرقام رسمية للأمم المتحدة إلى أن عددهم وفق تقديرات عام 1949 بلغ نحو 726 ألف لاجئ.

 

اقرأ أيضا: "فلسطينيو الخارج" يطلق تظاهرة رقمية في ذكرى النكبة

لم تتوقف النكبة الفلسطينية عام ما جرى في عام 1948، فلا تزال عمليات التطهير العرقي وسرقة الأراضي في فلسطين التاريخية مستمرة حتى يومنا هذا.


ولدفن أي أدلة على جريمة ما حدث في فلسطين في فترة الاستعمار البريطاني وبعد قيام "الدولة العبرية"، كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- بالاتفاق مع اليمين الإسرائيلي واليمين الأمريكي المتطرف- الاعتراف "بالقدس عاصمة لإسرائيل"، وبعده مباشرة، أطلق وابلا من رصاص مسدسه على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تعمل على إغاثة حوالي 3.8 ملايين لاجئ مسجلين لديها في خمس مناطق: الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما تقول أرقام إن العدد بين 4 إلى 6 ملايين.


وألغى ترامب حق العودة، وشطب تعبير "لاجئ" من القاموس الأمريكي الرسمي.
وكانت "الأونروا" الشاهد الرسمي الأخير على جريمة العصر، وأسست عام 1949 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، كوكالة مخصصة ومؤقتة، على أن تجدد ولايتها كل ثلاث سنوات لغاية إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.


وتسعى "إسرائيل" والولايات المتحدة لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر إنهاء دور "الأونروا"، باعتبارها الشاهد القانوني والسياسي على حق العودة.


وبحسب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن "الأونروا منظمة تديم مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وتديم أيضا رواية ما يسمى بحق العودة الذي يهدف إلى تدمير دولة إسرائيل، ولذا يجب أن تزول الأونروا من الوجود".


وأضاف أن "الفلسطينيين وحدهم لديهم منظمة مخصصة لهم تتعامل مع أبناء أحفاد اللاجئين، وهم ليسوا لاجئين". ودعا إلى إنهاء هذا الوضع الذي وصفه بـ "السخيف".


وكان قرار وأد القضيتين الشائكتين "اللاجئين" و"القدس" وتفكيكهما خطوة أولى لوأد بقايا "القضية الفلسطينية" ودفنها، ضمن صفقة القرن الأمريكية / الإسرائيلية بتنسيق مع أطراف عربية الدم واللسان.

 

اقرأ أيضا: عدد الفلسطينيين تضاعف 9 مرات منذ نكبة 1948

لقد عرفت فلسطين منذ بداية الهجرات اليهودية وحتى الفترة المعاصرة، عدة ثورات ضد القوى الاستعمارية وضد الاحتلال وسرقة وضم الأراضي الفلسطينية، عرفت بـ "الانتفاضات" و"الثورات"، واختلفت الأسباب التي أدت إلى قيام كل منها، وأولى هذه الانتفاضات كان ثورة البراق عام 1929 بسبب ادعاء المهاجرين اليهود بأحقيتهم في امتلاك حائط البراق، ثم تبعتها ‌الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 للمطالبة بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ثم جاءت معارك عامي 1948 و1967 وانطلاق الثورة الفلسطينية وممثلتها منظمة التحرير الفلسطينية.


ومع دخول حقبة الثمانينيات، دخلت على خط المقاومة قوى فلسطينية عديدة، وكان أن اشتعلت ‌الانتفاضة الفلسطينية الأولى أو "انتفاضة الحجارة" عام 1987، و‌الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 أو "انتفاضة الأقصى" التي انطلقت عقب تدنيس أرييل شارون للمسجد المبارك، و‌الانتفاضة الفلسطينية الثالثة أو انتفاضة السكاكين عام 2015 وغيرها.


ولا تزال المقاومة قائمة رغم مواصلة عمليات ضم الأراضي ومصادرتها، والتهافت الرسمي العربي على التطبيع العلني مع الاحتلال، وإلغاء الوجود الفلسطيني وإنكار وجود شعب فلسطيني وحقوقه الوطنية والقومية.
وستبقى"الكواشين" محفوظة والمفاتيح معلقة بانتظار العودة إلى أرض البرتقال الحزين.