مقالات مختارة

التداعيات السورية لأزمة لبنان الماليّة

1300x600

انتهت الأمم المتحدة أخيرا إلى تشكيل لجنة دستورية سورية من مائة وخمسين عضوا وإلى إصدار أطر لعملها. عيّنت المعارضة والدول النافذة في الملفّ السوري أسماء الثلث الذى يمثّل «المعارضة»، وصادق المبعوث الأمميّ على تسمية الشخصيّات التي تُمثِّل «المجتمع المدنيّ»، الثلث الثالث، كما رغبته السلطة السوريّة.


يفتح هذا «الإنجاز» السياسيّ الأمميّ حسب قرار مجلس الأمن 2254 مرحلةً جديدة في الأزمة السوريّة، رغم أنّ الواقع على الأرض لا يدل على قرب انتهاء الصراع العسكريّ أو معاناة المواطنين.

 

فمن ناحية تستمرّ آليّات ضمّ مناطق شمال حلب، في منبج وجرابلس وعفرين، للدولة التركيّة. كما يستمرّ التجاذب التركيّ ــ الروسيّ ــ الإيرانيّ حول مصير مناطق «إدلب الكبرى» ومصير الفصائل الجهاديّة التي تسيطر عليها، خاصّة «فتح الشام» (جبهة النصرة)، بانتظار معركة جديدة تسمح بها الظروف الدوليّة. كما تستمرّ آليّات خلق شبه دولة ــ مع فعاليّة ملحوظة ــ بدعمٍ أمريكى ــ غربي في شرق الفرات. هذا دون معرفة مصير الفكرة التي طُرِحَت لمحاولة تجنّب التقسيم والانخراط في المفاوضات السياسيّة، بضمّ «ثلثٍ رابعٍ» للجنة الدستوريّة مع ممثّلي «مجلس سوريا الديمقراطي» تضاف إليهم بعض الشخصيّات من أطيافٍ أخرى.

 

ليس واضحا بالتالي إن كان «إنجاز» اللجنة الدستوريّة سيؤدّي إلى إنتاج دستورٍ يحفظ وحدة الأراضي السوريّة، وفي المدّة الزمنيّة التي يُمكن أن تؤدّي إلى عدم تمديد هيمنة الرئيس الحالي، كمرشّحٍ شبه وحيد لأي انتخابات، حتّى سنة 2028. و«المعارضة» تبقى عاجزة عن التوافق على شخصيّة أو اثنتين يُمكِنها على الأقلّ أن تفتح آفاق العمل السياسيّ السوريّ. والسلطة السوريّة القائمة تعي جيّدا هذا الأمر. ولذلك شرعت في حملة «تبييض» لسمعتها عبر «مكافحة فساد» شخصيّات مرتبطة بها، كما تستمرّ حملات فضح «فساد المعارضة» حتّى من قبل وسائل الإعلام الأكثر مناهضة للسلطة.


كلّ هذا لا يدلّ على تسارعٍ لإيجاد حلٍّ سياسيّ للصراع السوري، خاصّة مع انشغال الدول النافذة بسياساتها الداخليّة، ومن بينها القوّة العظمى الأمريكيّة، تاركةً الحلّ لتوافقٍ روسيّ ــ إيراني ــ تركيّ لا يُمكن أن يكون شاملا، طالما لم تحلّ هذه الدول الثلاث مشاكلها هي مع القوى الغربيّة.
إلاّ أنّ ملفّا آخر يُمكن أن يفرِض تسارعا في الأحداث، ألا وهو الأزمة الماليّة ــ والسياسيّة ــ التي تفجّرت في لبنان.


هذه الأزمة كانت متوقّعة منذ زمنٍ طويل. ذلك أنّ آليّات تقاسم السلطة السياسيّة بين أمراء الحرب اللبنانيين لم تؤدِّ إلاّ إلى نظام حكمٍ يشلّه «الفساد»، عاجزٍ عن القيام بأيّة تنمية اقتصاديّة للبلاد تخوّله تأمين فرص عمل لأبنائه، ودرء نزيف هجرتهم إلى الخارج كما التعامل مع أزمات كبيرة مثل اللجوء السوري الكثيف نسبة لعدد سكّانه، الذى لم تعرفه دولة أخرى. لقد تحوّلت المساعدات المالية التي تدفّقت بشكلٍ كبير على لبنان منذ نهاية الحرب، سواء لإعادة إعماره أو لمساعدة اللاجئين والمجتمعات المضيفة، كما تحويلات المغتربين و«الاستثمارات» الخارجيّة إلى مضاربات عقاريّة وماليّة وإلى إيداعات لنافذين، وإلى ديون ستثقل على كاهل اللبنانيين أجيالا عديدة.


تفجّرت الأزمة الماليّة بشكلٍ بطيء بفضل آليّات الاقتصاد اللبنانيّ وتدخّل الدول الراعية، خاصّة فرنسا والولايات المتحدة، التي طالما حَرَصَت ألاّ يحصل الانفجار اللبنانيّ في خضمّ الصراع على سوريا. بدأت تلك الأزمة بارتفاع الفوائد على الإيداعات بالعملة الصعبة بشكلٍ غير منطقيّ، وانتهت اليوم بسعري صرف يتباعدان، رسميّ وفي السوق، وبنظام رقابة على القطع لم يشهده تاريخ لبنان، بانتظار الأسوأ. هذا في ظلّ عجزٍ كاملٍ من قبل السلطة السياسيّة. لقد أضحى البلد تحت إدارة وصاية ماليّة من الدولتين الراعيتين، وإن كانت الحجّة الرسميّة هي تقويض آليّات التمويل السوريّة والإيرانيّة ولـ«حزب الله».


ليس هناك حلٌّ سهل لهذه الأزمة. إنّ لبنان فقد منذ زمنٍ دوره المعهود في الانفتاح الاقتصاديّ والماليّ والاستفادة من تقلّبات دول الجوار لصالح دبي، التي هي أصلا تعاني من جرّاء التقّلبات الإقليميّة والدوليّة الحاليّة. واللافت أنّ حجم الأموال التي هُدِرَت فسادا في لبنان ــ وجزء منها لصالح السلطة السوريّة التي كانت مهيمنة حتّى 2005 ولانتفاع بعض شركات الدول الراعية ــ كانت تكفي ليس فقط للنهوض بلبنان كقوّة اقتصاديّة حقيقيّة، وإنّما أيضا للنهوض بسوريا وإعادة إعمارها بعد الحرب.


هذه الأزمة اللبنانيّة لها تداعيات كبيرة وقاسية على سوريا، إذ لم تنفكّ أواصر العلاقات المالية والاقتصاديّة بين البلدين يوما، وإن كانت غير منظورة وترتبط بالنخبتين الاقتصاديّتين فيهما. وسيأتي تفجّر هذه الأزمة بظروف معيشيّة أصعب على السوريين، خاصّة في ظلّ الصراع وتعاظم دور أمراء الحرب في سوريا والعقوبات الاقتصاديّة على البلاد، الأبعد بكثير من العقوبات على الأفراد.


كما أنّ هذه الأزمة الماليّة ستؤدّي حتما إلى أزمة اجتماعيّة في لبنان، يُمكن أن تتفجّر كأزمة سياسيّة وطائفيّة بين اللبنانيين، أو كأزمة عنصريّة حيال اللاجئين السوريين، تأخذ لبنان إلى المجهول، وتُعيد بدورها تفجير الصراع الداخليّ السوريّ بشكلٍ آخر. مع احتمال عودة كثيفة بطريقة مأساويّة للاجئين السوريين من لبنان إذا ما تدهورت الأحوال هناك بشكلٍ كبير.


فهل وعي «المجتمع الدولي» لهذه المخاطر هو الذي أدّى إلى إنتاج اللجنة الدستوريّة السوريّة بأيّ ثمن؟ وهل هنالك توافق بين جميع الدول المعنيّة، وهي ذاتها المعنيّة بالملفّين الاثنين، السوري واللبناني؟ إنّ هذه المخاطر لها تداعيات كبيرة يجب كبحها عن مواطني هاتين الدولتين؟ وبالتالي الانطلاق نحو حلّ سياسيّ لسوريا يتزامن مع حلّ مالي للبنان. وهل سيكتفي أمراء الحرب بما جنوه حتّى اليوم؟ أمّ أنّ تفجّرا جديدا سيخلق فرصا جديدة للمكاسب؟


لا ترتبط مآلات هذه الأمور فقط بما يحدث بين بيروت ودمشق اللتين لا يفصل بينهما سوى خمسين كيلومترا. بل أيضا بما يحدث في الشمال السوري. تركيا التي تهدّد بموجة لجوء كبيرة إلى أوروبا إذا ما تأّمّنت بلادها هي أيضا من المخاطر وإذا ما تحقّقت مآربها، علما أنّ هناك فارقا كبيرا بين مآربها المُعلَنة والتطوّرات التي تقوم بها في أرض الواقع. و«الإدارة الذاتيّة» بدعمٍ أمريكي ــ غربيّ، التي ترضى أن يُمنع النفط والقمح السوريّان عن بقيّة السوريين، مركّزة اهتمامها على خلق واقعٍ يُبعدها أكثر عن الواقع السوريّ.


بالطبع يجب الاهتمام بأعمال اللجنة الدستوريّة وما يجرى من تحوّلات في المناطق الخاضعة للسلطة القائمة. ولكنّ مخاطر كبرى تكمُن غرب وشمال سوريا. مخاطر لا بدّ من النظر إلى تداعياتها، بل لا بدّ أن يعمل السوريّون مع اللبنانيين وأهل الشمال، لتحويلها إلى فرص ومفاتيح لحلول.

 

عن صحيفة الشروق المصرية