اقتصاد دولي

بالأرقام.. سيناريوهات مخيفة لمخاطر تطور الحرب التجارية

ترامب يطمح في إعادة انتخابه لولاية ثانية وشي يسعي لتحقيق"حلم الصين" والجميع سيعاني اقتصاديا- جيتي

تواجة التجارة العاليمة حربا تجارية بين أكبر اقتصادين في العالم (الولايات المتحدة والصين)، ما أثار مخاوف بعض البلدان وبخاصة البلدان النامية من الآثار السلبية المتوقعة لهذا الصراع.


ورصد تقرير نشره صندوق الاستثمارات السعودي باللغة الإنجليزية، وترجمتة "عربي21"،أسباب الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وأثرها على البلدين والبلدان الأخرى.. نستعرض أبرز ملامحه فيما يلي:


وقال التقرير إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شنت حربًا تجارية متعددة الجوانب في العام الماضي،تركزت حتى الآن على الصين، بسبب تآكل تفوق أمريكا العالمي، المتمثل في العجز التجاري الأمريكي، لافتا إلى أن صادرات الصين للولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، بلغت 500 مليار دولار مقابل 150 مليار دولار واردات.


ومنذ عام 1999 إلى عام 2009، فقدت الولايات المتحدة، بحسب التقرير، 6 ملايين وظيفة في مجال التصنيع ،و الذي يعد إلى حد كبير مصدر للعمالة ذات الأجر المرتفع والإنتاجية العالية لخريجي المدارس الثانوية، ويرجع سبب فقدان الوظيفة جزئيًا إلى العولمة وتجاوز الصين الولايات المتحدة كأكبر منتج ومصدر في العالم.

 

أقرأ أيضا: هكذا تستفيد موسكو من الحرب التجارية بين بكين وواشنطن

 

وأشار التقرير إلى أن الشركات متعددة الجنسيات استثمرت أكثر من 2 تريليون دولار في الصين (وأكثر من ذلك في البلدان الأخرى ذات الأجور المتدنية)، واستفادت بوفرة من العولمة، بينما لم توفر فرصًا كافية للعاملين ذوي الياقات الزرقاء في بلدهم الأم، في ظل فشل نظام التعليم الأمريكي في رفع مستوى القوى العاملة بما يتماشى مع التقدم التكنولوجي والعولمة.


طموح ترامب و"حلم الصين"

 

ويرى التقرير أن الولايات المتحدة هي المعتدية ولديها المزيد من الأدوات من حيث حجم الواردات لفرض الرسوم الجمركية، وأنواع مختلفة من التدابير غير التعريفية (مثل تقييد الإمدادات لشركة هواوي الصينية) لنشرها، ومع ذلك، فإن مسألة الإرادة السياسية والاقتصادية هي التي تحدد مقدار الألم الذي يمكن أن تتحمله هذه الاقتصادات.


وأوضح التقرير أن الصين تعاني أكثر مما تعانيه الولايات المتحدة في هذه الحرب، حيث أن عبء التعريفة الجمركية أعلى بكثير، والشركات تنقل عملياتها خارج الصي، بالإضافة إلى تباطأ النمو الاقتصادي في الصين حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 300 بالمئة في الآونة الأخيرة.

 

ويركز ترامب، بحسب التقرير، على إعادة انتخابه بينما يحتاج الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الحفاظ على زخم النمو مع السعي لتحقيق أهداف طويلة الأجل مثل "حلم الصين" الذي يستهدف بحسب رؤية بينغ "إعادة بعث الأمة الصينية" برفع عجلة الاقتصاد الصيني و الحفاظ على تزايد نسبة النمو.

و أعلنت إدارة ترامب، في 1 آب/ أغسطس الماضي، عن جولة جديدة من التعريفات الجمركية على الصين، وفرضت 10 بالمائة تعريفة على 112 مليار دولار من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بداية من 1 أيلول/سبتمبر 2019، و10 بالمائة تعريفة على 160 مليار دولار إضافية من الصادرات الصينية في 15 كانون الأول/ ديسمبر المقبل.


وفي أول رد من الصين على الرسوم الأمريكية، قامت مباشرة بفرض رسوما مماثلة بنسبة 5 بالمئة و 10 بالمئة من الرسوم الجمركية على 75 مليار دولار من الواردات الأمريكية، فهدد ترامب، في 23 آب/أغسطس، بأنه سيرفع سعر التعريفة الجمركية على التعريفة الحالية والمخططة بنسبة 5 نقاط مئوية.


ويرى التقرير أنه إذا تحقق تهديد ترامب، فإن الحماية التجارية ضد الصين ستصل إلى حوالي 97 بالمئة بسهولة، وهي أعلى نسبة في 40 عامًا، وسط شكوك بإمكانية حدوث ذلك، وتوقعات بلجوء الحكومتين الأمريكية والصينية إلى تسوية مشروطة لمنع تصاعد الحرب التجارية، لكن التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين سوف يستمر، حيث ستواصل الولايات المتحدة استخدام التجارة كسلاح سياسي ضد الصين والشركاء التجاريين الآخرين. 

 

"سيناريوهات الحرب"


وفي الوقت الحالي ، يبدو أن الرئيسين ترامب وشي يحملان نوع ما من البراغماتية  في منتصف الطريق، سواء أكان التأثير على اليسار أو اليمين يعتمد إلى حد كبير على أداء الاقتصاد في الأشهر المقبلة.

وعلى وجه التحديد ، ومع وصول المزيد من الأدلة على ضعف الاقتصاد في كلا البلدين، قد تتوصل الولايات المتحدة والصين إلى هدنة مؤقتة، واتفاقية لإلغاء بعض التعريفات على الجانب الأمريكي، وخطة ملموسة لإجراء تغييرات سياسية وإصلاحات هيكلية على الجانب الصيني، في وقت ما في الأشهر ال 12 المقبلة.

ومع ذلك، إذا أثبتت الاقتصادات أنها قادرة على الصمود، فمن المحتمل أيضًا أن يقوم الجانبان بالدفع لرفض التوصل إلى حل وسط، يتبعه المزيد من التهديدات لتعميق الصراع. 


وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تتصاعد التوترات التجارية أكثر من ذلك بكثير، إلا أنه لا يمكن استبعاد التصعيد المحدود.


أقرأ أيضا: هبوط 7 بورصات عربية بفعل الحرب التجارية بين أمريكا والصين

 

في الوقت نفسه، لا يتوقع أن يقوم ترامب بإزالة جميع التعريفات الجمركية بالكامل على المدى القريب، لأنه يكاد يكون من المستحيل أن تقوم الصين بالموافقة على كل ما طلب، حيث أدركت الصين أن الرضوخ لمطالب الولايات المتحدة بسرعة يخلق فقط المزيد من المطالب.

وخلص التقرير إلى وجود يقين واحد، مفاده أن "الحرب التجارية هي مجرد بداية انعكاس لاتجاه طويل المدى للتكامل الاقتصادي العالمي، ومن المرجح أن ينتشر ما يسمى بتسليح التجارة".

وبدأت الولايات المتحدة، أو هي بالفعل على استعداد لشن حرب تجارية ضد أوروبا واليابان والهند، في حين تهدد اليابان كوريا الجنوبية بأنها ستقيد توريد المواد الرئيسية لصناعة أشباه الموصلات والهواتف الكورية، لذلك  يمكن توقع المزيد من النزاعات التجارية مع تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وتزايد الاختلالات.

 

ما هو تأثير الحرب على الاقتصادين الصيني والأمريكي؟

 

أوضح التقرير أن الأضرار قصيرة الأجل لكلا الاقتصاديين واضحة بالفعل، فعلى الرغم من أن نمو إجمالي الناتج المحلي في الصين لا يزال أعلى من 6 بالمئة،إلا أن جودة النمو تدهورت بسبب الحرب التجارية.


والولايات المتحدة هي أكبر سوق تصدير للصين، حيث تشكل 19.2 بالمائة من إجمالي صادراتها في عام 2018، والتي انخفضت إلى الولايات المتحدة بنسبة 9.2 في المائة في النصف الأول من عام 2019 مقارنة بالعام الماضي، بينما انخفض إجمالي الصادرات الصينية بنسبة 0.4 في المائة.

 

وفي المقابل، يستمر احتمال حدوث ركود في الولايات المتحدة، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى حالة الشكوك الناجمة عن الحرب التجارية المتصاعدة.

 

ويوضح الجدول التالي، أن صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تتركز في السلع الرأسمالية (بما في ذلك الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر) والسلع الاستهلاكية، في حين أن صادرات الولايات المتحدة إلى الصين أكثر توازناً عبر الفئات، وبالتالي فإن العبء الاقتصادي يقع في الغالب على المنتجين في الصين وعلى المستهلكين في الولايات المتحدة. 

والفئة الوحيدة التي يوجد فيها فائض تجاري في الولايات المتحدة هي السلع الأساسية، بما في ذلك المنتجات الزراعية مثل فول الصويا، وهو عدد صغير لكنه مهم من الناحية السياسية.


وقام الباحثون ببناء نماذج وحساب التأثير على المدى المتوسط على الناتج المحلي الإجمالي لكلا البلدين، يمكن تلخيصها في الآتي:

 

- سيأخذ الاقتصاد الصيني ضربة أكبر من الاقتصاد الأمريكي.

- التأثير على التضخم محدود، نظرًا لتمرير التعريفة الجمركية المرتفعة إلى المستهلكين النهائيين.

- إجمالي الأثر على العمالة والدخل شديد بما فيه الكفاية بحيث لا يكون أي شيء مقبولا ً سياسياً.

- من شأن صراع كامل أن يحذف نقطة مئوية واحدة من نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين، و 0.2 بالمائة للولايات المتحدة.

وقال التقرير إن الحكومات في كلا البلدين لن تقف مكتوفة الأيدي مع تدهور اقتصادياتها، حيث ستعمل سياسات الاقتصاد الكلي على تخفيف (إن لم يكن تامًا) التأثير الاقتصادي المباشر للحرب التجارية، مما يجعل من المستحيل إجراء تقييم دقيق لأضرار الحرب التجارية.


وبدأ الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في خفض أسعار الفائدة، لكن الإنفاق الاستهلاكي القوي قد عوض عن نقص الاستثمارات والصادرات جزئيا بسبب الحرب التجارية. 


وأعلن ترامب خطته لدعم المزارعين الذين فقدوا المبيعات للصين، وسمحت الصين بتراجع عملتها وتكثيف جهودها للتصدير إلى دول أخرى. 


وعلى الصعيد المحلي، تحول تركيز السياسات القصيرة الأجل من تخفيض المديونية إلى الحوافز المالية والنقدية المستهدفة. و سيكون لكل من الحوافز المالية والنقدية عواقب غير مقصودة، ما يؤدي إلى تضخم أسعار بعض الأصول، ووضع حد للأنشطة الاقتصادية، وخلق تشوهات في تخصيص الموارد.


وبشكل عام، تأخذ الصين الحرب التجارية على محمل الجد أكثر من الولايات المتحدة. لقد أزالت "صنع في الصين 2025" كجزء من أهداف السياسة للحكومات المحلية، واستبدلتها بتطوير البنية التحتية وأهداف دعم الأعمال التجارية الخاصة، كما تعد الحكومة شعبها للمصاعب وتشرح ضرورة النضال الوطني المطول.

كيف ستتأثر الدول الأخرى بالحرب التجرية؟

 

أكد التقريرأن الحرب التجارية متعددة الجبهات تعد أكبر تهديد للاقتصاد العالمي، إلى جانب صدمة أسعار النفط، وهو ما يكفي لإحداث انكماش عالمي،كما يضر بشدة أكبر محركات التوسع الاقتصادي العالمي. 


وتمثل الولايات المتحدة والصين خُمسى الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحوالي ربع التجارة العالمية، وكانت الصين أكبر مساهم منفرد في النمو العالمي كل عام على مدى العقد الماضي، ومن المتوقع أن تلعب هذا الدور على مدى العقد المقبل أيضا.


ويرى التقرير أن أثر الحرب التجارية متفاوت إلى حد كبير بين مختلف البلدان والقطاعات، ويستفيد من الاختلاف التجاري بعض البلدان المجاورة للصين، حيث بلغ معدل النمو في الفيتنام 6.7 بالمائة في الربع الثاني من عام 2019، مدعومًا بالمعالجة والتصنيع الموجهين نحو التصدير، والذي زاد بنسبة تزيد على 9 بالمائة.


وحتى عندما نقصر نطاق التحقيق على الصراعات بين الولايات المتحدة والصين، فإن الآثار المترتبة على الحرب التجارية ستكون كبيرة وسيكون التأثير غير متساوٍ للغاية عبر البلدان والقطاعات.


وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن 70 بالمئة من التجارة العالمية تتضمن الآن سلاسل القيمة العالمية.


ويتوقع أن تكون التأثيرات المصاحبة للحرب التجارية مطولة، على افتراض أن جميع السلع المتداولة بين الولايات المتحدة والصين تتعرض لتعريفات بنسبة 25 بالمئة من الآن وحتى عام 2021 فإنه من المتوقع تراجع الناتج المحلي الاجمالي لكل من أمريكا بنسبة 0.4 بالمئة والصين بواقع 0.5 بالمئة و دول شرق آسيا بنسبة 0.1 و العالم بنحو 0.1 بالمئة.

وقد تحصل بلدان كثيرة في شرق آسيا على دفعة لاقتصادها نتيجة الاختلاف التجاري داخل كل  بلد خارج منطقة  الولايات المتحدة والصين، وسوف تستفيد المناطق القوية في صادرات الصناعات التحويلية أكثر من غيرها، فعلى سبيل المثال، بينانغ في ماليزيا ولانسي سومي في فنلندا.

 

ومن المرجح أن يكون القطاع الذي سيتضرر أكثر من غيره هو قطاع الكهرباء والإلكترونيات، حيث يتركز الإنتاج العالمي في الصين. وهو ما سيجعل أضرار الحرب التجارية تفوق الفوائد بكثير.