كتاب عربي 21

ماذا لو كانت النخبة المصرية إندونيسية؟ (2)

1300x600
عرَض المقال السابق بدايات الاستقلال الإندونيسي عقب الحرب العالمية الثانية، وتوافق النخبة السياسية على مبادئ البانكاسيلا، وصولا إلى إسقاط حكم سوهارتو وإجراء ثلاث عمليات انتقال في الحكم بصورة قانونية. ويأتي هذا النَّص المتواضع في ظل حالة تفاؤل وترقب بالشارع المصري؛ نظرا لما أحدثته دعوة الفنان والمقاول محمد علي إلى تظاهرات بغرض الإطاحة بالسيسي.

كان انتخاب يودويونو عام 2004 مرحلة جديدة في عملية التحول الديمقراطي، "ويمكن أن تُعدّ نهاية لسياسات حقبة ما بعد سوهارتو"، وقد قامت منظمة "freedom house" بتغيير تصنيف إندونيسيا من بلد حر جزئيا إلى بلد حر عام 2006، وقد كان نظام سوهارتو يوصف بأنه نظام غير حر.

تدلل ممارسات النخبة الحاكمة في ثالث أكبر ديمقراطية في العالم، على عزمهم الاستمرار في تعزيز الديمقراطية، فأجريت عام 2005 أول انتخابات على مستوى المديرين التنفيذيين للحكومة المحلية لأول مرة في تاريخ إندونيسيا، ليتم فتح الطريق أمام المجتمع ليتعرف على نخبة جديدة، وسيأتي بيان أثر هذا الانفتاح لاحقا.

خلال فترة حكم يودويونو قام بتعزيز انسحاب الجيش من السياسة، ومن الجوانب التجارية المدنية، وقام بتعيين ضباط إصلاحيين في مناصب كبيرة بالقوات المسلحة. من المهم الإشارة هنا إلى أن يودويونو كان متهما بارتكاب جرائم في تيمور الشرقية عندما كان قائدا للجيش في عهد سوهارتو، وهنا درس مهم يتعلق بعملية احتواء قيادات النظام السابق.

بقي يودويونو لفترتين رئاسيتين، وفي انتخابات 2014 بدت ثمار الانفتاح على النخب الجديدة، فاختار الشارع عمدة جاكرتا السابق جوكو ويدودو خلفا له. وكان جوكوي خلال فترة حكمه لجاكرتا مهتما بالتركيز على حل المشكلات لا الأيديولوجيا، وأصلح نظام جمع الضرائب بها، وكان يقوم بزيارات مرتجلة إلى الأسواق والقرى والأحياء الحضرية الفقيرة، ويلتقي مع المواطنين ويمازحهم، فكانت الشعبوية التي تحرك بها عاملا مهما في فوزه بالانتخابات الإندونيسية، لتصبح فترته مرحلة جديدة من مراحل ترسيخ وتعزيز التحول الديمقراطي في أكبر بلد مسلم.

إن التجربة الإندونيسية تعطي دروسا هامة في عملية التحول الديمقراطي عبر الاحتجاجات الشعبية، أهمها، سعي النخبة الوطنية إلى التوافق على الهدف الرئيسي لعملية التحول الديمقراطي، وهو تحكيم الوسائل القانونية والاختيارات الشعبية في حالة اختلاف الآراء أو التوجهات أو الأيديولوجيات، وفي حالة اللجوء إلى تلك الوسائل ينبغي للمهزوم أن يتنازل طواعية ودون شروط عن الحكم إن كان حاكما، أو الإقرار بالهزيمة واحترام الإرادة الشعبية إذا كان معارضا.

الدرس الثاني، يتعلق بمدى إدراك النخبة السياسية لاحتياجات المجتمع، وصنع التحالفات على أساس تحقيق مصلحة المجتمع، لا على أساس المناكفات الأيديولوجية.

الدرس الثالث، يتوجه إلى النخبة العسكرية التي لديها أدوات القوة، فالقادة العسكريون الإندونيسيون تنازلوا طوعا عن امتيازاتهم لأجل مصلحة الوطن، ولم يقولوا (كما قيل في مصر) أن أموال المؤسسة العسكرية هي "من عَرَق الجيش"، مع أنها في الحقيقة من عرق الجنود الذين يقضون فترة تجنيد دون امتيازات مالية تُذكر، وفي ظروف شديدة القسوة، فليست هذه الأموال من عرق الضباط الذين يتحركون بحراسات ويحظون بامتيازات مالية واجتماعية وسياسية كبيرة. فالنخبة العسكرية هناك قبلت أن تكون جزءا من الدولة وليست فوقها، كما أن قادتها السابقون لم يحظوا بدعم المؤسسة حينما شاركوا في الانتخابات، بل شاركوا كمدنيين وتعامل الجميع معهم على نفس الأساس.

والدرس الرابع، يتعلق بتصفية الخلافات القديمة لا شن حملة انتقام على رموز النظام الذي سقط، وعملية الدمج هذه تقوم بتفكيك روابط النظام القديم، بدلا من تكتّلهم مع بعضهم خوفا من المحاسبة والمساءلة إذا أتى معارضوهم إلى الحكم. ونتيجة هذا التكتّل قد تقوم هذه الأطراف بالسعي إلى إحداث ارتداد في المسار السياسي والاجتماعي الجديد ليعود إلى حالته السابقة. بالطبع، هناك حالات تغيير يمكن معها إقامة محاكمات وعقوبات، لكنها ربما تكون أكثر في الثورات التي تأخذ منحى عنيفا، أما الثورات السلمية التي تزيح قمة السلطة دون باقي دوائره المتشابكة في جهاز الدولة، يصعب معها القيام بعملية جزائية (يصعب ولا يستحيل).

أما الدرس الأخير، فهو خاص بالمنطقة تحديدا، ويتوجه إلى الإسلاميين الذين يمثلون الكتلة الأكبر من التيار المدني المعارض للحكم العسكري. فشعوب المنطقة لديها حرص على الدين، وليس الإسلاميين وحدهم، وتصوّر احتكار "الفهم الأمثل" للنص الديني، والسعي إلى خوض مغامرات غير محسوبة لتحقيق هذه الغاية؛ يضيع مكتسبات الديمقراطية، ويُضر بالحالة الدعوية، وربما يكون الفصل الوظيفي بين التنظيمات الدينية والدعوية مناسبا للحالة المشرقية المعقّدة.

انتكست الثورة المصرية بفعل نخبتها بشكل رئيسي، سواء نخبتها العسكرية أو المدنية بتنوّع تقسيماتها بين إسلاميين وعلمانيين، وفي ظل تصاعد دعوات تصويب مسار الحكم، نأمل أن تتنحى النخبة التي صنعت مشهد ما بعد رحيل مبارك، وأن تبرز نخبة جديدة تدرك أخطاء الماضي، وتتعلم من التجارب السابقة بانفتاح على كل التجارب، ووعي في المحاكاة مع التجارب الأخرى، بما يتوافق مع الحالة الوطنية الراهنة.