سياسة عربية

مركز دراسات يقرأ احتجاجات مصر وسيناريوهات المستقبل

مصر شهدت لأول مرة منذ سنوات مظاهرات واحتجاجات واسعة يومي السبت والأحد الماضيين- تويتر

أصدر المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، تقدير موقف للحالة المصرية الراهنة في ظل الحراك السياسي والثوري الذي تشهده البلاد بمواجهة النظام العسكري الحاكم.


رئيس " تكامل مصر"، مصطفى خضري، قال في مقدمة الدراسة، التي خص بها "عربي21"، إن "أحداث 20 أيلول/ سبتمبر الجاري، لم تكن متوقعة عند قطاع عريض من المصريين، فالقبضة الحديدية التي تحكم مصر منذ أكثر من 6 سنوات؛ صنعت حاجزا من اليأس بين هؤلاء وبين التغيير، حتى ظنوا أن هذا النظام عصي على السقوط أو الاستبدال، لكن الأمر قد تغير بشكل نسبي بعد أن رأى هؤلاء بوادر هذه الهبة الشعبية".

وأوضح خبير التحليل المعلوماتي، أنه "منذ خروج المقاول محمد علي، للساحة السياسية والإعلامية؛ ظهرت ملامح نظام الدولة على كل ما يفعله الرجل، والذي إن كان يبدوا عفويا بسيطا؛ إلا أنه يتحرك وفق خطة محكمة، ويخاطب فئات المجتمع المختلفة بحرفية فائقة".

وأضاف:" يبدو واضحا لأي دارس للرأي العام أن الرجل يستخدم استراتيجيات السيطرة والتوجيه والحشد والتفاوض، ما يوحي بأن ورائه فريق من المحترفين، الدارسين جيدا للمجتمع المصري، والقادرين على سبر أغواره، والتسلل إلى عقله الجمعي بشكل تلقائي".

وأضاف خضري، "لكن المتتبع للأمر يرى أن الأخطر من محمد علي، هو الناشط السيناوي مسعد أبو فجر، ابن نظام الدولة، والذي ظهر في أعقاب اعتلاء محمد علي، لتريند المواقع الاجتماعية ليدعمه بشهادة خطيرة تمس الأمن القومي المصري".

ويعتقد الباحث المصري، أن "كلام محمد علي، وإن كان عاطفي وموجه للبسطاء ويدور حول فساد السيسي؛ إلا أن كلام مسعد أبو فجر عن أن السيسي وابنه هم من وراء الإرهاب المفتعل في سيناء وعلاقتهم بتجار المخدرات؛ موجه لقواعد الجيش والدولة العميقة، ما يعني أن الجهة المسيطرة على الأحداث توزع أوراقها بشكل منظم".

ظهور محمد علي قلب الطاولة على السسي

واستعرض خضري في حديثه لـ"عربي21"، بعض النقاط الرئيسية من الدراسة التي تعطي تقدير موقف لتلك الأحداث، وتحدث أولا: عن الحالة السياسية قبيل تلك الأحداث.

وقال: "كان الجنرال السيسي، يعيش حالة من الاستقرار، فقد تخلص من معظم منافسيه وبات معارضه الأقوى -جماعة الإخوان-  بحالة يرثى لها، أما بقية القوى السياسية الأخرى فقد سلمت مفاتيح حركاتها وسكناتها وباتت تتعايش في ظل الجنرال".

وأشارت الدراسة إلى أن "أحداث 20 أيلول/ سبتمبر جاءت لتغير المعادلة تماما، وبناء على دعوة المقاول محمد علي؛ تبدل حال النظام المستقر، حتى أحس الجنرال بالخطر القادم فحاول التصدي له منفردا، لعدم ثقته في باقي أجهزة الدولة، وقد لاقت دعوة المقاول المنشق زخما إعلامية لم يتوقعه أحد حتى أصبح قطاع كبير من المصريين ينام ويستيقظ على بثه".

أطراف الصراع

وقال رئيس "تكامل مصر"، إنه عند تحليل الصراع الحالي فإن الدراسة تمكنت من تحديد ستة أطراف رئيسية للصراع، هي نظام الحكم، ونظام الدولة، وجماعة الإخوان المسلمين، والقوى الناعمة الداخلية، واللوبي الإقليمي، والقوى الدولية.

وأوضح أن نظام الدولة، وهو "كيان معنوي يضم تحت لوائه المؤسسات السيادية المصرية، ذلك الكيان -الذي يسمى أحيانا بالدولة العميقة- ذو العقيدة القطرية يرى أن الحفاظ على حدود الدولة هو المعنى الوحيد للوطنية، وقد صار نظام الدولة في صراع مع نظام الحكم منذ فترة ليست بالقريبة؛ نتيجة علاقة السيسي، بالعدو الاستراتيجي - إسرائيل-، وكذلك تفريطه في جزيرتي (تيران وصنافير)، ومكامن الغاز بالبحر المتوسط ، بالإضافة لملف مياه النيل".

 

اقرأ أيضا: يحيى حامد يعلق على "انتفاضة سبتمبر" ضد السيسي

وأشارت الدراسة إلى أن السيسي "حاول تثبيت حكمه من خلال أربعة ركائز أساسية، الأولى: علاقته الوطيدة بالكيان الصهيوني، والثانية: تسليم مفاتيح الاقتصاد المصري للبنك الدولي، والثالثة: إضعاف الجيش المصري بتوريطه في فساد الاقتصاد المدني، والرابعة استخدام فزاعة الإرهاب للتخلص من خصومه".

وقال رئيس " تكامل مصر"، إن "جماعة الإخوان، صاحبة النصيب الأكبر من خصومة الجنرال، والتي انتمى إليها محمد مرسي أول رئيس منتخب بعد ثورة يناير- الذي توفي في ظروف غامضة- ومازال السيسي يحتجز معظم قيادات الصف الأول منها، والباقي إما مهاجرا أو مختبئا، بعد أن صادر السيسي أموالهم ووسمهم بالإرهاب، حتى أضحت الجماعة في أضعف حالاتها، وتمتلك الجماعة وحلفاؤها منابر إعلامية متعددة تدار من داخل و خارج مصر، وقد ساعدت في نشر وترويج ما يبثه المقاول المنشق محمد علي".

وتحدثت الدراسة عن القوى الناعمة الداخلية، محددة إياها بـ(الإعلام، والنقابات، شباب الثورة، ....)، مبينة أن "القبضة الحديدية لنظام الجنرال أدت لوضع معظم القوى الناعمة بالداخل المصري تحت مقصلة النظام، وأصبحت هذه القوى تنتظر أي متنفس لتخرج من عنق الزجاجة".

وعن اللوبي الإقليمي الداعم للسيسي، أشارت الدراسة إلى أنه "يتكون من ثلاثة داعمين رئيسيين ساعدوا الجنرال في الوصول للحكم والاستمرار به حتى الآن وهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وولي عهد السعودية محمد بن سلمان".

وأضافت أن "أحداث 20 سبتمبر جاءت والثلاثة بموقف لا يحسد عليه، فقد خسر نتنياهو، أغلبية الانتخابات البرلمانية مما يقلل فرصه في الاستمرار كرئيس للوزراء، أما محمد بن زايد، فقد تورطت قواته باليمن وليبيا، وأصبحت رهاناته الإقليمية غير مستقرة، في حين يمر محمد بن سلمان، بأزمة الطائرات المسيرة التي أوقفت نصف إمدادات المملكة من النفط".

وحول القوة الأخير وهي القوى الدولية، أطلقت عليها دراسة " تكامل مصر"، اسم "القوى المنتفعة من الجنرال"، التي يمكن أن تدعم السيسي الذي حاول منذ اعتلائه سدة الحكم توسيع دائرة المنتفعين من وجوده، فبالغ في شراء الأسلحة من روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وأمريكا، ثم بالغ في التودد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتبنيه صفقة كوشنر -مستشار ترامب وصهره-  لتصفية القضية الفلسطينية (صفقة القرن) حتى أصبح السيسي يستمد قوته وبقائه من البيت الأبيض.

وأشارت إلى أن "المتمعن في حال الداعمين السابقين سيجد أن الجانب الأوروبي منهم (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) لن يتورطوا في دعم الجنرال ويفضلون الاستفادة المجانية منه، في حين تحكم روسيا ضوابط دولية تمنعها من التدخل في مصر، ولم يتبقى أمام السيسي إلا محاولة شراء دعم ترامب الذي يمر بأزمة سياسية تهدد بقاؤه لفترة أخرى".

البدائل المتوقعة لنتائج الصراع

وأكدت الدراسة أنه "بعد أن استطاعت الجهة الداعمة للمقاول محمد علي تحريك الشارع وإعادة الزخم الثوري إليه مرة أخرى، وفي ظل التفاعلات الإقليمية والدولية الراهنة فإن هناك أربعة بدائل متاحة للصراع.

وقالت إن البديل الأول هو الجنوح لثورة مسلحة على غرار سوريا، مضيفة أنه "ربما كان هذا البديل متاحا منذ 6 سنوات؛ عندما كانت جماعة الإخوان في أوج قوتها وقدرتها على حشد قواعدها، خاصة وقد كان المبرر لذلك حاضرا بعد المذابح التي صنعها السيسي في رابعة والنهضة ...إلخ".

وتابعت: "لكن هذا الخيار لن يكون محتملا لقوة وترابط الجيش المصري وانعدام الأسباب التي تدعم انشقاق ألوية الجيش، وكذلك لانعدام الخبرة والقدرة على هذه الاستراتيجية عند جماعة الإخوان أو من معها من القوى المعارضة الأخرى المناوئة للجنرال".

وتعتقد دراسة مركز "تكامل مصر"، أن البديل الثاني هو سيطرة السيسي على الاضطراب بشكل تام، وترى أنه "كان من الممكن أن يكون هذا البديل هو الأكثر ترجيحا لولا الظروف التي يمر بها داعمي السيسي الإقليميين، وقد تدحرجت كرة الثلج، وأصبح الشارع المصري مستعدا للثورة على النظام، خاصة بعد التطمينات التي تلقاها من الأجنحة المناوئة للسيسي".

وفقا لخيار البديل الثاني، "فليس أمام الجنرال إلا اللجوء إلى البيت الأبيض، لكن الأمر غير بسيط،  فليس لدى السيسي ما يقدمه للرئيس الأمريكي بعد فشل صفقة القرن، وانشغال ترامب بصراعاته الداخلية مع الديموقراطيين، والخارجية مع الصين، مع فشله في فرض قرار مشابه على فنزويلا، وبذلك يصبح هذا البديل ثاني أقل البدائل المحتملة ترجيحا".

وأكدت أن البديل الثالث هو مصالحة السيسي مع معارضيه، معتبرة أن "هذا الخيار البرجماتي خيارا مثاليا لنظرية الصراع التعاوني، بحيث ينتهي الاضطراب ويستقر حكم السيسي، وفي نفس الوقت تلتئم اللحمة الوطنية ويعود المهجرين ويخرج المعتقلون من السجون إلخ من تلك الأحلام الوردية".

وأوضحت الدراسة أن "الأمر ليس بهذه البساطة، فبرغم سهولة هذا الخيار وقلة تكلفته، إلا أن هناك أربعة أسباب تقلل من احتمالية حدوثه وهي، أن "السيسي متهم بالخيانة العظمى والتفريط في الحدود، وهو ما يجعله خصما لنظام الدولة وليس المعارضة السياسية فقط".

وأضاف دراسة "تكامل مصر"، أنه "لا توجد مصداقية للسيسي عند كل أطراف الصراع، خاصة وأنه قد تخلص من كل من ساعده على اعتلاء سدة الحكم، ولم يلتزم بوعد قطعه على نفسه منذ ظهوره على الساحة السياسية".

كما أشارت إلى "السمات النفسية للجنرال لا تسمح له بالعودة للخلف، فالسيسي لديه إحساس متعظم بأنه الأذكى من كل معارضيه، تلك الحالة النفسية تجعله بحالة من عدم الصدق مع النفس وتصور له أنه الأقوى وأن خصومه لن يستطيعوا إزاحته عن مقعده".

وكشفت الدراسة أن السبب الرابع هو "عدم استعداد الشارع السياسي التراجع أمام نظام السيسي، خاصة وأن فكرة قرب الخلاص من السيسي تسيطر  الآن على العقل الجمعي للحراك، وقد بدأت كرة الثلج في التدحرج ولا يمكن التحكم فيها بسهولة".

وجزمت أنه "برغم وجاهة بديل المصالحة بين السيسي والمعارضة  إلا أنه احتمالا غير مرجح في ظل الأسباب السابق ذكرها".

وحول البديل الرابع لنتائج الصراع أكدت دراسة رئيس "تكامل مصر"، أن "إزاحة السيسي عن الحكم من خلال ثورة مهندسة"، معتبرة أن "هذا الخيار أقوى البدائل المتاحة من حيث احتمالية النجاح، فقد بات من الواضح الآن أن التحرك الحالي ليس بادرا من المعارضة التقليدية للجنرال، لكنه انقلابا من الداخل يقوده نظام الدولة".

وقالت إن ذلك "ظهر في من يتصدر المشهد من أبناء الدولة العميقة الذين لهم سابق تعامل مع الأجهزة السيادية، وعلى هذا فإننا ليس أمام ثورة شعبية بالمعنى التقليدي، بل إنها ثورة مهندسة يستغل فيها نظام الدولة سخط المجتمع والقوى السياسية على نظام حكم الجنرال لإزاحته من الحكم، وتتلاقى هنا رغبة نظام الدولة مع القوى المعارضة التقليدية لإسقاط نظام حكم الجنرال".

وأشارت الدراسة إلى أن نجاح هذا البديل يحتاج خمسة ضوابط، أولها: التعاون وتنسيق الحشد بين الإخوان ونظام الدولة؛ بشرط تراجع الإخوان وعدم تصدرهم للمشهد -على الأقل في هذه المرحلة- والاكتفاء بدور القوى المحافظة داخل نظام الدولة العميقة".

وثانيا: "الإسراع بتنفيذ خطة إزاحة نظام السيسي عن الحكم، فلما تأخر الوقت ظهرت عوامل أخرى ربما تؤجل الحسم أو تفتح الباب لظهور بدائل أخرى قد لا تكون الأمثل عند نظام الدولة أو الجماعة".

أما ثالثا: فهو "سرعة السيطرة على أذرع نظام السيسي داخل مؤسسات الدولة المختلفة خاصة وقد اتضح أن هذا النظام لا يعمل وفق أجندة وطنية، وربما وراء تحركاته شبهات تتعلق بخيانة الوطن".

وعن الضابط الرابع الذي يضمن إزاحة نظام السيسي ترى الدراسة أنه "تراجع نظام الدولة عن الدفع بوجه عسكري إلى الساحة السياسية والاكتفاء بوجه مدني مقبول من الأطراف الفاعلة".

وأخيرا "سرعة طرح مصالحة مجتمعية لامتصاص رواسب السنوات السابقة والتي أوجدت شرخا بين نظام الدولة وبين المجتمع المصري، والإعلان عن الإفراج القريب عن كل المعتقلين سياسيا".