سياسة عربية

إحالة أمين "جبهة التحرير" للعدالة.. تلميع للحزب أم استحقاق؟

جميعي يعتقد بأن القضايا التي تلاحقه فيها العدالة تتعلق بقضية شخصية لا علاقة لها بالفساد- صحيفة البلاد

رغم أن الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني محمد جميعي، لم يُقدّم استقالته بعد مباشرة إجراءات رفع الحصانة عنه، إلا أن بقاءه على رأس الحزب يبقى مسألة أيام معدودة فقط.

وقال جميعي: "إنه سيكون تحت تصرف العدالة وبأنه يؤمن أنه لا أحد فوق القانون"، وذلك في أول رد فعل له، بعد طلب وزارة العدل من البرلمان رفع الحصانة عنه كنائب لتتسنى متابعته القضائية.

وسيقوم جميعي وهو نائب عن ولاية تبسة الواقعة على الحدود مع تونس، بالتنازل طواعية عن الحصانة البرلمانية، تجنبا للإهانة التي قد تلحقه في حال تم رفع الحصانة عنه بالطريقة التقليدية التي يصوت فيها أعضاء البرلمان على هذا القرار.

وبحسب جميعي الذي يعدّ من أهم رجال الأعمال في الجزائر، فإن "القضايا التي تلاحقه فيها العدالة تتعلق بقضية شخصية لا علاقة لها بالفساد"، إلا أن هناك من يشكك في هذه الرواية في انتظار أن يُصدر وكيل الجمهورية بيانا تفصيليا حول الموضوع.

 

اقرأ أيضا: في الجمعة 19 لحراك الجزائر.. الأمن يفتش المتظاهرين

قضايا "جميعي"


وكان الصحفي المعروف في الجزائر، سعد بوعقبة، روى في وقت سابق، أنه تعرض للسب والشتم في رسائل وصلته إلى هاتفه الشخصي "تبيّن لاحقا أنها مُرسلة من رقم أحد معارف جميعي".


ورفع بوعقبة دعوى قضائية في هذه الواقعة التي تعود لفترة ما قبل الحراك الشعبي، غير أنه لم يتلق دعوة للتحقيق في القضية إلا في الأسبوع الأخير، ما يعني أن هذه القضية موجودة في ملف جميعي.


ويتوقع الصحفي المتخصص في الشأن القضائي، حميد غمراسة في حديثه لـ"عربي21"، أن يكون مصير محمد جميعي السجن في القضايا الملاحق فيها.


وأبرز غمراسة أن جميعي ضالع في قضايا فساد واعتداءات جسدية، وهي متابعات قديمة، يقول إنه كان ينجو منها بسبب الحصانة البرلمانية، واستفادته من حماية جماعة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة كغيره من المتورطين في الفساد.


ويعتقد غمراسة أن القضاء تحرك ضد جميعي في هذا التوقيت، لكونه أصبح عبئا على السلطة بسبب تكرار إشاعة ارتباطه برئيس الأركان أحمد قايد صالح، وذلك لتحييده من المشهد.


مستقبل القيادة


وبالغياب المتوقع لجميعي عن حزب جبهة التحرير الوطني، يُطرح السؤال من جديد حول مستقبل قيادة هذا الحزب في ظل الدعوات المتلاحقة "لإحالته إلى المتحف" باعتباره إرثا وطنيا لكل الجزائريين لا يجوز تلطيخه بقضايا الفساد المتكررة.


ويدور الحديث بقوة عن متابعات قادمة لقياديين آخرين في "جبهة التحرير"، ما يزيد في تعميق أزمة هذا الحزب الذي يوجد أمينه العام السابق جمال ولد عباس في السجن منذ نحو شهرين بسبب قضايا فساد.

 

اقرأ أيضا: موقع فرنسي: لا يزال الطلبة الجزائريون يهزون شوارع البلاد

ويقود الأمين العام بالنيابة منظمة المجاهدين، محند واعمر بالحاج، حملة مركزة لمطالبة وزارة الداخلية باسترجاع الشعار التاريخي لحزب جبهة التحرير الوطني ومنه استغلاله في العمل السياسي، ويؤيده في ذلك كثير من السياسيين والمواطنين الذين باتوا يرفعون خلال مظاهرات الحراك الشعبي شعارات معادية للحزب.


ويعترف القيادي في حزب جبهة التحرير الوطني، حسين خلدون، بوجود أزمة داخلية عميقة في الحزب نتيجة التراكمات التي لطخت صورته في السنوات السابقة، إلا أنه يؤكد في المقابل أن الحزب لديه قاعدة نضالية خاصة من الشباب بإمكانها إنقاذه.


وأوضح خلدون وهو مسؤول الإعلام السابق في الحزب، أن ما تعيشه "جبهة التحرير" يرجع لافتقادها مؤسسات قوية، خاصة اللجنة المركزية التي كانت معطلة مدة طويلة، وخضوع أمنائها العامين للتسيير عبر الهاتف من غرباء لا علاقة لهم بالحزب خلال السنوات الأخيرة.


القيادة الجماعية
وطالب النائب السابق بإنشاء لجنة لإنقاذ الحزب تكون مُشكَّلة من المناضلين العقائديين الذين لا يزالون يؤمنون بأهمية حزب جبهة التحرير الوطني في تحقيق استقرار الجزائر وبناء مستقبلها.


وعن دعوات إدخال "جبهة التحرير" إلى المتحف، قال خلدون إنه ينبغي التفريق بين 3 مصادر تأتي منها هذه الأطروحات: "الفريق الأول هم الذين لا يزالون تابعين للاستعمار الفرنسي فكريا ووجدانيا وهؤلاء لم يهضموا بعد الهزيمة التي ألحقتها "جبهة التحرير" بالاستعمار". 

وأضاف: "أما الفريق الثاني، فهم الخصوم السياسيون الذين من مصلحتهم إبعاد جبهة التحرير التي تعدّ أكبر منافس لهم في الانتخابات".
 
وعن ماهية الفريق الثالث قال: "هم من أبناء "جبهة التحرير" الذين صاروا يغارون على عنوان الحزب من الفضائح التي لحقته بسبب استعماله المتكرر من السلطة لتحقيق أغراضها باسمه".

وأبرز خلدون أن الحلّ يكمن في استعادة حزب جبهة التحرير الوطني من أبنائه الحقيقيين ومنح فرصة لشباب الحزب في النهوض به وتسييره بأنفسهم بطريقة ديمقراطية تخدم مشروع الحزب الوطني.

استعداد للرئاسيات

لكن هناك من يعتقد بأن دفع جميعي للخروج في هذا التوقيت الذي يتزامن مع دعوة رئيس أركان الجيش لتنظيم انتخابات قبل نهاية السنة، لا يمكن أن يكون مصادفة، نظرا للارتباط الوثيق بين "جبهة التحرير" وبين السلطة.


ويُطلق في الجزائر على "جبهة التحرير" اسم "الجهاز"، لأنه كان بتعبير الباحث في علم الاجتماع السياسي نوري دريس، جزءا من الدولة والجهاز البيروقراطي لها، ووسيلتها في ممارسة السلطة. 


ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة وهران، رابح لونيسي، بأن إبعاد جميعي يستهدف تعويضه بشخص يمكن إعطاء مصداقية نسبية للحزب عشية رئاسيات تحظى بأهمية قصوى للنظام.

 

اقرأ أيضا: بعد رفع الحصانة عنه.. رئيس حزب بوتفليقة: مستعد للتنازل عنها

وأضاف لونيسي في حديثه مع "عربي21"، أنه من غير المعقول بالنسبة للنظام التخلي عن حزبي "جبهة التحرير" و"التجمع الوطني الديمقراطي" باعتبارهما عكازي النظام في أي عملية سياسية ومنها انتخابات رئاسية يعول عليها لإنقاذ النظام.


وأوضح لونيسي أنه لا توجد رغبة لدى النظام في حلّ الحزب تلبية لمطلب الشعب ومنظمة المجاهدين، مدللا على ذلك "برد رئيس مجلس الأمة بالنيابة على هذا المطلب أثناء خطابه عند افتتاح البرلمان هذا الأسبوع وعدم اهتمام فضائيات تابعة للسلطة ببيانات منظمة المجاهدين المطالبة بوضع رمز الافالان في المتحف".


ويُدرج أستاذ العلوم السياسية قضية جميعي أيضا "في إطار نفي النظام عن نفسه التمييز في محاسبة الفاسدين".


وحسب لونيسي "سيواصل الحزب التضحية بأبنائه مُعتقدا أنه سيحمي نفسه أمام حراك سيتقوى ويعتمد السلمية كسلاح، فالثورات السلمية تحافظ على أبنائها على عكس الثورات العنفية وتجعل النظام هو الذي يضحي بأبنائه طمعا في إنقاذ نفسه".