قضايا وآراء

عن عودة باراك للحياة السياسية في إسرائيل

1300x600

عاد رئيس الوزراء السابق أهود باراك إلى الساحة السياسية في إسرائيل، بعمر 77 سنة، وقرر تأسيس حزب جديد تحت اسم "إسرائيل الديمقراطية" للتنافس في الانتخابات القادمة المقررة منتصف أيلول/ سبتمبر القادم. ورغم أن الاستطلاعات تحدثت عن رقم متواضع لقائمة الحزب، إلا أن الهدف الأساسي للعودة تمثل بتشكيل معسكر سياسي كبير لإسقاط رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ومنعه من ترؤس الحكومة القادمة.

يعتبر باراك من الجيل القيادي الثالث في إسرائيل، حيث أن الجيل الأول ضم حاييم وإيزمان وديفيد بن غوريون وليفى أشكول وأبا إيبان وغولدا مائير وموشيه دايان ومناحيم بيغن، بينما ضم الجيل الثاني إسحق رابين وشيمون بيريز وإسحق شامير وأرييل شارون. أما الجيل الثالث فيشمل أهود أولمرت ونتنياهو، إضافة إلى باراك نفسه. هنا يمكن اعتبار بيني غانتس وموشيه يعلون ويئير ليبيد ويسرائيل كاتس وجدعون ساعر وآخرين؛ من الجيل الرابع، وطبعاً يمكن بسهولة ملاحظة الغالبية العظمى للجنرالات على مر الأجيال.

أهود باراك الذي تقلد كل المناصب في إسرائيل، من رئاسة الأركان إلى وزارات الحرب الداخلية والخارجية حتى رئاسة الوزراء، قاتل مجرم موصوف، تباهى بقيادته عملية فردان (بيروت، نيسان/ إبريل) 1973 التي تم فيها اغتيال ثلاثة من قادة الثورة الفلسطينية، وقال متفاخراً في حملته الانتخابية 1999: رأيت بياض عيونهم (شهداء فردان) يتطاير على قبعتي.. جملة ما كانت لتمر دون مساءلة في دولة سوية، وأمام جمهور سوي.

يقول باراك إنه عاد في هذا العمر الذي يغادر فيه السياسيون مواقعهم في العادة؛ لأجل إنقاذ إسرائيل من نتنياهو، ويتباهى بأنه يعرفه أكثر من أي شخص آخر، حيث كان قائده في دورية رئاسة أركان جيش الاحتلال، كما أنه الوحيد الذي هزمه في الانتخابات 1999 وبإمكانه الآن فعل نفس الشيء، ولكن ليس وحيداً، وإنما من خلال معسكر سياسي وائتلاف انتخابي واسع.

 

تعني عودة باراك فشلا تاما للجيل الثالث؛ كونه يعتبر رئيس الوزراء صاحب الولاية الأقصر في تاريخ الدولة العبرية

طبعاً من حيث الشكل، تعني عودة باراك فشلا تاما للجيل الثالث؛ كونه يعتبر رئيس الوزراء صاحب الولاية الأقصر في تاريخ الدولة العبرية. أما أولمرت فانتهى به الحال في السجن بتهم فساد واستغلال للسلطة، ونتنياهو يلاحق الآن بتهم مماثلة ويفعل المستحيل للنجاة، بما في ذلك الذهاب إلى انتخابات مبكرة أخرى، غير أن الأهم الأخطر وبنظر باراك هو عجزه عن حلّ الأزمات ومواجهة التحديات، وتعميق الاستقطاب في المجتمع الإسرائيلي (تحالف الفاسدين مع المهوسين المتطرفين حسب تعبيره) والتهرب من حلّ القضية الفلسطينية التي تعتبر التحدي الأهم بنظره، ولو بحلول أحادية، مع الانتباه إلى أن باراك يعتبر نفسه صاحب الحق الحصري في الفكرة الأحادية التي طبقها أولاً في لبنان (2000) ثم نسخها أرئيل شارون عنه في غزة (2004). وهو (باراك) اعتقد دائماً أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى فقدان إسرائيل يهوديتها أو ديمقراطيتها، على عكس ما يعتقد نتنياهو وشرائح واسعة من اليمين المتطرف الملتفة حوله.

كان شارون معجباً جدّاً بباراك اليميني المتنكر الذي امتنع عن التصويت على اتفاق أوسلو في حكومة إسحق رابين الثانية، وقال عنه شارون ذات مرة إنه فعل كل شيء، حتى أنه استلقى على الجدار من أجلنا (اليمين)، في إشارة إلى إفشال باراك لمفاوضات كامب ديفيد وطابا، وتوجيه ضربة قاصمة لاتفاق أوسلو، واجتراح عبارة "لا شريك فلسطينيا" التي قتلت فكرة المفاوضات، وعملية التسوية بشكل عام، وأدت إلى تنفيذ الانفصال وفك الارتباط مع غزة، ومحاولة ترسيم الحدود بشكل أحادي وفق المصلحة الحيوية الإسرائيلية القائمة على اللاءات الثلاث الشهيرة (لا لتقسيم القدس، لا للعودة لحدود حزيران/ يونيو 67، ولا لعودة اللاجئين)، والتي تمثل محل إجماع في الساحة السياسية الإسرائيلية المتطرفة، بما فيها اليمين واليمين المتطرف.

 

سعى باراك لتشكيل معسكر سياسي كبير يوصف (إسرائيلياً فقط) بقوى الوسط يسار التي تضم حزب العمل وميرتس، مع سعي لجلب وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني للمعسكر، إضافة لقائمة باراك نفسه، للتنافس في الانتخابات

عودة باراك لا تعزى فقط إلى فشل الجيل الثالث من المنظور الإسرائيلي، طبعاً كون إسرائيل ما زالت متفوقة على العرب، رغم هروبها من مشاكلها وأزماتها الداخلية والخارجية البنيوية العميقة، ولكنها تعني من جهة أخرى عجز الجنرال بيني غانتس، زعيم تكتل أزرق أبيض المنافس، عن منافسة أو هزيمة نتنياهو، أو على الأقل عدم اقتناع الإسرائيليين جدياً به كبديل، مع استلابهم دائماً إلى فكرة الجنرال المنقذ المخلص، بتأثير العسكرة السائدة والمتجذرة في المجتمع الإسرائيلي.

منذ عودته، سعى باراك لتشكيل معسكر سياسي كبير يوصف (إسرائيلياً فقط) بقوى الوسط يسار التي تضم حزب العمل وميرتس، مع سعي لجلب وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني للمعسكر، إضافة لقائمة باراك نفسه، للتنافس في الانتخابات.

غير أنه فشل في تحقيق هذا الهدف، أو للدقة حقق نجاحاً جزئياً، حتى أنه اضطر للتنازل وقبول المركز العاشر في اللائحة الانتخابية، لتسهيل التحالف مع حزب ميرتس (المعسكر الديمقراطي). وبينما عجز عن ضم ليفني نجح في جذب القيادية ستاف شافير من حزب العمل، بعدما عجز عن جذب الحزب نفسه، خاصة بعد فوز خصمه عمير بيرتس برئاسة الحزب.

سياسياً؛ كان لافتاً في برنامج المعسكر الديمقراطي الحديث العام عن التسوية مع الفلسطينيين، دون الإشارة حتى إلى حل الدولتين. هذا يتلاءم مع باراك اليميني المتنكر الساعي إلى حلّ المشكلة القضية الفلسطينية بشكل أحادي وإنقاذ إسرائيل من نتنياهو، أو من تحولها إلى دولة أبارتهايد، أي فقدان الديمقرطية، أو كدولة لكل مواطنيها، وفقدان غالبيتها وطابعها اليهودي.

عموماً لم تؤد عودة باراك إلى زلزال سياسي رغم حصول تبدلات داخل المعسكر نفسه، بل المعسكرات نفسها الوسط يسار، واليمين مع استثناء القائمة العربية وحزب لييرمان، وتحديداً الأخير الذي ظل خارج الاصطفافات الصهيونية القائمة.

 

الهدف الآن لباراك خلق كتلة مانعة مع "كاحول لافان" على اعتبار أنها يمين للحيلولة دون فوز نتنياهو بالانتخابات، أو ترؤسه الحكومة القادمة والذهاب ربما إلى حكومة وحدة وطنية مع الليكود دون نتنياهو فيما بعد

لا بد من الإشارة إلى أن التسميات والتوصيفات غير دقيقة، أو على الأقل هي تستخدم ومتداولة إسرائيلياً فقط. وفي الحقيقة لا وسط، بل يمين ويمين متطرف، حزب ميرتس فقط كان في اليسار بالمعنى الاسرائيلي، ويبدو أنه خسر هويته بعد تحالفه مع باراك وعدم الإصرار على طرح حلول سياسية واضحة في البرنامج السياسي لما سمي بالمعسكر الديمقراطي.

عموماً، فان الهدف الآن لباراك خلق كتلة مانعة مع "كاحول لافان" على اعتبار أنها يمين للحيلولة دون فوز نتنياهو بالانتخابات، أو ترؤسه الحكومة القادمة والذهاب ربما إلى حكومة وحدة وطنية مع الليكود دون نتنياهو فيما بعد، كون أنه من المستحيل على غانتس أو باراك الفوز وترؤس الحكومة دون التحالف مع الليكود وليبرمان، حتى بدعم القائمة العربية في ظل موازين القوى التي تميل حسب الاستطلاعات لمصلحة اليمين، يمكن رسم الخارطة الحالية بشكل عام وفق معادلة "55-45-10-10"، أي 55 لليمين المتطرف المتمثل بالليكود وحلفائه، و45 لليمين (كاحول لافان وحزب العمل مع تحالف باراك- ميرتس)، وعشرة لكل من القائمة العربية وحزب ليبرمان، ما يعني أننا بصدد العودة إلى صباح اليوم التالي لانتخابات نيسان/ أبريل السابقة، وبالتالي فإن ليبرمان سيبقى بيضة القبان بين المعسكرات الصهيونية المتنافسة، دون حجب الأزمة البنيوية العاصفة بالساحة السياسية، بدليل عودة باراك نفسه، حتى مع عربدة الاحتلال فى طول المنطقة وعرضها.