صحافة دولية

FP: هل ستكسب إسرائيل تأييد أوروبا لازدهارها بمجال الطاقة؟

أشارت المجلة إلى أن أوروبا قد تكون أقل استعدادا للعب دور نشط في أي عملية سلام في المستقبل- جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية تقريرا تحدثت من خلاله عن التبعية المستقبلية التي ستعيشها العديد من الدول الأوروبية، إذا ما استمرت في الاعتماد على الغاز الطبيعي الإسرائيلي، الأمر الذي من شأنه أن يغير المعادلة السياسية للعديد من الدول الأوروبية، التي تنتقد حاليا السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.


وقالت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن إنتاج الغاز في حقل ليفياثان سينطلق هذه السنة، ويُعدّ هذا الحقل، الذي يقع في المياه العميقة قبالة ساحل مدينة حيفا شمال إسرائيل، من أكبر الاكتشافات في مجال الغاز الطبيعي خلال العقد الماضي، وتُشير التقديرات إلى أن حقل ليفياثان يحتوي على أكثر من 21 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يُعدّ كافيا لتلبية احتياجات إسرائيل من توليد الطاقة على مدار الأربعين سنة القادمة مع ترك كميات وافرة للتصدير.


وذكرت المجلة أن بعض المعلقين يتوقعون أن تؤدي عمليات الاكتشاف الأخيرة للغاز شرق البحر المتوسط إلى تسوية النزاعات الإقليمية، وقد ظهرت بالفعل جهود جديدة للتعاون الإقليمي، وخلال شهر كانون الثاني/ يناير، أعلنت كل من إسرائيل ومصر وقبرص وغيرهم من اللاعبين الإقليميين عن إطلاق منتدى غاز شرق المتوسط، الذي سيبحث في إمكانية بناء خط أنابيب بطول 1200 ميل يربط الاحتياطيات الهيدروكربونية الوافرة التي تتواجد في حوض بلاد الشام بأوروبا عبر جزيرتي قبرص وكريت.

ومن جهتها، ساهمت المفوضية الأوروبية في هذا المشروع بمبلغ يقدر بحوالي 39 مليون دولار، علما بأن إنهاءه سيستغرق حوالي سبع سنوات.


وأفادت المجلة بأن الشركات الإسرائيلية والمصرية توصلت إلى اتفاق تاريخي يجعل الغاز متاحا للتصدير، وبمُوجب هذه الاتفاقية، التي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار، سترسل إسرائيل 2.3 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي إلى مصر لتسييلها وشحنها إلى أوروبا ووجهات أخرى، وتمتلك مصر القدرات اللازمة لمعالجة الهيدروكربونات فضلا عن البنى التحتية للنقل لتوفير الاحتياجات الأوروبية من الطاقة بمجرد دخول حقل ليفياثان حيز الاستغلال.


وتجدر الإشارة إلى أن انطلاق إسرائيل في إنتاج الغاز قد يساعدها على التحرر من اعتمادها على الطاقة من مصادر أجنبية، وسوف تساعدها إمكانات صادراتها على بسط نفوذ جديد في البلدان الأخرى، من بينها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المتعطشة للطاقة، التي انتقدت تاريخيا سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين.

 

اقرأ أيضا: ميلادينوف يدعو لوقف الاستيطان ويحذر من ضم الضفة المحتلة


وأضافت المجلة أن الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل يمنحها نفوذا هائلا، فخلال "حرب أكتوبر" التي اندلعت سنة 1973، أتاحت الولايات المتحدة الإمدادات العسكرية الطارئة لإسرائيل للمرة الأولى، كما وعدت في وقت لاحق بتوفير النفط لإسرائيل في حالات الطوارئ في محاولة منها لتحفيز محادثات السلام مع مصر، وقد أصبحت إسرائيل منذ ذلك الحين أكبر متلق للمساعدات الاقتصادية من الولايات المتحدة.


ونتيجة لذلك، انتزعت واشنطن تنازلات من الحكومة الإسرائيلية، حيث قامت، على سبيل المثال، بإقناعها بالمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991 وتجميد عمليات بناء المستوطنات سنتي 1991 و2009، وتشير الضمانات الأمنية والاقتصادية الأمريكية التي توفرها الولايات المتحدة لإسرائيل إلى أن واشنطن تتمتع بنفوذ هائل على إسرائيل على الرغم من رفضها استخدامه في العديد من المنعطفات المهمة.


في المقابل، كان الاتحاد الأوروبي على استعداد دائم أكثر من الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل بشأن أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، على غرار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغيرها من المناطق فضلا عن وضع القدس.


وأشارت المجلة إلى أن حقل ليفياثان يجعل إسرائيل أقل اعتمادا على القوى الأجنبية فيما يتعلق بتلبية احتياجاتها من الطاقة، ومن المرجح أن تصبح أوروبا أكثر اعتمادا على إسرائيل وغيرها من مصدري الطاقة، نظرا لاعتمادها الكبير على النفط الخام والغاز الطبيعي المستورد، وتجدر الإشارة إلى أن أوروبا تحصل على أكثر من نصف الموارد الطاقية من مصادر أجنبية، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والعرض.


وعلى الرغم من أن شراء الغاز الإسرائيلي لن يحل مشكلة اتكال أوروبا على الواردات أو اعتمادها المستمر على الفحم، إلا أن الاتحاد الأوروبي لديه مصلحة واضحة في تنويع إمدادات الطاقة حتى لا يكون معتمدا بشكل كامل على روسيا، لذلك، ستكون إمدادات الغاز الإسرائيلي المستقرة مصدرا بديلا بالنسبة لأوروبا.

 

اقرأ أيضا: حكومة الاحتلال تقر بناء آلاف الوحدات الاستيطانية بالضفة

وأوضحت المجلة أن حقل ليفياثان وغيره من الاكتشافات في المنطقة يمكن أن يساعد على تلبية الطلب الأوروبي وتقليل اعتماد أوروبا على روسيا، وهو ما يفسر سبب بدء بروكسل العمل مع إسرائيل على تعاون أكبر في مجال الطاقة والذي يتمثل في مشروع خط أنابيب شرق البحر المتوسط.
في الحقيقة، قد تساعد الحاجة إلى واردات الغاز الإسرائيلي على تغيير اتجاهات الاتحاد الأوروبي، لتصبح أكثر تأييدا لإسرائيل بين الدول الأوروبية. ومن جهته، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يحاول لسنوات استغلال الانقسامات الأيديولوجية المتعمقة في أوروبا لصالح إسرائيل. وقد أنشأ علاقات مع الزعماء الشعبويين في دول مثل بولندا والمجر كوسيلة لتخفيف الضغط الذي يمارسه الاتحاد الأوروبي على إسرائيل بشأن قضايا حقوق الإنسان.


وأفادت المجلة بأن بعض دول الاتحاد الأوروبي، على غرار فرنسا والسويد وإيرلندا، واصلت انتقادها للسياسات الإسرائيلية. في المقابل، تتعرض دول أخرى مثل ألمانيا، التي تستورد حاليا كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الروسي، لضغوط كبيرة من الولايات المتحدة لإيجاد إمدادات بديلة. وخلال شهر حزيران/ يونيو، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمانيا بفرض عقوبات على مشترياتها من الغاز الروسي.


وتعد ألمانيا من بين البلدان الأقل انتقادا لإسرائيل لأسباب تاريخية. وفي حال أصبحت إسرائيل مصدرا مهما للغاز الطبيعي المسال بالنسبة إلى ألمانيا، فإن برلين ستلتحق بالمعسكر الموالي لإسرائيل، وسيؤدي ذلك إلى تغيير ميزان القوى المؤيدة والمناهضة لإسرائيل في القارة الأوروبية.


وفي الختام، أشارت المجلة إلى أن أوروبا قد تكون أقل استعدادا للعب دور نشط في أي عملية سلام في المستقبل، لاسيما إذا اختارت إسرائيل استخدام مواردها المكتشفة حديثا لفرض قوتها، كما فعلت روسيا.