قضايا وآراء

المدد الغيبي في حياة البشريَّة

1300x600
للعلامة الفيلسوف مرتضى مطهَّري، رحمه الله، كتيبٌ لطيف بالعنوان نفسه (1)، وهو يطوي استدلالا كلاميا عرفانيا على حاجة الإنسان للإيمان بالغيب، وحاجته لذلك المدد الذي يأتيه من وراء عالم الشهود؛ ليشُدَّ أزره ويَرُدّ غُربته ويستنقِذه من ضيق سجن الدنيا.  

لكنني لست بصدد استعراض الكتاب ولا تناوله ولا نقده، وإن انصب حديثي على المحور ذاته، إذ إن تنامي أعداد "المسلمين" الذين تذبُل أرواحهم وتتداعى نفوسهم كل يوم، وتفقد الحياة في أعينهم كل معنى، ويصير اكتئابهم مُنتظما في نوباتٍ دوريَّةٍ، كحيض المرأة؛ بعد أن ناؤوا بحمل أعباء جيلهم، الاجتماعية والسياسية، مُضافا إليها الانسحاق الاقتصادي؛ هذا التنامي المخيف يجعل معركة الحياة اليوميَّة لهؤلاء المبتلين، ومآلات هذه المعركة؛ مأساة كاملة. 

إذ انسلخ هؤلاء الذين عانوا (في السنوات الأخيرة) من تحطُّم قيمهم على صخرة المجتمع المنخور، وفساده المتنوِّع والمتجذِّر؛ انسلخوا من كل ما آمنوا به في سبيل حياة مُجرَّدة.. أي حياة. ولعمري إنها لبلوى ليس لها من دون الله كاشفة. وقد كان الأثر النفسي لتزايُد إلحاد شباب الإسلاميين الغض أقل عمقا وأخف وطأة على جيلنا الأربعيني؛ فهذه الموجة وإن آلمتنا إيلاما عظيما، إلا أننا توقَّعناها منذ فترة ليست بالقصيرة، وليس التوقُّع بالذي يشفي من الألم، وإن كان يُخفف من وطأته. 

لكن ما أخرجنا عن طورنا وجعل الكثيرين يجأرون ألما ورُعبا؛ هو انتقال العدوى، وإن اختلفت صورتها؛ إلى بعض من كُنا نظن فيهم القوة الروحية، وصدق الركون إلى الله؛ فإذا الظن لا يُغني من الحق شيئا، وإذا هُم يُكابدون أنفسهم مكابدة عنيفة لئلا تنفلِتُ من أفواههم كلمة القنوط، كما وَشَت بها أحوالهم. لكنهم في مواجهة هذه الأزمة العاصفة لا يستعينون برب الأرض والسماوات، وإنما يرومون الاستعانة بما نالوه أو يرومون نيله من شهادات، وما دربوا عليه من مهاراتٍ ومشروعاتٍ، ثقافية أو اقتصادية جديدة؛ يطمعون أن تُخرجهم من مستنقع اليأس، أو حتى فُرص عملٍ في دولٍ بعيدة، أو هجرةٍ تُخلِّصهم من آلام البقاء اليومية، وتجعلهم يستشعرون إنسانيتهم من جديد في مجتمعاتٍ أخرى قد تكون أكثر احتراما لآدمية الإنسان.

وليس بوسعي إنكار أهميَّة كل ما سبق، ولا ضرورته كذلك؛ لكني أنكر مركزيَّته، والاستسلام السلبي لهذه المركزيَّة المادية. وإذا كانت معاناة كل منا تختلف عن معاناة غيره، وتكتسب خصوصيَّة من ملابسات حياته؛ إلا أن حرارة حضور المشترك الفطري الإنساني تجعلنا قادرين، نسبيّا؛ على استشعار حجم مآسي الآخرين، بصورةٍ أو بأخرى، وإن تخفَّفنا من الثقل الذي تنوء به كواهلهم، لتبدو الصورة في عين المتأمل الخارجي أشد وضوحا منها في عين بطل المشهد المأزوم. 

ولعل أكثر ما يُثير الرُعب ويترك الحليم حيرانا، هو أن صدق اللجوء إلى الله قد صار في ذيل "الأدوات" و"الوسائل" التي يستعين بها الإنسان المعاصر على حياته. بل لقد غُيِّب تماما في أكثر الأحيان، حتى لتستشعر حجم مفاجأة من تُخاطبه حين تنصح نفسك وإياه؛ بدوام اللجوء إلى الله واستحضار معيَّتِه وعونه، فيزداد آنئذ رعبي؛ لأن المبدأ نفسه لم يجُل بخاطر مُحدّثي، أو نبذه المُبتلى المسكين، رُبّما باعتباره "حلّا غيبيّا" غير مضمون، ولا يؤدي لنتائج سريعة "تنعقِدُ عليها اليد".

إن هذا البؤس، وهذا الإنكار الضمني للحاكمية والفعالية الإلهية، ولو بصورةٍ كامنة وغير واعية، بسبب مخالفة المقدور لأهواء المبتلين وظنونهم؛ إنما محصلته الأخيرة والكارثيَّة هي الانصراف عن الله، لتوكَل النفس كُليّا إلى ضعفها وفقرها وهوانها وضياعها.

إن هذه ليست مُحاكمة للقلوب، وما كان لها أن تكون؛ فإنما نحن في زمان فتنة، والعاقل من خشي على نفسه منها. إنها صرخة إنذار جديرة بأن تستقر في أعماق من كان في قلبه ذرة إيمان بالله واليوم الآخر، فلن يُخرجنا من المستنقع الذي نغرق فيه سوى صدق اللجوء إلى الله وحُسن التوكَّل عليه. والعاقل من لم يحبس نفسه في سفاسِف الحياة اليومية، ودوَّامات الرزق، وصغائر الدنيا، مهما كانت وطأتها؛ وذلك إذ يجتهد في التخفُّف من ثقل الواقع بدوام الاستعانة بالله واستشعار معيَّتِه، وما من شيء يُسديه المسلم إلى أخيه خير من التواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ أن نتواصى بكثرة ذكر الله والصلاة على رسوله، وبصلاة الليل، وبصيام النوافِل، وبغيرها من الطاعات التي تهوِّن علينا مصائب الدنيا إذ تُخفِّف وطأتها على الحس. بهذا فقط قد نتحرَّر؛ فإن كمال حريَّة الإنسان لا يتحقَّق إلا بإخلاص التوحيد.

(1) نقله إلى العربيَّة الدكتور محمد علي آذرشب، أستاذ الأدب العربي في جامعة طهران" ونشرته تنوير للنشر والإعلام في القاهرة مطلع 2019م.