كتاب عربي 21

حقوق الإنسان بعد ثورات الشعوب

1300x600

أول المعطيات المتعلقة بمقولة حقوق الإنسان هو أنها تمثل مقولة مركزية في كل أنواع الخطاب السياسي والاجتماعي والأخلاقي والفكري بشكل عام. وهو ما انعكس سلبا في أحيان كثيرة على المفهوم نفسه لأن المصطلح الذي يتواتر استعماله بشكل مكثف يفقد في الغالب الأعم خصائصه النوعية ويتحول إلى شعار فضفاض مثل مقولة العدالة أو الديمقراطية أو الحرية أو حقوق الإنسان. لكن رغم تواتر استعمال المصطلح إلا أنه لا يزال يشكل حجر الزاوية في كل أنواع الخطاب الإنساني بشكل يجعل من قراءته وتبين سياقات استعماله ضرورة أساسية لفهم الحقل الدلالي الذي يغطيه المصطلح في كل نوع من أنواع الخطاب السابقة. 

مجالات المقولة 

يتميز استعمال مصطلح "حقوق الانسان" بكونه يرِد عادة في صيغة الجمع ونادرا ما يستعمل مضافا بصيغة المفرد. هذه الملاحظة تجعل منه أولا شبكة من الحقوق لا حقا واحدا فقط. فالإنسان الوارد في صيغة المفرد يملك مجموعة من الحقوق أو تتعلق به مجموعة من الحقوق تربطه بها علاقة اختصاص أو ملكية. ترد هذه الصيغة إذن في الخطاب الإعلامي وفي نصوص العلاقات الدولية بصيغة قانونية وكذلك في الخطاب السياسي بشكل خاص.

لكن يظهر الاستعمال الإعلامي متعلقا بالمجالات السابقة ولا ينفرد بصياغته الخاصة أي أنه عادة ما يستهلك المقولات السياسية والقانونية مع تطويعها للخط التحريري للوسيلة الإعلامية وهو ما يجعله أضعف الأنساق الخطابية قدرة على تحديد المقولات وأبعادها بل يمكن القول إن الخطاب الإعلامي هو أكثر المجالات استنزافا لدلالة المصطلح ومعانيه.

 

لم تتوقف المذابح والمجازر وموجات التهجير القسري والاغتيالات والإبادة الجماعية والتعذيب الممنهج داخل سجون الأنظمة الاستبدادية


أما أكثر النصوص القانونية والسياسية دلالة على المصطلح ومجالاته فهي تلك الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 1948 أي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعتبر الإعلان وثيقة دولية أساسية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وهي كذلك مكون أساسي للقانون الدولي إلى جانب مجموعة أخرى من الوثائق التكميلية مثل وثيقة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 ووثيقة العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لنفس السنة.
 
وكما يظهر من التسمية فإن مجموع هذا الوثائق قد أكد على الحقوق الأساسية للفرد بقطع النظر عن دينه وعرقه ولونه وموطنه وأهم هذه الحقوق والمبادئ مبدأ الحرية التي تتضمن حرية المعتقد والتفكير ورفض كل أشكال وصور انتهاك حرمة الانسان الجسدية والمعنوية. كما تأكد الوثيقة على جملة الحقوق المدنية والسياسية للفرد والجماعة مثل حق التعبير والتنظّم والتنقل والمساواة أمام القانون وغيرها من الحقوق الأساسية.

المتن والتطبيق 

لم يكن النص المؤسس لمقولة حقوق الإنسان في مفهومها المعاصر والذي تعبر عنه وثيقة الإعلان العالمي منفصلا عن جملة من المؤسسات التي وضعت للسهر على تطبيقه مثل محكمة العدل الدولية أو غيرها من المؤسسات القانونية. لكن رغم أهمية النصوص وجرأتها القانونية إلا أنها لم تنجح في تحقيق المنتظر منها على أرض الواقع ولا تزال الشعارات التي رفعها الإعلان حبرا على ورق في دول كثيرا لا تزال يعاني فيها الإنسان الحرمانَ من أبسط حقوقه المادية والمدنية. 

لقد كان الإعلان محاولة من النظام العالمي الجديد بعد الحرب الثانية تجاوز مأساة الحرب الأخلاقية وما ارتكب من مجازر أصابت الإنسانية بصدمة كبيرة. لكن يظهر جليا اليوم أن الوثيقة تحولت إلى أداة سياسية في يد القوى المنتصرة نفسها والتي صارت تستعملها سلاحا في وجه خصومها.
 
لم تمنع الوثيقة احتلال فلسطين ولا غزو أفغانستان ولا احتلال العراق ولا حرب فيتنام قبلها كما أنها لم تمنع كوارث انسانية كبيرة عرفتها البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم. لكن الأخطر هي الانتهاكات الجسيمة التي عرفتها منظومة حقوق الإنسان بشكل لم تنجح معه المؤسسات الدولية في الإيفاء بتعهداتها والوفاء للشعارات التي رفعتها في إعلانها العالمي. لم تتوقف المذابح والمجازر وموجات التهجير القسري والاغتيالات والإبادة الجماعية والتعذيب الممنهج داخل سجون الأنظمة الاستبدادية وحتى على يد جيوش الدول المبشرة بالديمقراطية كما هو الحال في العراق وأفغانستان مثلا.


ثورات الربيع ومقولة حقوق الانسان 

لم تكن ثورات الشعوب العربية الأخيرة في حقيقتها إلا موجات شعبية تلقائية خرجت مطالبة بحق الإنسان في الحرية والعدالة الاجتماعية ورفع الظلم المسلط عليه من قبل الأنظمة الدكتاتورية. طالبت الشعوب عبر الشعارات التي رفعتها بالحق في التشغيل أولا والحق في التعبير ثانيا والحق في الانتخاب واختيار الحاكم ثالثا. 

لكن الثورات المضادة المسلحة بالقوة العسكرية وبالغطاء السياسي الدولي كان لها رأي آخر إذ سارعت مبكرا في قمع المظاهرات وتنظيم الانقلابات على الإرادة الشعبية في خرق واضح وصريح لكل الأعراف والمواثيق الدولية التي أقرتها الوثائق المذكورة سابقا. لم تشهد المنطقة العربية خرقا لحقوق الإنسان مثل ذلك الذي شهدته ولا تزال خلال العقد الأخير من الزمان. في سوريا مثلا مارس النظام بغطاء وتواطؤ دولي وإقليمي أبشع أنواع الجرائم في حق المدنيين الذين كان يجب على القانون الدولي حمايتهم  كما فعل النظام المصري الشيء نفسه ضد معارضيه بعد الانقلاب العسكري وتحولت السجون المصرية إلى أعلى السجون كثافة في العالم حيث ترتكب أبشع الجرائم في حق المساجين المدنيين حسب التقارير الدولية.

 

إن سقوط منظومة الحقوق الدولية من اعتبار الوعي العربي الجديد الناسل من غبار الثورات الشعبية كان نتيجة سقوط قناع الحرية


لكن أخطر نتائج ثورات الشعوب الأخيرة هو الاهتزاز الكبير الذي عرفته مقولة حقوق الإنسان التي طالما رفعتها المنظومات الثقافية والسياسية الغربية لتفاخر بها. لقد ساندت الدول الأوروبية ومن ورائها الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم الانقلابات العسكرية وصمتت أمام الجرائم المرتكبة في حق المدنيين بما في ذلك قتل الأطفال وحتى استعمال الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا أكثر من مرة كما حدث في سوريا.
 
هذا المشهد الجديد نسف بشكل نهائي تقريبا كل الأوهام والآمال التي كانت الجماهير العربية تعلقها على المؤسسات الدولية وعلى منظوماتها الحقوقية. حيث ألغت الجرائم الأخيرة في حق المدنيين في اليمن وسوريا وليبيا والسودان ومصر ما تبقى من الشكوك حول مصداقية شعار حقوق الإنسان المرفوع دوليا خاصة بعد النتائج المفزعة التي تمخض عنها غزو العراق. 

إن سقوط منظومة الحقوق الدولية من اعتبار الوعي العربي الجديد الناسل من غبار الثورات الشعبية كان نتيجة سقوط قناع الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية التي طالما أشهرتها القوى الغربية في وجه الشعوب العربية. هذا المعطى الجديد سيشكل نقلة نوعية في تصور العقل العربي لمرحلة الخروج من الاستبداد في الجولة القادمة التي لن تكون فيها المنظومة الحقوقية الدولية منظومة مرجعية للنصوص والمقولات المؤسسة للمرحلة الجديدة كما كان الأمر في مراحل تاريخية سابقة من أطوار تاريخ هذه الأمة.