كتاب عربي 21

صورة السيسي وصوته: تأويلان من رواية أوسكار وايلد وفيلم الأب الروحي

1300x600

في رواية صورة دوريان غراي لأوسكار وايلد: يرسم الرسام التشكيلي بازيل صورة الشاب الوسيم دوريان غراي، فبازيل هو صورة المؤرخ أو صوت الناس، أو الضمير، ويمكن أن يكون الخالق الرمزي.. ودوريان غراي هو آدم وسيبيل هي صديقته التي تقابل حواء، وهنري هو الشيطان الذي يوسوس لدوريان غراي ويفسده ويدلّه على الرذيلة، فيبتعد دوريان عن صديقه الرسام وضميره، ويضلُّ بسبب رواية اطلع عليها أعطاه إياها هنري، قرأها فأفسدته وغيّرت عقائده، ويصير باحثا عن اللذة عابدا لها.

 

يوصيه الرسام بأن يكف عن السعي وراء المتعة ويقتصد فيها، وأن يعود إلى الرشد والصلاح، فيغضب منه ويقتل صاحب صورته، صديقه الأثير ونديمه بازيل، ويخفي جثته ويفسد حياة حبيبته ويهجرها. ويكون معيار فساد روحه هو صورته؛ فكلما ضلّ وفسد تشوّهت صورته في اللوحة..

الصورة هي الميزان، إنها تعكس روحه، أما جمال وجهه فعلى حاله ما يزال. يمكن خداع الناس بعمليات تجميل لكن لا يمكن خداع التاريخ والناس والزمن. يعاتبه شقيق سيبيل على الإساءة لأخته؛ فيقتله أيضا، ويأتي ليراقب التحوّلات التي طرأت على صورته، فيجدها قد شاهت، ويقرر التخلص من الصورة والتي تذكره بذنبه وجريمته، صورته في الواقع بين الناس جميلة لكنها في الحقيقة قبيحة، وتكون اللوحة سببا في دفع دوريان غراي إلى الانتحار. في نهاية الرواية تجد الشرطة رجلا مشوّها تتعرف عليه بواسطة خواتمه، إنه دوريان غراي.

عبد الفتاح غراي وسيم لدى أوليائه وشيعته من النخبة المصرية وطبقات العسكر العليا، هو "رمسيس التاني". تقول الأمثال: الرجال مخابر مش مناظر، والمرء بأصغريه؛ لسانه وقلبه، والقلب عقل، ومصداق ذلك في القرآن: "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا".. "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ".

وقد جعل إعلام مصر الرسمي السيسي جذابا تحبل بنجمه البنات في الشعر، ويقطّعن أيديهن ويقلنْ حاش لله، وشتان، ويهيم به القساوسة والشيوخ حبا. الشرير له جاذبية أيضا، جاذبية الرعب أقوى من جاذبية الحب، وهما متضادان؛ الحب يحتاج إلى تضحية من المحب، أما الرعب فيحتاج إلى تضحية من الضحية. هو أصلا المندوب السامي لكنه من البلد، ويشكّك الكثيرون في أصوله المصرية.. كلما عمد إلى أمر أو جريمة فساد مثل الترعة أو الكفتة أو سيناء فضحته الصورة وكشفته الوقائع، فتدخّل الأخطبوط الإعلامي محاولا إسعاف الصورة. سبحان رب الغلام. "صورة دوريان غراي" رواية تأويلية عن الخليقة، وعن ثنائية الشكل والمضمون، عن المخبر والمظهر، واستحالة طمر الجريمة، وحتمية انتصار الخير، يمكن تلخيصها بالمثل العربي القائل: الإناء بما فيه ينضح، إن لم ينضح الإناء بما فيه وكان فارغا فسيرنُّ أو يصفّر من الريح.

صورة دوريان السيسي تفسد، كلما حاولوا إصلاحها فسدت وتشوهت، ولا تصلح قصة السيسي لرواية تراجيدية لأنها مصرية، مع أنها مليئة بالدماء، وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا.

لم يكن خطأ ما ارتكبه وزير الرياضة أشرف صبحي بتمثال إله الموت وحارس التحنيط في عرض الافتتاح، بل صوابا، إذا شئنا تأويله يمكن القول إنه مقصود، ومع سبق الإصرار والترصد، فهو رسالة من تحت الدست تقول: إله الموت أنوبيس يحكم مصر، هدف السيسي هو قتل الأحياء وتحنيط الأموات.

أضحكنا رمسيس التاني في كلمته في الأمم الأفريقية سكران الصوت، وجاد بذلك الموال، ويوم تتويجه ظهر مسوّد الوجه، ومن أنواع الخزي التي نعرض عنها؛ السلطان: "االلَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ". ضحك المصريون والعرب من نظام السيسي باستحضار الرموز الوثنية للإخوان الفرعونيين لمحاربة الإخوان المسلمين، واحتفالا بقتل مرسي، للنكاية.

يطلب العرّاب غورليوني من مخرج أمريكي كبير إسناد دور البطولة في فيلم شهير إلى ابن العائلة، فيرفض المخرج، فهذا يعني سقوط الفيلم، فتدسّ له العصابة رأس حصان مذبوح في فراشه. وذكر مخرج فيلم العرّاب قصة طريفة، وهي أنه أحضر للممثل الذي مثّل دور المخرج رأس حصان حقيقي من مجزرة لحوم نافقة، حتى يظهر الرعب على وجه الممثل، وقد اضطر المخرج في الفيلم إلى منح الدور للممثل عديم المواهب وسقط الفيلم. وتنجح صناعة النجوم في إبراز نجوم، لكن ذلك لا يدوم طويلا. وهي مصحوبة بخزي يتأخر قليلا، وقد شعرنا برعب حقيقي ونحن نرى رأس أنوبيس الكلب ابن الكلب.


وكان الغرض هو إحياء الوثنية الفرعونية.