قضايا وآراء

عن توفيق البوطي وأمل عرَفة.. استخدامُ الدّين والفنّ

1300x600

في الجمعة الأولى بعد انسحاب قوات النظام السّوري والرّوسي من بلدة كفر نبوذة في ريف حماة، إثر هجمات عنيفة من الثّوار السّوريين، كانت خطبة جامع بني أميّة الذي اعتلى منبره الدكتور توفيق البوطي، العميد السّابق لكليّة الشّريعة في جامعة دمشق، والتي تبثّ عبر قنوات إعلام النّظام، عن غزوة أُحُد.

في هذه الخطبة، شبّه توفيق البوطي انسحاب قوّات النّظام السّوري "المجاهدين" (على حدّ وصفه) بانشغال الرّماة من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بجمع الغنائم، ممّا تسبّب بهزيمتهم!

توفيق البوطي يشبّه جيش الأسد ومن معه من المليشيات الطّائفيّة بالصّحابة، ويشبّه الشعب السّوريّ في المناطق الخارجة عن سيطرة النّظام بالمشركين، ويعدّ "التّعفيش" الذي يمارسُه جيش الأسد بحقّ بيوت ومنازل المواطنين واستباحتها بعد إعادة النّظام سيطرته على تلكم المناطق؛ انشغالا بجمع الغنائم يشبِه انشغال الصّحابة بجمع الغنائم يوم أحد!!

بعدَ أيّام يسيرةٍ من هذه الخطبة، عرضت القنوّات السّوريّة مقطعا تمثيليّا للفنّانة أمل عرفة ومعها مجموعة من الفنانين المنحازين للنّظام السوري، يسخر بشكلٍ مبالغٍ فيه وبإسفافٍ مستفزّ من مجازر الكيماوي التي وقعت للشّعب السوريّ، كما يسخر من فريق الدّفاع المدني في مناطق الثّورة والمعروف باسم "الخوذ البيضاء"، وهي مؤسسة أبلَت بلاء كبيرا إبّان الثّورة، وساهمت في تعرية النّظام وفضح جرائمه في عدد من المحافل الدوليّة، لذلك يحقد عليها النّظام حقدا يفوق حقده على الفصائل المُسلّحة.

الموقفان وإن ظهر أنّهما صدرا عن شخصيّات متناقضة من حيثُ التوجّهات العامّة، إلَّا أنّها يخرجان من مشكاة واحدة، ويعبّران عن انتماء أخلاقيّ واحد وتكاملٍ في الأدوارِ والمهمّات لكلّ من توفيق البوطي وأمل عرفة.

 

كل من مؤسسات الفنَّ والشّرع في ظلّ الاستبداد تفقد رساليّتها لتتحوَّلَ مجرّدَ أدواتٍ في ظلَّ منظومة الاستبداد

إنَّ كلا من مؤسسات الفنَّ والشّرع في ظلّ الاستبداد تفقد رساليّتها لتتحوَّلَ مجرّدَ أدواتٍ في ظلَّ منظومة الاستبداد التي تسخّرُ كلّ المقدّرات والمؤسسات والموارد البشريّة لخدمة المستبدّ وزبانيتِه ومهاجمة مخالفيه ومعارضيه.

وفي ظلّ الاستبداد ينتقلُ العلماءُ المسبّحون بحمد الطّاغية من خدمة الدّين إلى استخدامه، كما ينتقل الفنّانون الذين يطوفون حول صنم الحاكم بأمرِه من خدمة الفنّ إلى استخدامه.

واستخدام الدّين والفنَّ يكون بإعلاء شأن المستبدّ وتمجيده وتبرير جرائمه وقلب الحقائق ليغدو الضّحيّة هو المجرم وتتمّ مهاجمته بلا هوادة وتقامُ حفلات الرّدح الدّينيّ والفنّي بغية التّشنيع عليه.

 

لا يمكن تبييض وجه النّظام الاستبداديّ دون العمل على تسويد وجوه مخالفيه وشيطنتهم، ولذلك تغدو أموالهم غنائم مستباحة ودماؤهم مادَّة للسّخرية

فلا يمكن تبييض وجه النّظام الاستبداديّ دون العمل على تسويد وجوه مخالفيه وشيطنتهم، ولذلك تغدو أموالهم غنائم مستباحة ودماؤهم مادَّة للسّخرية وآلامهم وأوجاعهم مرتكزا للإضحاك، وهذا تماما ما فعلته أمل عرفة وتوفيق البوطي.

 

إنَّ توفيق البوطي وأمل عرفة وجهان مختلفان لجسدٍ واحد، وصورتان متباينتان لحقيقة واحدة، فكلاهما جنديّان من جنود بشّار الأسد، تتعدّد وجوههما وتتنوّع أشكالهما وتختلفُ ألسنتهما، ولكن تتفق قلوبهما وتتّحد مواقعهما في جبهة الاستبداد والإجرام والطّغيان، فهما من "القوّات الرّديفة" للجيش الذي يلقي البراميل ويقصف الآمنين بالكيماوي ويشيطن المدنيّين، والأمر لا يعدو كونه اختلافا في المواقع حسب ما تقتضيه المهمّة والاختصاص؛ بين منبر الأمويّ واستديوهات المسلسلات الرّمضانيّة.

إنَّ الاستبداد يعمد إلى إتباع المؤسّسات الشرعيّة والفنيّة على حدّ سواء للأجهزة الأمنيّة، ليتمّ مسخ صورتها الرّساليّة من خلال تجنيدها في محاولات تشويه الوعي، وتأليهِ المستبدّ وشيطنة مخالفيه. عندها تحدث ردّات فعلٍ عنيفة تجاه الدّين أو الفنّ بوصفه رسالة تخدم المستبدّ، فيعمد البعض إلى الكفر بالدّين والفنّ، إذ يراه خِلوا من رسالة الحقّ والعدل التي يفترض به تبنّيها والذّود عنها، ويراه جنديّا من جنود الباطل والإجرام.

 

توفيق البوطي وأمل عرفة وجهان مختلفان لجسدٍ واحد، وصورتان متباينتان لحقيقة واحدة، فكلاهما جنديّان من جنود بشّار الأسد

ومردُّ هذا إلى عدم التّفريق بين من يخدم الرّسالة السّامية، سواء كانت في الدّين أو الفنّ، وبين من يستخدم هذه الرّسالةِ لخدمة غايات وضيعة ودنيئة.

إنَّ السّخط ينبغي أن يكون منصبّا على المستبدّ الذي هو رأس الشّرور وأسّها، وعلى من قبلوا على أنفسهم أن يكونوا أدواتٍ طيّعة بيده، لا على المفاهيم الرّساليّة الكبيرة من الدّين والفنّ.

كما أنَّ السّخط وحده لا يكفي، فلا بدّ من السّعي الحثيث لعدم ترك السّاحة للمستبدّ يلعبُ فيها وحده، فأهل الشرع وأهل الفنّ ممن يخدمون الرّسالة ولا يستخدمونها، ويخدمون القضايا العادلة ولا يتسلّقون عليها؛ مطلوبٌ منهم تقديم خطاب ومشاريع مضادّة لهذه المشاريع والخطاب الذي تمثّله أدوات المستبدّ الشرعيّة والفنيّة، وإلّا فإنَّهم يتحمّلون مسؤوليّة السّماح لأمثال توفيق البوطي وأمل عرفة بتحطيم الصّورة الرّساليّة للشّرع والفنّ، وبتشويه الوعي الحاضر للجماهير، وتزوير التّاريخ لأجيال المستقبل.