قضايا وآراء

من ملامح التشيُّع في إيران

1300x600
يرى أستاذنا حامد الگار (1)، عن حق، أن التشيُّع قد وجد بيئة خصبة للنمو في إيران تحت الصفويين، وأن الإكراه والقهر، والحديد والنار؛ لا يكفيان قطعا لازدهار وتجذُّر تقليدٍ روحي (أي تقليد روحي مهما كان)، ناهيك عن أن يُثمِر واحدة من أهم الثمرات الثقافيَّة والروحيَّة في تاريخ الإسلام، بل يجب أن تكون التربة مهيأة أصلا لقبول التقليد الجديد. هذا النوع من التحول الديني (الجماعي غالبا) تسوق له نظريَّات علم النفس الاجتماعي أسبابا شتى، من بينها سبب ذو مقدرة تفسيريَّة مُعتبرة، ألا وهو شعور "المتحوِّلين" بخُذلان المذهب أو الدين القديم لهم، وتخليه عنهم؛ وهو عين ما شعر به المسلمون في إيران بعد الغزو المغولي، وانهيار ما نُسميه بـ"العالمية السنيَّة" مُجسَّدة في دولة العباسيين.

ورغم الأصول العربيَّة المحضة للتشيُّع، ورغم أن فرض الصفويين التشيُّع على إيران قد اعتمد أصلا على طبقة العلماء العرب المُجتلبين من جبل عامل والبحرين والأحساء، إلا أن التشيُّع قد وجد في إيران حاضنة أضفى عليها بعضا من خصائصه المميزة التي نعرفه بها اليوم. وهي الخصائص التي لا تجعل منه مذهبا "فارسيّا"، بقدر ما تُضفي على بنيته قدرا أكبر من التركيبية والتعقيد في إيران.

ولعل من أهم الخصائص التي يتميَّز بها التشيُّع المعاصر؛ هي القدرة الفائقة على الأدلجة، والسرعة الهائلة التي يتم بها ذلك، وهو أمر مرتبط بفرط الحرارة المشيحانية للوعي التاريخي، وحضور هذا الوعي حضورا شبه دائم، والقدرة على استدعائه في كل موقف؛ مهما صغُر.

هذا التوظيف الأيديولوجي/ المذهبي الناجح، في المجالين الاجتماعي والسياسي، ليس مجرد خبرة تاريخيَّة إيرانية فذة، بل هي مهارة فردية وجمعية عميقة التجذُّر كذلك. لذا؛ لم يكن من المستغرب أن تصير إيران الثورة هي الباب الملكي لأدلجة الإسلام في الثلث الأخير من القرن العشرين، وأن يكون الدكتور علي شريعتي (رحمه الله) هو الأب الشرعي لهذه الأدلجة، بغير غمط الأستاذ أبو الأعلى المودودي حقه.

وقد وجدت في كثير من أصدقائي الإيرانيين (على تبايُن خلفياتهم)، مصداقا لهذه الرؤية. إذ أن الإيراني كائن مؤدلج بطبيعته؛ فحتى التفكيكيون منهم يتبنون أيديولوجية تفكيكية راديكاليَّة عميقة، مؤذية إنسانيّا. بل وقد يكون الإيراني هو الكائن الوحيد الذي إذا "ألحد"، وخلا سلوكه تقريبا من كل ومضة إيمانية (أقول تقريبا فهو أمر لا يحدث بشكل تام أبدا) (2)؛ فإنه قادر برغم ذلك على استدعاء ديباجات أيديولوجية مذهبية، تُخالِفُ ظاهر اعتقاده بشكل قاس؛ لتوظيفها اجتماعيّا وسياسيّا.

ولعل هذه القدرة الفائقة على التوظيف الأيديولوجي، لأيديولوجيات مختلفة؛ هي ما يجعل من الإيراني كائنا يجنح (ولو نظريّا) للطوباوية بشكل مُريع. فرغم أنه يعيش داخل التاريخ ويدرك أثقاله؛ إلا أنه لا يكف أبدا عن محاولة التخفُّف منه والتخلُّص من أعبائه، وهي محاولات عنيفة قاسية، وإن كانت مفعمة بشجن إنساني سيزيفي عذب؛ شجن مصدره تأرجُحه بين هذه الطوباويَّة الحالمة وبين واقعيَّة وحشيَّة في ماديَّتها، فكأنه يتأرجح بين قُطبين مُتطرفين من أقطاب نفسه الإنسانيَّة.

وعندنا أن هذا التأرجُح المتطرِّف، بين قُطبين من أقطاب النفس الإنسانيَّة؛ سبب ونتيجة بذات الوقت، لا للانتشار السريع للتشيُّع في إيران فحسب، بل لقُدرته على التجذُّر والازدهار والإثمار كذلك. وقد صارت هذه الحركيَّة المعرفيَّة الفائقة أهم سمات "التشيُّع الإيراني"، التي تُكسِبه حيويَّة شديدة وفتوَّة مُتجددة يفتقدها التشيُّع نفسه في حواضره العربيَّة الأصليَّة. فكأن انتقال التشيُّع إلى إيران وفرضه عليها وازدهاره فيها قد ضمن له شبابا مُتجددا، وضمن، من ثم؛ للدولة التي تُحسن توظيفه مقدرة تفتقدها غيرها من الدول القوميَّة "المسلمة"!

__________
الهوامش:
(1) راجع: جذور الثورة الإسلامية في إيران، حامد الگار، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت. والكتاب قيد النشر هذا العام، إن شاء الله؛ وقد نقله إلى العربيَّة كاتب هذه السطور.
(2) للاستزادة بشأن طبيعة ظاهرة الإلحاد ذاتها؛ راجع مقالاتنا التالية على هذا الموقع نفسه: "تمدد الإلحاد الجديد"، و"من الإلحاد إلى الإيمان"، و"هل للإلحاد علاج؟".