قضايا وآراء

الإخوان والإغلاق الإداري

1300x600

تشكل جماعة الإخوان المسلمين الفصيل الأكبر وحجر الزاوية في طيف المعارضة المتنامي للنظام الحاكم في مصر، والذي نتج عن انقلاب عسكري صيف 2013. ومنذ الانقلاب والجماعة تتعرض لضربات قاسية أدت إلى انشقاقات داخلية وإحباطات عمت عموم أعضائها وطالت المحبين لها. والحال هكذا يتطلع الناس إلى قيادة الجماعة، فيجدونها عاجزة تماما وقليلة -إن لم تكن معدومة- الحيلة.

ومن شأن العجز وقلة الحيلة والفشل الناتج عنهما أن يفسح الطريق لكل مهتم بتقديم الحلول من وجهة نظره والإدلاء بدلوه، طالما أن الفشل قائم والعجز باد. 

في هذا السياق، قدمت اقتراحات مثل حل الجماعة، ومن ثم العمل خارج مظلتها، كما رأى آخرون الحل في استخدام العنف، وحمل السلاح ضد سلطة الانقلاب، وأنه لا خلاص منها إلا بهذه الطريقة. 

وهذه حلول انفعالية وغير مدروسة، وتسقط مع أدنى تدبر لعاقل. 

هذه النوعية من الحلول أدت إلى تخوف الإدارة الحالية للجماعة بقيادة الدكتور محمود حسين والأستاذ إبراهيم منير من انحراف الجماعة عن مسارها الذي رسمته لنفسها، أو انجرارها لاشتباكات قد تقضي على ما تبقى منها، وهما تخوفان مشروعان ومفهومان، لكن الذي لا يمكن تفهمه هو أن يكون شعار المرحلة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، أو أن يكون الخيار الأوحد للجماعة هو السلبية المطلقة حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده. فلو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض. 

وبين النقيضين السلبية التامة وحمل السلاح، وضعت الجماعة أمام ما يشبه الإغلاق الإداري: قيادة رافضة للحلول المطروحة عليها، سواء ما كان منها مقبولا وما كان غير مقبول، وترى في الجماعة أمانة تريد أن تؤديها كما هي، وتخشى من أي خطر قد يأتي على ما تبقى منها. وصف غير قادر على تغيير هذه القيادة على الرغم من انتشار الاستياء بين أعضائه عن أداء قيادتهم، لا سيما الشباب الذين تجاوزوا حد الاستياء إلى الغضب الشديد غير المكتوم.

لكن تصور أو تصوير الأمر على أننا أمام هذين الخيارين، أي السلبية التامة وحمل السلاح، اللذين لا ثالث لهما، شل حركة الجماعة تماما. والحقيقة أن بينهما حلول تجل عن الحصر، غير أنها تحتاج إلى أناس أصحاب عقل وتدبير وسداد رأي. ذلك أن الفعل السياسي مركب متعدد الأبعاد، قد يلجأ فيه السياسي أولا إلى خلق واقع وتكوين أرضية واكتساب أوراق تضعه في موضع أفضل نسبيا ومن ثم تمكنه من تحقيق هدف تكتيكي محدد. وليس الفعل السياسي من قبيل أن تقدم أحدهم بطلب فإن قبل فهو ناجح وإن رفض فهو فاشل. وتفكيك المركب وإدراك الأبعاد وإحداث الفعل ليس في استطاعة كل أحد. ولعلي أعود إلى هذا الأمر في مقال آخر.

أعود فأقول، في ظل هذا الانغلاق الإداري والأفق المسدود أقترح كحل وسط أن يتم تشكيل لجنة تحت إمرة القيادة الحالية تتولى ملف الانقلاب. أعلم أنه قد تم إنشاء مكتب أزمة من قبل وقد فشل. وأقول إن الفشل لم يكن في أصل الفكرة ولكن في تطبيقها، وذلك نتيجة للفهم الخاطئ لطبيعة اللجنة. إذ هي لجنة إدارية تتطلب توافقا بين أعضائها، وهذا ليس سبيله الانتخاب كما فعل في مكتب الأزمة. إنما سبيله تكليف أحد أعضاء الجماعة ممن يتصف بالحكمة وحسن التدبير وبعد الرؤية بتشكيل فريق ممن يحملون الصفات ذاتها، ويعطون من الصلاحيات ما يمكنهم من تنفيذ ما خططوه. 

وأخيرا أقول إن الجماعة بل الأمة المصرية تمر بأزمة كبيرة والأزمات الكبيرة تحتاج إلى عقول كبيرة، فمن فاته العقل الكبير فلا يفوته الإخلاص لأمر الدين والأمة والجماعة، ولا عيب في الاستعانة بآخرين، لا سيما في ظل عجز واضح وفشل محبط ومع عدو متجبر وصف متململ، وأخشى ما أخشاه أن تتمادى سلطة الانقلاب في ضرباتها للجماعة - وهو متوقع - فتنهار المؤسسة وتتآكل داخليا فلا يبقى -إن بقي- إلا الهيكل. 

هذه رسالة ناصح أمين وأسأل الله أن تكونوا ممن يحبون الناصحين، فإني:
أرى تحت الرماد وميض جمر *** ويوشك أن يكون له ضرام

والله من وراء القصد