كتب

الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر 4 من4

قال بأن البربر م ساميون، أي من العرب القدامى استقروا بالمغرب قبل هجرات الفتح الإسلامي (الأناضول)

الكتاب: البربر الأمازيغ عرب عاربة ـ وعروبة الشمال الإفريقي عبر التاريخ
الكاتب: الدكتور عثمان سعدي
الناشر: دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر.
الطبعة الأولى: 2018 ـ 269 صفحة من القطع الكبير

يكثر الحديث في هذه الأيام عن البربر: عن أصلهم، عن لغتهم، عن تاريخهم مع العرب ومع العربية ومع الإسلام. وهنا يستعرض الدكتور عثمان سعدي تاريخ المسألة البربرية، عبر مراجع فرنسية لتعزيز رأيه الوارد في الكتاب، والمتمثل في أن البربر من العرب العاربة، استقروا بالمغرب ضمن هجرات سابقة للفتح الإسلامي، على أساس أنهم ساميون، أي من العرب القدامى، بسبب بطلان التسمية السامية لتاريخنا، بإجماع المؤرخين. هذه التسمية التي أطلقها المستشرق اليهودي النمساوي "شلوتزر (Shlotzer)" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ويستبدل المؤرخون مصطلح الساميين بالأقوام العربية القديمة، ومصطلح اللغة السامية بالعربية القديمة أو العروبية.

إن البربر يعيشون في حوض حضاري، ولا أقول (عرقيّ)، يقع في هذا الامتداد الجغرافي، من سلطنة عمان شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً. وكان هذا الامتداد مسرحاً لمدٍّ بشري، منذ عشرات آلاف السنين، في الاتجاهين: من المغرب إلى المشرق، ومن المشرق إلى المغرب. فالمؤرخ الفرنسي "غوتييه (E. F.Gautier)" في كتابه "ماضي شمال إفريقيا"، يرى أن "الاحتمال الكبير هو أن الإنسان الذي عمر وادي النيل هاجر من الصحراء الكبرى.

 

إقرأ أيضا: الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر (4-1)

كما ششنق الأول البربري اتجه سنة 950 قبل الميلاد، من المغرب العربي الذي كان يسمى ليبيا في ذلك الوقت، وحكم مصر الفرعونية، وأسّس البربر الأسرتين المصريتين الفرعونيتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين، كما انطلق البربر من بلاد القبائل بالجزائر وأسّسوا الدولة الفاطمية، وبنوا القاهرة. إذن فإن البربر يعيشون وسط هذا الحوض الحضاري الكبير الذي عرف تبادل الهجرات منذ التاريخ القديم.

ومن الغريب أن ذوي النزعة البربرية افتعلوا ما يسمى بالتقويم البربري بمناسبة توجه ششنق إلى مصر، وسموه التقويم الششنقي، فزيفوا التاريخ، وحوّلوا هذه المناسبة من عنصر تاريخي موحد بين مشرق هذا الامتداد الجغرافي ومغربه، إلى عنصر مكرس لانفصالهما. ويطالب "البربريست" باعتماد هذا التاريخ كرأس للسنة البربرية، والاحتفال به كعيد وطني؛ مقابلاً لعيد المولد النبوي الشريف. بينما لا يعرف تاريخ البربر هذا النوع من التقويم.

البربر والعرب القدامى

يقول الدكتور عثمان سعدي: "إن بعض المؤرخين: مثل أحمد سوسة العراقي، وبيير روسيه الفرنسي، يرون أن الموجات البشرية الخارجة من الجزيرة العربية هي التي عمرت الشمال الإفريقي وحوض البحر الأبيض المتوسط بشماله وجنوبه، وذلك منذ بدء المرحلة الدافئة الثالثة (وورم Waem3) في التاريخ الجيولوجي للأرض، أي قبل عشرين ألف سنة. والتي نجم عنها ذوبان الجليد في أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وزحف الجفاف على شبه الجزيرة العربية، التي كانت تنعم قبل بدء هذه المرحلة، بمناخ شبيه بمناخ أوروبا حالياً (ص14).

 

إقرأ أيضا: الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر 2من4

وتعتبر هجرة الفينيقيين إلى المغرب واحدة من هذه الهجرات المتأخرة للأقوام العربية من الجزيرة العربية التي سبقت بهجرات سابقة لها، لم يسجلها التاريخ كما سجل هجرة الفينيقيين من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، ومن بلاد الشام إلى المغرب العربي، جاء عفوياً، يؤكد تبادل هذا المد البشري في هذا الحوض الحضاري الكبير.


ويؤكد المؤرخون العلماء الأوروبيون، من خلال استقراءاتهم لعلم الآثار والنقوش والكتابات القديمة المكتشفة، أن استيطان الفينيقيين ـ منذ منتصف الألف الثانية قبل الميلاد (أي منذ 3500 سنة) ـ هو الذي مهّد لسهولة قبول البربر للغة العربية والدين الإسلامي في القرن السابع الميلادي. ويرون أن اللغة البونيقية استمرت قائمة بالمغرب العربي، كلغة ثقافة وحضارة ودواوين، حتى بعد تدمير قرطاج، وخلال الاستعمار، وإلى أن دخل العرب المسلمون، فحدث الوصل بين البونيقية التي هي عربية قديمة، وبين العربية التي هي لغة حديثة طورها القرآن الكريم والإسلام.

 

تحول الدفاع عن خيار التعريب إلى مسألة قومية لها علاقة عضوية بالهوية العربية الاسلامية للجزائر،


كما أن هؤلاء المؤرخين يرون أن الديانة الفينيقية، أي القرطاجية، التي اعتنقها البربر، المؤسَّسة على شبه توحيد، هي التي جعلت نفوس البربر جاهزة لاستقبال الدين الإسلامي بهذه السهولة، بل وبهذه العفوية. 

إن إمبراطورية قرطاج، وحضارة قرطاج الراقية، التي استمرت سائدة في حوض البحر المتوسط وفي العالم، عدة قرون، تأسست نتيجة للتزاوج بين شعبين عربيين. الشعب الفينيقي القادم من لبنان، والشعب البربري الذي كان موجوداً بالشمال الإفريقي. والذي يؤكد ذلك أن الثقافة القرطاجية، من دين ولغة، بقيت قائمة بالشمال الإفريقي، إلى أن جاء العرب المسلمون فأقاموا عملية الوصل بين حلقتي الحضارة العربية.

ويستعرض الدكتور عثمان سعدي نصوصاً لمؤرخين فرنسيين، متخصصين في الدراسات البربرية والسامية، تؤكد هذه الحقيقة. 

التعريب والصدام مع اللوبي الفرنكوفوني
 
رغم أن الدولة الجزائرية أصدرت قانون تعميم استعمال اللغة العربية بالجزائر عام 1991، ووقعه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، لكن القانون جُمِّدَ لغاية 21 كانون الأول (ديسمبر) 1996، تلاه الرئيس اليامين زروال الذي أصدر مرسومًا يلغي فيه التجميد، وبعد مغادرته الحكم، جاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 1999 وترك القانون مجمّدا من دون مرسوم رئاسي.

ويطرح موضوع التعريب في الجزائر مسألتين في غاية الأهمية، ولكنهما مترابطتان: الأولى: لقد تحول الدفاع عن خيار التعريب إلى مسألة قومية لها علاقة عضوية بالهوية العربية الاسلامية للجزائر، وتحولت مقاومة التعريب إلى دفاع عن اللغة الفرنسية في شكل دفاع عن "الثقافة الشعبية" من جانب الحركة البربرية، هي صنيع الفرانكوفونية في الجزائر، فاللوبي الفرنكوفوني المسيطر على الدولة الجزائرية، يهاجم اللغة العربية ويحاول القضاء عليها لا سيما في الإدارة، وهو من يقف في وجه التعريب. وعندما أصدر البرلمان الفرنسي قانون تمجيد الاستعمار بالجزائر في 2005، ورغم محاولات النواب الجزائريين، إصدار قانون مضاد لتجريم الاستعمار الفرنسي، فإنّ اللوبي الفرنكفوني المتحكم في الدولة، منع صدوره.

 

إقرأ أيضا: الخيار العروبي والنزعة الأمازيغية في الجزائر 3 من4

الثانية: إنّ خيار التعريب له علاقة بسياسة الدولة في مجال التعليم والاقتصاد والسياســة عامة. فالحركة البربرية التي أسست لخدمة الفرنكوفونية أكثر من خمسة أحزاب سياسية إلى حد الآن في الجزائر، هي التي تناصب العداء لخيار التعريب، وما حققه من استقلال لغوي وثقافي عن اللغة الفرنسية في جميع مراحل التعليم وتخصصاته. ولايزال قانون تعميم اللغة العربية مجمّدا منذ عهد المجلس الأعلى الذي ترأسه علي كافي، ولا شيء يلزم التعامل بالعربية ما عدا المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، الذي يلزم أن تكون المناقشات والمراسلات بالعربية، فيما تتعامل عموم المؤسسات الخاصة والعمومية  للدولة الجزائرية باللغة الفرنسية.

 

إقرأ أيضا: دوّن بالفيديو| اللغة العربية وموقعها في التدريس بالجزائر

ومن الواضح أن الدفاع عن خيار التعريب باعتباره خيارا قوميا وديمقراطيا، بصرف النظر عن الجهات التي تقف وراءه وخلفياتها الأيديولوجية والسياسية ـ هل هي منساقة ومنخرطة مع هذا الخيار أم هي تستخدمه لأغراض سياسية ـ قد قابله مجموعة من التيارات المقاومة لخيار التعريب الذي يصب في المحصلة النهائية في موقع الدفاع عن اللغة الفرنسية في شكل الدفاع عن الثقافة الشعبية، خاصة من الأحزاب السياسية البربرية، وأبرزها "حزب  التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية".