قضايا وآراء

أزمة الثقافة والهوية العربية ورؤية حلها (3)

1300x600
قدّم الدين مجموعة من المعتقدات بوحدانية الله والمصدر والمرجعيَّة، ثم قدّم معها مجموعة من الأوامر والنواهي الثابتة التي لا يمكن أن تتغيَّر؛ لأنها جاءت للناس من صنع وإرادة الله عن طريق الأنبياء والرسل، وليس للإنسان إلا أن يستجيب لها من دون تغيير ولا تحريف ولا تبديل، ثم يتم توريث ونسخ هذه الثقافة والهوية إلى الأجيال التالية جيل تلو جيل، وهكذا تتسم المجتمعات الدينية بالجمود، ثم بالتقادم أمام تيارات التحديث المستمرة.

القيم والمبادئ في الثقافة الغربية:

جاء عن طريق مناهج البحث العلمي الذي يستند إلى رصد الظاهرة وتحليلها وتفسيرها علميّا، ويفترض لها فرضيات، ثم ليبحث ويستخرج قانونها العلمي الرصين، فإذا أفلحت فيها، وإلا فلا حرج في استبدالها بفرضية أخرى، وصولا إلى نتائج أفضل وأقرب إلى الصواب. وعلى هذا النهج العلمي، إذا توارث المجتمع قيم ومبادئ ما، ثم ثبت فشلها وعدم نجاحها، يمكن للناس استبدالها بما هو أصلح وأنفع.

وعلى هذا التصور المركب يكتشف المفكر المصري "زكى نجيب محمود" أزمة المجتمع العربي المتدين حتى لا يتورط في الجمود والتراجع عن البشرية، بما سيؤدى به إلى الخضوع والاستسلام والتبعية.

وعلى العرب أن يفرّقوا بين المبادئ التي تتعلق بالعقيدة، ولا مانع من المحافظة عليها التمسك بها، أما القيم والمبادئ الأخرى والتي يصنعها الإنسان وتتسم بالتغيُّر، عليه أن يترك القديم ويتمسك بالجديد، حتى يلحق بركب البشرية وينجو بحياته من التحلل والدمار.

مناقشة أفكار ودلالات وإيحاءات وما بين سطور هذا العرض:

1- هناك فصل بين العقائد والقيم والمبادئ، كما تُوحي طريقة التناول بأن العقائد جاءت لتمهيد الطريق والسيطرة على عقول الناس أولا، ثم لتعبئها بالقيم والمبادئ.

وفي ذلك خطأ كبير، حيث أن فلسفة القيم في الإسلام تقوم على تحقيق المنفعة للإنسان والمجتمع والناس كافة، ويتعلمها الإنسان ويتمسك بها لتحقيق هذه المنفعة له وللمجتمع وللناس كافةـ من منطلق وهدف أكبر وأسمى وأبعد استراتيجيّا، وهو إرضاء الله عزَّ وجل والفوز بجنته وتجنب معصيته وسخطه، بمعنى أن العقيدة الإسلامية تعزز التمسك بالقيم.

كما أنه لا يوجد قيم عقدية وأخرى غير عقدية، فكلها قيم إنسانية حضارية لها مجالات ومستويات وأشكال تطبيق مختلفة بحسب طبيعة الواقع ومعطياته الخاصة به، والأهداف الخاصة بكل قيمة.

2- الثقافة العربية وعمودها الفقري الإسلام تقدم مبادئ وقتية فقط وافقت العصور القديمة، ولم تعد صالحة للعصور التالية، في حين أن الثقافة الغربية تصنع وتطور قيمها وثقافتها وفق مقتضيات العصر وبطريقة علمية منفتحة ومرنة.

هنا مغالطة كبيرة أخرى في فهم حقيقة وفلسفة القيم في الإسلام، حيث إن القيمة مجرد ثابت، بيد أنّ التطبيقات السلوكية لكل قيمة تختلف من مرحلة عمرية ونوعية، ومن مجال مهني لآخر، ومن مجتمع وظرف إلى مجتمع وظرف آخر، بمعنى أن القيم تحتاج إلى إعادة بناء مفاهيمي معاصر يتجدد باستمرار، وأدلة سلوكية دائمة التحديث والتطوّر حتى تنتهي الحياة بقيام الساعة، وذلك لأن الإسلام يقدّم تعريفا عاما للقيمة مع توسع كبير في بيان أهدافها وغاياتها، تاركا للعقل والفكر البشرى آفاق تطوير مفهوم القيمة وتطبيقاتها السلوكية بتطور فكره البشري ومعطيات حياته الواقعية، بيد أن توقف الإنتاج العلمي الإسلامي في مجال القيم في هذا الباب والاستناد على ما كتبه السابقون، ربما يكون له الأثر الأكبر في هذه المغالطة، فعندما تصدر موسوعة القيم الحضارية بفهم ولغة معاصرة، مرفقا بها الدليل السلوكي المعاصر لكلّ قيمة، سيقضي عمليّا على هذه الإشكالية وبشكل نهائي، وعندها سنقول جميعا: إنَّ الإسلام قدّم قيما قابلة للتحديث المستمر، وأنَّ المسلمين يمتلكون القيم والثقافة والهوية الحضاريَّة باللغة التي تكافئ الغرب، بل وتتفوق عليه.

3- الإنسان المتدين كائن منزوع العقل والتفكير والإرادة:

هذه مغالطة كبيرة، وذلك أن الالتزام بالقيمة يتطلّب فهمها والاقتناع بها وبأهميتها أولا، ثم يجتهد في تحصيلها والالتزام بها قدر المستطاع، أي بحسب مستوى فهمه وحافزيته الذاتيَّة للتمّسك بها، وعوامل الضبط والرقابة من حوله. كما أنّ مجالات الإبداع في تطبيقات القيمة الواحدة؛ متعدِّدة وواسعة وبينة في التنافس البشري بين الأفراد بعضهم البعض. كما أنَّ المعاينة العملية تكشف عن عدم التزام بعض الأفراد ببعض القيم، رغم قناعتهم العقليَّة بها ولكنها تتعارض مع مصالح وقتية، وربما يؤجل الالتزام بها لحين معين.

4- يتسم بعض المتدينين بتغييب العقل والعلم، بينما تجد في مقابل الغرب العقلاني العلمي يستند في بناء قيمه وثقافته وفق أحدث النظم العلميَّة الحديثة المتجددة.

5- القيم والمبادئ في الإسلام تورث ولا تصنع وتتطور، وهذه فرية كبيرة، فالقيم تورث وتصنع معا، كما أن مساحات الإبداع واسعة على مستوى الفهم، والممارسة، وكثيرا ما تجد جيل الأبناء أكثر فهما والتزاما بالقيم والمبادئ عن سابقيهم، كما أن القيم تصنع بتطوير مفهومها، وتطوير مجالات ومستويات وفضاءات تطبيقها.

وهناك قيم جديدة يتم نحتها وتصنيعها وإنتاجها نتيجة تلاقح القيم بعضها البعض أو عبر أهداف وغايات عليا لقيم أخرى، أو عبر احتياجات الواقع.

6- المتدينون أمام خطر كبير قد يودي بحياتهم بسبب هذه القيم الدينية القديمة، وهم أمام خيار وحيد حتى ينجوا بأنفسهم ويلحقوا بركب البشرية الحديثة تحت لواء القيم والمبادئ والثقافة الغربية الحديثة، وعليهم سرعة التحول عن قيمهم الدينية حتى ينجوا بأنفسهم ولا مانع من الاحتفاظ ببعض القيم العقدية.

هذا الأمر فيه شيء من الصواب وشيء من الخطأ، فحقّا إن العرب أمام خطر كبير نتيجة توقفهم عن الاهتمام بعلم وصناعة القيم والهوية، وتوقف إنتاجهم الفكري. ونجاتهم من هذا الخطر، تحتاج إلى تأسيس وتطوير صناعة صلبة كبيرة للقيم والهوية تستند إلى ما تمتلكه الثقافة الإسلامية من موروث، وإلى ما وصل إليه العالم المعاصر في علم وصناعة القيم والهوية وفق مناهج العلم الحديث. وبهذا يتبين لنا أهمية صناعة القيم والهوية.