كتاب عربي 21

إلى متى لا نثق بالتوثيق؟

1300x600
ما زال معظم تاريخنا يقوم على الرواية الشفهية، ويبقى أمر التدوين والتوثيق حسب الأصول المتعارف عليها، متروكا لمحترفي "التأريخ" من الأكاديميين، لينقبوا هنا وهناك، ثم يسجلوا على الورق أو الكمبيوتر شهادات وإفادات، كثير منها متداول شفاهة.

ولا يمكن إنكار أن مؤرخين هواة قاموا بتدوين معظم تاريخنا القديم والمعاصر، وبالتالي كان ما دونوه غير خاضع للضوابط التي تجعل إنتاجهم عالي الموثوقية، ولكن لا سبيل أيضا لإنكار أنهم قدموا خدمات جليلة للأجيال اللاحقة لمعرفة الوقائع التي كتبوا عنها.

وسيظل هناك تعويل على الرواية الشفهية لتسجيل وقائع تاريخنا المعاصر، لأن شاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية العليا في البلاد العربية، لا يثقون بالورق والوراقين، ولا يدونون تجاربهم في الحكم وتصريف الأمور، ويتركون تلك المهمة لوسائل الإعلام الواقعة تحت سنابك بِغالهم، لتشيد أولا بأول بكل ما يأتونه من أقوال وأفعال، وبذلك يأتي سجلهم خاليا من المثالب.

مذكرات حرب أكتوبر 73

وفي تقديري، لا يعرف تاريخ مصر القديم والحديث عملا توثيقيا ذا قيمة تاريخية عالية، كـ "مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي" البطل الحقيقي في معركة العبور في تشرين أول/ أكتوبر من عام 1973، فقد جاءت المذكرات مدعمة بالأرقام والإحصاءات والمستندات الرسمية، بما يشي بأن الرجل كان يعي أن الاستعداد لتلك الحرب ثم خوضها يمثل منعطفا تاريخيا كبيرا وخطيرا، وعكف من ثم على تدوين كل شيء يتعلق بها، مستفيدا من موقعه كرئيس هيئة أركان القوات المسلحة المصرية.

وكان الرئيس المصري ـ وقتها ـ أنور السادات قد عمد لإلقاء تبعة تحويل نصر أكتوبر إلى "تعادل" على الشاذلي، رغم أنه (السادات) هو من حشر أنفه في أمور عسكرية لا يفهمها، وسمحت قراراته بتسلل الجيش الإسرائيلي عبر ما بات يعرف بثغرة الدفرسوار.

تناولت مذكرات الشاذلي كل شاردة وواردة عن تلك الحرب، ومن الظلم للرجل اتهامه بأنه كتب ما كتب لتبرئة نفسه من جريرة الدفرسوار، فمن يقرأ المذكرات يدرك أنه كان يدون كل ما يتعلق بتلك الحرب، منذ صدور القرار السياسي بخوضها، وبالتالي دون أن يتوقع أن ما يدونه سيبرئ ساحته من الاتهام بالتقصير وسوء التقدير.

تعرض الشاذلي لسيول من السباب والإتهامات لتعذر تجريح شهادته، حول قرارات السادات الخاطئة خلال مسار الحرب، ولم يسلم من الأذى بعد حلول حسني مبارك محل السادات، لأنه (الشاذلي) قال إن ما تردد من أن مبارك قاد أول طلعة جوية ضد المواقع الإسرائيلية في حرب أكتوبر كذب صراح.

ومثل ما عاناه الشاذلي من نفي وتغريب اختياري أو إجباري، هو ما يحمل معظم الشهود على وقائع  العصر على الصمت المؤقت او المستدام، ولهذا لا تجد إلا قلة قليلة من الذين شغلوا مناصب عليا في الدول العربية يوثقون لتجاربهم في دفة الحكم: خوفا من أن التوثيق قد يثير غضب آخرين من ذوي المناصب الأرفع، أو من أنه قد يكشف كم كذبوا وكم دلسوا.

ولم يفتح الله على السادات سوى بكتاب التزلف والتدليس الذي أصدره عندما كان يعيش في ظل جمال عبد الناصر "يا ولدي هذا عمك جمال"، وبعد أن حل محل جمال في قصر الرئاسة لحس كل ما قاله في ذلك الكتاب، ولعن خاش ناصر.

نماذج مُهمّة

ولا يعادل مذكرات الشاذلي قيمة تأريخية ـ فيما أعلم ـ سوى كتاب "مذكّرات مقاتل" الذي يؤرّخ فيه رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق نزار عبد الكريم فيصل الخزرجي للحرب العراقيّة ـ الايرانيّة.

ولعل أحمد بن بيلا هو رئيس الحكومة العربي الوحيد الذي كتب مذكرات تتعلق بسيرته السياسية والنضالية، بما لها وعليها، فحتى لو جاءت المذكرات تبجيلا للذات، ونقدا جارحا للخصوم، يكفي بن بيلا أن قال كلمته، بما يحفز الآخرين على نقد وتقويم ما كتب.

وزير الإعلام الأردني الأسبق عدنان أبو عودة أصدر "يوميات" دسمة تناول فيها تجربته في دهاليز الحكم على مدى قرابة عقدين من الزمان، وجواد الهاشم أفضل من وثق لتاريخ العراق خلال الحقبة التي صعد فيها حزب البعث إلى السلطة، والصراعات داخل الحزب.

ويحمد كثيرون لنائب رئيس ووزير خارجية سوريا لحين طويل من الدهر، فاروق الشرع، إصدار كتابه/ مذكراته "الرواية المفقودة" الذي يستعرض فيه الصراعات الداخليّة حول السلطة في سوريا، وحتى أمرا مسكوتا عليه سوريّاً، وهو دخول مفاوضات مع الإسرائيليين.

ولأن مصادر التاريخ المُعاش/ المعاصر هي وسائل الإعلام، ولأن وسائل الإعلام العربية مناط بها صنع وعبادة الأصنام، فلا غرابة في أن ينصرف المواطن العربي العادي عن درس التاريخ، ولا غرابة في أن "مذكرات اعتماد خورشيد"، باع أكثر مما باعت مذكرات جميع الساسة العرب عبر القرون.

ورغم أن المذكرات الخورشيدية هذه تتناول علاقات الفراش بين كبار سدنة حكم جمال عبد الناصر، من رجال المخابرات، إلا أن خصوم ناصر يعتبرونها أقوى إدانة لما بات يعرف بالتجربة الناصرية، فتأمل تاريخنا منذ فجره يقوم على القيل والقال، وفتحنا بذلك باب الارتزاق بالاستشراق.